من المفترض أن يناقش مجلس الوزراء في جلسته اليوم مقترح الكتاب الموجّه إلى سوليدير، الذي خلصت إليه اللجنة الوزاريّة المكلّفة دراسة ملف الشركة، التي تنتهي مدتها عام 2029.
وبحسب مصادر "المدن"، استبعدت اللجنة فكرة عدم التمديد وتصفية الشركة، حيث سيؤدّي هذا الإجراء إلى تركيز ملكيّات وسط العاصمة بيد حلقة ضيّقة من المضاربين العقاريين المقتدرين، بدل تطوير عقارات المنطقة، وهذا ما سيُفاقم الاختلالات الموجودة أساساً. كما استبعدت فكرة التمديد الطويل الأجل، من دون معالجة الإشكاليّات القائمة.
وفي النتيجة، خلصت اللجنة إلى اقتراح تمديد محدود الأجل، مع شروط وجداول زمنيّة لتنفيذ الالتزامات المتوجبة على الشركة، وغير المنفّذة حتّى الآن. كما اقترحت وضع آليّات للحد من احتفاظ الشركة بالعقارات غير المطوّرة، أو العقارات المبنية الشاغرة.
شروط مسبقة
بحسب مقترح الكتاب الذي سيُناقش اليوم، ستضع الحكومة ثلاث شروط غير قابلة للتفاوض، ينبغي تنفيذها قبل بدء النقاشات مع الشركة:
1- إجراء تدقيق مفصّل في موجودات وأصول الشركة، بهدف تقييمها. وهذا ما يفترض أن يسمح بمعرفة القدرات الماليّة المتاحة وقيمة المحفظة العقاريّة الموجودة، والتي يمكن على أساسها جدولة التزامات الشركة.
2- تقديم براءة ذمّة، تؤكّد سداد الشركة كافة الالتزامات الضريبيّة المتوجبة عليها.
3- الحصول على قرار من الجمعيّة العموميّة للشركة، يطلب تمديد مدّة الشركة. وهذا ما يتيح بدء المفاوضات على أساس تفويض صريح من المساهمين.
تمديد مرحلي ومحدود
بحسب مقترح الكتاب، ستطلب الحكومة تمديداً محدوداً، لفترة قد تتراوح بين سبع وثماني سنوات، ويمكن بعدها التجديد لمدّة مماثلة في حال التزام الشركة بالموجبات المتفق عليها.
وخلال هذه المدّة، ستطلب الحكومة جدولاً زمنياً، لتنفيذ الالتزامات المترتبة على الشركة، مع إمكانيّة فرض غرامات على التأخير في التنفيذ، وتحديد حالات الإخلال الجوهري بالعقد عند وقوع المخالفات الجسيمة (وهذا ما يتيح فسخ العقد لاحقاً). وبهذا الشكل، تضمن الحكومة تنفيذ مشاريع المخطط التوجيهي الموجود أصلاً، الذي لم يُنفّذ جزء كبير منه.
وكانت سوليدير قد استفادت تاريخياً من إعفاءات ضريبيّة سخيّة، وتسهيلات شملت قروض مدعومة، بالإضافة إلى نقل عقارات عامّة إلى محفظة الشركة. ويرى الكتاب أن سوليدير لم تقدّم -في المقابل- للصالح العام ما يكفي لتبرير هذه الامتيازات.
وعلى مستوى النشاط العقاري، وخلال فترة التمديد، يطلب الكتاب:
1- وضع آليات تحد من احتفاظ الشركة بالعقارات المبنية، بما يشمل الشقق السكنيّة والأقسام التجاريّة. وهذا ما يفترض أن يحقق الهدف الأساسي من تأسيس الشركة، أي بيع عقارات الوسط التجاري بعد تطويرها، لتحقيق المنفعة الاقتصاديّة والاجتماعيّة منها، بدل احتكار هذه العقارات الشاغرة من قبل الشركة.
2- وضع آليات للحد من احتفاظ الشركة بالعقارات غير المبنية، وهو ما يفترض أن يحقق أهداف تطوير هذه العقارات وإحياء وسط العاصمة اجتماعياً واقتصادياً، بدل اكتناز هذه العقارات من قبل الشركة للاستفادة من زيادة الأسعار المستقبليّة.
3- إعادة النظر بالإطار الضريبي المعتمد، بهدف تسديد سوليدير لموجباتها الضريبيّة كأي شركة عقاريّة أخرى.
تنفيذ المشاريع المؤجلة
يطلب الكتاب فرض جدول زمني واضح لتنفيذ المشاريع التي تحقق المصلحة العامة، والتي تأخّرت شركة "سوليدير" في تنفيذها سابقاً، على أن يمتد هذا الجدول على السنوات الثماني المقبلة، مع تحديد المهل الزمنية اللازمة لإنجاز كل مشروع. مع الإشارة إلى أنّ هذه المشاريع تشكّل جزءاً من المخطط التوجيهي -غير المُنفّذ- الذي برّر وجود الشركة، مع كل الامتيازات التي حصلت عليها.
وتشمل المشاريع المرتبطة بالواجهة البحرية استكمال حديقة رفيق الحريري عند الواجهة البحريّة، وإنشاء مرآب للسيارات لخدمة الحديقة بمساحة تبلغ 60 ألف متر مربع، فضلاً عن استكمال الكورنيش البحري وربطه بالكورنيش الممتد من الرملة البيضاء إلى المرفأ. كما تشمل استكمال تطوير الحوض الشرقي في المرفأ ليكون مرفأً سياحياً، ونقل ملكية موقف السيارات المجاور للحوض الغربي إلى بلدية بيروت.
وفي وسط المدينة، يطلب الكتاب استكمال تطوير ساحة الشهداء، وإنجاز موقف عام للسيارات تحت الساحة أو في موقع بديل في حال تعذّر ذلك بسبب وجود آثار، إلى جانب تطوير حديقة الغفران الواقعة بين ساحة الشهداء وساحة النجمة.
كما تنصّ المشاريع على وضع مخطط عام لربط خطوط النقل ومسارات المشاة بين ساحة الشهداء ومحيطها المدني، بما يشمل الأحياء والمناطق المجاورة، مع ربط وسط المدينة بمحيطه من خلال مسارات مخصّصة للمشاة. ويضاف إلى ذلك إنجاز متحف تاريخ بيروت شمال ساحة الشهداء، وترميم المسرح الكبير، الذي شُيّد عام 1929.
ويطلب الكتاب كذلك اعتماد استراتيجية لتنشيط الحركة الثقافية في وسط المدينة، بما يشمل إنشاء منطقة للفنون وحيّ لبناني للأزياء والتصميم، مع توفير مساحات بأسعار ميسّرة للمصممين الناشئين. ومن المفترض أن تتكامل هذه المشاريع مع إجراءات تهدف إلى خفض الاختناقات المرورية المتوقعة، ولا سيما على طول الواجهة البحرية، وتحسين الترابط بين المرافق العامة والثقافية والسياحية ومختلف أجزاء وسط بيروت.
إشكاليّات تاريخيّة
يحاول الكتاب معالجة مجموعة من الإشكاليّات التاريخيّة التي تناولتها العديد من دراسات التنظيم المدني حول موضوع شركة سوليدير.
إذ تأسست شركة "سوليدير" عام 1994، ونُقلت إليها ملكيات عدد كبير من العقارات الخاصة والعامة في وسط بيروت، وكُلّفت بإعادة تخطيط المنطقة وتطويرها وإعمارها، ثم بيع العقارات واستثمارها، على أن تنتهي مهمتها بحلول عام 2019.
وفي مقابل الامتيازات الواسعة التي حصلت عليها الشركة، التزمت الشركة بتنفيذ مجموعة من المشاريع ذات المنفعة العامّة (ضمن المخطط التوجيهي). وكان مبرّر إنشاء الشركة الحاجة إلى التخطيط العمراني الشامل في وسط العاصمة، وتسريع عمليّة إعادة إعماره. مع الإشارة إلى أنّ الشركة حصلت على تمديد لمدّة 10 سنوات، ما أجّل انتهاء مدتها لغاية العام 2029.
لكن حتّى هذه اللحظة، ما زالت الشركة تحتفظ بنحو 1.35 مليون متر مربّع من أراضي وسط العاصمة، من دون تطويرها. وهذا ما يشير إلى أنّ الشركة تحاول المضاربة والاستفادة من ارتفاع القيمة السوقيّة للعقارات، بعد احتكارها، بدل تطوير العقارات وبيعها وفق الهدف الأساسي من إنشائها. كما تستمر الشركة في اكتناز مخزون ضخم من العقارات المبنيّة والشاغرة، وهو ما يقلّص المعروض في السوق العقاري، ويسهم في الإبقاء على مستويات مرتفعة من الأسعار. وبهذا الشكل، باتت آليّات عمل الشركة تتعارض مع متطلبات إحياء وسط المدينة عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً.
وفي الوقت نفسه، لم تنفّذ سوليدير مجموعة كبيرة من مشاريع المنفعة العامّة، التي برّرت الامتيازات التي حصلت عليها الشركة (وهي نفسها لائحة المشاريع التي طالب الكتاب بتنفيذها عند تمديد مدّة الشركة). مع العلم أن سوليدير استفادت من تسهيلات وامتيازات بقيمة 3 مليارات دولار، ويشمل هذا المبلغ الإعفاءات الضريبيّة وكلفة القروض المدعومة والعقارات العامّة التي حصلت عليها الشركة.
باختصار، يحاول الكتاب المقترح تقديم مقاربة متوازنة، بما يربط التمديد للشركة بتنفيذ كل تلك الالتزامات، وبما يحد من سياسة كسب الوقت التي مارستها الشركة سابقاً، عبر تأخير تطوير العقارات والاحتفاظ بالعقارات المبنية، بهدف المضاربة والكسب من ارتفاع الأسعار. وهذا ما سيسمح بتكريس الشركة للمهمّة الأساسيّة التي وجدت من أجلها قانوناً، أي إعادة إعمار وسط المدينة، وإحياء هذه المنطقة عمرانياً واقتصادياً واجتماعياً، مع ربطها بمحيطها المُدني.




