لم يكن بائع المفرق موفق العبود، في منطقة المزة بدمشق، يتوقع أن يخسر جزءاً من مدخراته لمجرد أنه لم يتمكن من الوصول إلى مركز استبدال العملة القديمة. كان بحوزته مليون ليرة سورية قديمة، أراد تحويلها إلى العملة الجديدة قبل انتهاء المهلة، لكنه وجد نفسه أمام تاجر يعرض عليه تولي العملية مقابل اقتطاع جزء من قيمتها.
وما كان يفترض أن يكون عملية مصرفية بسيطة، تحوّل مع اقتراب انتهاء المهلة إلى سوق سوداء موازية، يحدّد فيها الوسطاء السعر بمعزل عن معيار الاستبدال الرسمي.
وفق معيار الاستبدال الرسمي، تعادل كل 100 ليرة سورية قديمة ليرة سورية جديدة واحدة، وبالتالي فإن مليون ليرة قديمة تساوي 10 آلاف ليرة جديدة، أي نحو 76.8 دولاراً، بحسب سعر الصرف اليوم البالغ 130.25 ليرة سورية جديدة للدولار الواحد.
لكن التاجر، بحسب رواية العبود لـِ "المدن"، دفع له 9 آلاف ليرة جديدة فقط؛ أي نحو 69.1 دولاراً، واحتفظ بألف ليرة جديدة، تعادل نحو7.7 دولارات، كعمولة.
لم يكن الخمسيني أمام صفقة بيع عملة بأخرى، ولا أمام سعر صرف يتغير وفق حركة السوق. كان يسلم أوراقاً نقدية قديمة لشخص يتولى استبدالها عنه، بعدما ضاق به الوقت ولم يتمكن من الوصول إلى القنوات الرسمية.
يقول إن التاجر برّر الفارق بأنه مقابل "الجهد والوقت" اللذين سيبذلهما في جمع الأموال ونقلها واستبدالها. وبالنسبة إلى العبود، لم يكن أمامه الكثير من الخيارات، فاختار خسارة جزء من المبلغ مقابل التخلص من الأوراق القديمة قبل انتهاء المهلة.
أموال الإخوة
القصة نفسها تكررت مع باسمة الورد، لكن على نطاق عائلي أكبر. جمعت باسمة ما لدى إخوتها من أوراق نقدية قديمة لتتولى استبدالها نيابة عنهم، معتقدةً أن جمع المبالغ في مكان واحد سيجعل العملية أسهل.
لكن عندما لجأت إلى أحد التجار الذين يجمعون العملة القديمة، طلب منها، اقتطاع 15 ألف ليرة قديمة عن كل 100 ألف ليرة قديمة تسلمه إياها.
وبالحساب الجديد، فإن 100 ألف ليرة قديمة تعادل ألف ليرة جديدة؛ أي نحو 7.7 دولارات. وبعد الاقتطاع، كانت تحصل على 850 ليرة جديدة، أي نحو 6.5 دولارات.
لم تكن باسمة تخسر مالها وحدها، الأموال التي جمعتها تعود إلى إخوتها، وكان عليها بعد انتهاء العملية أن تشرح لهم لماذا عادت إليهم مبالغ أقل مما سلموها. تقول لـِ "المدن": جمعت أموال إخوتي حتى أستبدلها عنهم، وفي النهاية أصبح عليّ أن أعيد لهم أقل من المبلغ الذي سلموني إياه.
سوق موازية تتشكل
مع اقتراب انتهاء المهلة، لم تعد هذه الحالات تبدو معزولة. مواطنون تحدثوا عن أشخاص يجمعون العملة القديمة من أصحابها مقابل دفع قيمة أقل من القيمة التي يفترض أن يحصلوا عليها عبر الاستبدال الرسمي.
وفي بعض الحالات بالمحافظات السورية ، وصل الاقتطاع، بحسب شهادات مواطنين، إلى 25 في المئة. فكل 100 ألف ليرة قديمة، التي تعادل ألف ليرة جديدة، يجري شراؤها مقابل 750 ليرة جديدة فقط، أي نحو5.8 دولارات.
وعند تطبيق النسبة نفسها على مليون ليرة قديمة، يحصل صاحبها على 7500 ليرة جديدة، أي نحو 57.6 دولاراً، بدلاً من 10 آلاف ليرة جديدة، أو نحو76.8 دولاراً.
ولا تقتصر السوق التي تشكلت على هامش عملية الاستبدال على الأوراق النقدية.
يقول معتصم الناصر لـِ "المدن" إن العاملين في السوق غير الرسمية يبحثون أيضاً عن العملات المعدنية القديمة، وخصوصاً فئات "الليرة والليرتين والخمس ليرات و25 ليرة"، ويجمعونها بكميات كبيرة.
ويشير الناصر إلى أن عملية استبدال العملة الحالية هي الأولى من نوعها بهذا الشكل، ولذلك وجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام تجربة جديدة لا يعرفون تفاصيلها، بدءاً من آلية الاستبدال وصولاً إلى مصير الفئات النقدية الصغيرة.
وبحسب الثلاثيني، فإن الإقبال على العملات المعدنية يؤكد أن السوق غير الرسمية لا تتعامل فقط مع أصحاب المبالغ الكبيرة، وإنما تمتد إلى الفئات النقدية الصغيرة أيضاً، فالكثير من الأشخاص يسألون عن القطع المعدنية ويجمعونها"
ويرى أن المشكلة الأساسية ليست في وجود من يجمع العملة القديمة بحد ذاته، إنما في أن بعض المواطنين لا يعرفون القيمة التي يفترض أن يحصلوا عليها رسمياً، فيصبحون أكثر عرضة لقبول أي سعر يعرضه الوسيط، خصوصاً مع اقتراب انتهاء المهلة.
قيمة المال أم قيمة الوصول إليه؟
ما يحدث هنا لا يشبه عملية صرف تقليدية. فالعملة القديمة والجديدة ليستا عملتين مختلفتين يحدد السوق سعر كل منهما، وإنما تخضعان لمعيار استبدال حددته الجهة النقدية المختصة.
وقد نصت تعليمات مصرف سوريا المركزي على أن عملية الاستبدال تتم من دون تقاضي عمولات أو رسوم.
لكن المسافة بين المواطن ومركز الاستبدال أوجدت قيمة أخرى لا تظهر في السعر الرسمي: قيمة القدرة على الوصول إلى الاستبدال، فالمواطن الذي يستطيع الوصول إلى المركز الرسمي يحصل على القيمة المحددة، أما الذي لا يستطيع، فقد يجد نفسه أمام وسيط يعرض عليه تولي المهمة مقابل اقتطاع جزء من أمواله.
وهكذا تحولت الحاجة، بالنسبة إلى بعض الوسطاء، إلى فرصة للربح. وكلما اقترب موعد انتهاء المهلة، ازدادت قدرة هؤلاء على التفاوض من موقع أقوى، مستفيدين من خوف أصحاب الأموال من فقدان فرصة استبدالها.
حين تصبح المجانية مكلفة
المشكلة، وفق قانونيين، تبدأ عندما لا يكون المواطن على دراية بحقه في الاستبدال المجاني، أو عندما يُقنع بأن أمواله القديمة فقدت قيمتها، أو عندما يستغل الوسيط ضيق الوقت لفرض نسبة مرتفعة.
المحامي محمد الأغا يرى أن مجرد دفع مبلغ لشخص يتولى مهمة نيابة عن المواطن لا يكفي وحده للقول بارتكاب جريمة، إذ إن الأجرة مقابل خدمة مستقلة قد يكون لها توصيف قانوني مختلف.
لكن التوصيف يتغير، بحسب الأغا، إذا ثبت أن الوسيط استغل حاجة المواطن أو ضلله بشأن قيمة العملة أو إمكانية استبدالها، أو مارس نشاطاً منظماً خلافاً للتعليمات النافذة.
ويقول الأغا لـِ "المدن" إن تحديد المسؤولية يحتاج إلى النظر في تفاصيل كل حالة، من قيمة المبلغ الذي سلمه المواطن إلى المبلغ الذي حصل عليه، ونسبة الاقتطاع، وطبيعة الاتفاق بين الطرفين، وما إذا كان الوسيط قدم معلومات غير صحيحة أو أخفى عمداً إمكانية الاستبدال عبر القنوات الرسمية.
وفي مثل هذه الحالات، يمكن أن تطرح أحكام قانون حماية المستهلك رقم 8 لعام 2021 نفسها، إلى جانب النصوص الجزائية إذا توافرت عناصر جرم آخر، مثل الاحتيال. لكن وصف الواقعة بأنها "استغلال" لا يكفي وحده لتحديد العقوبة، إذ يتوقف ذلك على النص القانوني المنطبق وعلى ما يثبت أمام الجهات المتخصّصة.
وهكذا، لم تعد قصة استبدال العملة بالنسبة إلى بعض السوريين مجرد انتقال من أوراق نقدية قديمة إلى أخرى جديدة، وإنما أصبحت اختباراً لقدرتهم على الوصول إلى حقهم في الحصول على القيمة كاملة.
فحين تكون العملية الرسمية مجانية، لكن الوصول إليها يكلّف المواطن جزءاً من ماله، يصبح السؤال في الأيام الأخيرة من المهلة ليس فقط: كم تساوي العملة القديمة؟ إنما أيضاً: كم سيدفع المواطن ليستعيد قيمتها؟




