نشر مركز "ألما" للبحوث والدراسات الإسرائيلي تقريراً رأى فيه أن الارتفاع الحاد في حركة شاحنات نقل النفط عبر معبر التنف في جنوب شرق سوريا يوفّر للعراق مساراً بديلاً للتصدير، لكنه في الوقت نفسه يخلق غطاءً مدنياً جديداً لتهريب الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله.
ومنذ نيسان 2026، يعمل ممر بري جديد لنقل زيت الوقود من العراق، مروراً بسوريا، وصولاً إلى ميناء بانياس. وقد فُتح هذا المسار عقب اضطرابات شديدة أصابت حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، والحاجة الملحّة لدى العراق إلى إيجاد بديل عن محطات التصدير التابعة له في الخليج.
تعبر يومياً مئات شاحنات نقل النفط الحدود العراقية- السورية عند معبر الوليد- التنف، وتواصل طريقها غرباً عبر الأراضي السورية، قبل أن تفرغ حمولتها في ميناء بانياس، حيث يُنقل زيت الوقود إلى السفن ويُرسل إلى الأسواق الدولية.
بالنسبة إلى العراق، الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، يشكل هذا المسار إجراءً اقتصادياً بالغ الأهمية. أما بالنسبة إلى سوريا، فيوفّر الطريق إيرادات من رسوم العبور، ويسمح لها باستعادة موقعها كجسر تجاري وطاقوي بين العراق والبحر المتوسط، كما يتيح لها تسويق نفسها بوصفها جسراً تجارياً محتملاً مستقبلاً بين دول الخليج والبحر المتوسط.
لكن الممر البري نفسه، الذي صُمّم لتجاوز مضيق هرمز، يخلق أيضاً فرصة جديدة لإيران ووكلائها: إذ يسمح بإخفاء عمليات تهريب الأسلحة داخل حركة تجارية مدنية مشروعة وكثيفة ومتواصلة تمر عبر إحدى أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط.
هذا التهديد، بحسب التقرير، ليس افتراضياً، فقد أعلنت وزارة الداخلية السورية في 16 تموز أنها أحبطت محاولة لنقل شحنة كبيرة من الأسلحة المتطورة من العراق عبر سوريا إلى حزب الله في لبنان. ووفقاً للتقارير، كانت الأسلحة مخبأة داخل شاحنة صهريج لنقل النفط متجهة إلى بانياس.
واكتُشفت الشحنة خلال عملية تفتيش عند معبر التنف، وضمت، من بين مواد أخرى، طائرات مسيّرة من طراز FPV، ورؤوساً حربية متخصصة للطائرات المسيّرة، وكابلات ألياف ضوئية، وصواريخ مضادة للدروع، بما في ذلك ما يبدو أنه منظومة "ألماس" الإيرانية الصنع، إضافة إلى مكونات تُستخدم في صواريخ كروز من عائلة "باوه" سبق لحزب الله أن استخدمها خلال الحرب.
ومن المحتمل جداً أن يكون أفراد على الجانب العراقي من الحدود قد ساعدوا في نقل الشحنة. وعقب الحادثة، أمر رئيس الوزراء العراقي بتشكيل لجنة تحقيق، والتنسيق في التحقيق مع السلطات السورية.
إن الحاجة نفسها إلى تحقيق مشترك تكشف نقطة الضعف المركزية في هذا المسار: فمراقبته تعتمد على نظامي ضبط حدود يعانيان من محدودية الموارد، والفساد، وتشتت السلطات، ووجود شبكات محلية وجماعات مسلحة. كما تنشط في العراق جهات مرتبطة بالميليشيات الموالية لإيران، يمتلك بعضها إمكانية الوصول إلى مؤسسات الدولة والبنية التحتية المدنية.
التجربة التي تحولت إلى ممر نشط
في أواخر آذار 2026، منحت شركة تسويق النفط العراقية الحكومية "سومو" (SOMO) عقوداً لأربع شركات تجارة نفط عراقية لنقل نحو 650 ألف طن متري من زيت الوقود شهرياً عبر سوريا.
كان من المفترض أن تستمر التجربة بين نيسان وحزيران، إلا أن تدفق زيت الوقود عبر بانياس استمر خلال شهر تموز. ولم تُكشف أسماء التجار الأربعة، كما لا تزال هويات بعض المشترين النهائيين مجهولة.
الحجم اللوجستي للمشروع كبير. ووفقاً لتقارير تستند إلى مصادر سورية وبيانات تتبع بحري، استقبل ميناء بانياس خلال هذه الفترة ما يصل إلى نحو 900 شاحنة صهريج نفط يومياً، فيما كانت سفينة واحدة تُحمّل في الميناء كل سبعة إلى عشرة أيام.
ورغم احتمال تغير الأرقام من يوم إلى آخر، فإن ذلك يمثل ارتفاعاً غير اعتيادي في حركة المركبات الثقيلة بين العراق وسوريا.
في حزيران وتموز 2026، جرى تحميل ثلاث ناقلات من طراز "أفراماكس" في بانياس بزيت وقود عراقي متجه إلى السوق الأميركية، بإجمالي بلغ نحو 1.42 مليون برميل:
On Passion: حُمّلت بنحو 716600 برميل (ومن المقرر أن تفرغ حمولتها في ولاية تكساس الأميركية في وقت لاحق من هذا الشهر).
Nissos Christina: حُمّلت بنحو 288500 برميل (ومن المقرر تفريغ حمولتها على ساحل الخليج الأميركي في أوائل آب).
Green Warrior: حُمّلت بنحو 414400 برميل (ومن المتوقع أن تصل إلى الولايات المتحدة في الأسبوع الثالث من آب).
وبافتراض أن شاحنة صهريج واحدة قادرة على نقل متوسط يبلغ نحو 200 برميل من زيت الوقود، فإن نقل الكمية المذكورة أعلاه إلى بانياس تطلب نحو 7100 شاحنة صهريج.
لم تُنقل هذه الشحنات بموجب اتفاق مع الحكومة الأميركية. ووفق المعلومات المتاحة، فهي معاملات تجارية قائمة على عقود أبرمتها "سومو" مع تجار نفط عراقيين. كما لم تُكشف هويات المستوردين الأميركيين أو المصافي التي ستستقبل الشحنات.
مع ذلك، فإن وصول زيت الوقود المنقول عبر هذا الممر إلى السوق الأميركية يمنح الطريق أهمية مباشرة بالنسبة إلى واشنطن.
إلى جانب مسار الشاحنات: مشروع خط أنابيب جديد
بالتوازي مع مسار شاحنات الصهاريج، يجري الدفع بخطة أوسع لإعادة تأهيل وإنشاء خط أنابيب نفطي يمتد من العراق عبر سوريا وصولاً إلى ميناء بانياس.
في تموز، وقّعت العراق وسوريا مذكرة تفاهم في واشنطن لدفع المشروع قدماً، وذلك بحضور وزير الطاقة الأميركي. كما وُقّعت مذكرة إضافية مع ائتلاف يضم الشركتين الأميركيتين Chevron وTI Capital وشركة UCC Holding القطرية، بهدف إعداد الدراسات الفنية والمالية ووضع إطار للتنفيذ. وقد رحّبت وزارة الخارجية الأميركية بالمبادرة، ووصفتها بأنها مشروع بنية تحتية يتمتع بأهمية استراتيجية إقليمية.
وعليه، يجب التمييز بين مستويين:
نقل زيت الوقود حالياً بواسطة شاحنات الصهاريج يتم ضمن ترتيبات تجارية عراقية–سورية، في حين يتركّز الدعم الأميركي الموثّق بصورة أساسية على مشروع خط الأنابيب المستقبلي.
لكن مع دعم واشنطن لتوسّع هذا الممر الطاقوي، ومع تحول السوق الأميركية إلى وجهة للشحنات المنقولة عبره، لا يمكن للولايات المتحدة اعتبار أمن هذا الطريق مسألة داخلية عراقية–سورية فقط.
الممر الشرعي كغطاء
لا تثبت محاولة التهريب أن تجارة النفط بأكملها تشكل آلية إيرانية لنقل الأسلحة. لكنها تُظهر أن إيران وحلفاءها أدركوا بالفعل الإمكانات التي يوفرها هذا النشاط التجاري المشروع.
لا تحتاج شبكات التهريب إلى السيطرة على الممر بأكمله، إذ يكفي وجود عدد محدود من السائقين أو موظفي الجمارك أو مشغلي المحطات أو أفراد داخل الأجهزة الأمنية لإدخال شحنة غير قانونية بين آلاف الرحلات التجارية المشروعة.
ومع ازدياد حجم حركة النقل، تصبح عملية تفتيش كل شاحنة صهريج بشكل شامل أمراً صعباً بصورة متزايدة من دون شلّ حركة الطريق. كما أن الضغوط الاقتصادية لضمان التدفق السريع للنفط قد تدفع إلى اعتماد عمليات تفتيش جزئية وزيادة الاعتماد على مستندات الشحن والأختام وقوائم السائقين، وهي إجراءات تستطيع شبكات التهريب تزويرها أو تجاوزها.
تُعد شاحنات الصهاريج مناسبة بصورة خاصة لعمليات الإخفاء. فهي كبيرة الحجم، ومغلقة، ومن الصعب تفتيشها بالكامل، كما أنها تتحرك ضمن قوافل تجارية، فيما يؤدي تأخيرها لتفريغ حمولتها أو إخضاعها لمسح شامل إلى تكاليف زمنية ومالية ومخاطر أمنية.
إن حقيقة أن الشاحنة التي ضبطت وهي تنقل أسلحة كانت تحمل وثائق رسمية وتعرض وجهة تبدو منسجمة مع المسار التجاري المؤدي إلى بانياس، توضح كيف يمكن لطريق شرعي أن يوفر غطاءً مقنعاً.
على مدار السنوات الماضية، استخدمت إيران الشاحنات المدنية، وصهاريج الوقود، وشركات النقل، والوثائق التجارية لإخفاء عمليات نقل عسكرية عبر مختلف مناطق نفوذ محور إيران.
ومن وجهة نظر طهران، فإن تعطل الممر القديم بعد سقوط نظام الأسد لا يلغي الهدف الاستراتيجي المتمثل في إعادة بناء قدرات حزب الله ونقل أنظمة متطورة إلى لبنان. بل يفرض عليها التكيف، وتوزيع عمليات النقل، ودمج نشاطاتها بصورة أعمق داخل البنية التحتية المدنية والتجارة الإقليمية.
الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الأميركي
يمنح موقع التنف أهمية تتجاوز بكثير كونها مجرد نقطة عبور حدودية عادية. فهي تقع بالقرب من منطقة المثلث الحدودي بين العراق وسوريا والأردن، وعلى طول أقصر طريق يربط العراق بوسط سوريا، ومن هناك بلبنان.
لسنوات، حدّ الوجود الأميركي في قاعدة التنف من حرية تحرك إيران على طول هذا المسار، وأجبرها على الاعتماد بدرجة أكبر على الطريق الشمالي عبر البوكمال ودير الزور.
في شباط 2026، أنهت الولايات المتحدة انسحابها من قاعدة التنف، وسلّمتها إلى قوات النظام السوري الجديد.
لم يؤدِّ الانسحاب إلى إنشاء شبكات التهريب، لكنه أزال طبقة من الرقابة والاستخبارات والردع كانت تعيق النشاط الإيراني في المنطقة منذ سنوات.
وكما ذُكر سابقاً، وبعد بضعة أشهر فقط، تم اعتراض شحنة كبيرة من الأسلحة الإيرانية كانت مخبأة داخل شاحنة صهريج نفط عند المعبر نفسه.
ولا يكفي حادث واحد للجزم بأن الانسحاب الأميركي مكّن محاولة التهريب. إلا أن تزامن مجموعة من العوامل يجب أن يشكل إشارة تحذير في واشنطن: خروج القوات الأميركية، وفتح المعبر أمام حركة تجارية واسعة النطاق، وضعف آليات الرقابة في البلدين، واكتشاف شحنة أسلحة متطورة داخل إحدى شاحنات نقل النفط.
كما أن اعتراض الشحنة لا ينبغي أن يخلق شعوراً بالأمان. فرغم أنه يشير إلى استعداد السلطات السورية، في بعض الحالات على الأقل، للتحرك ضد عمليات تهريب الأسلحة إلى حزب الله، فإنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً أساسياً: كم من الشحنات تمكن من العبور من دون اكتشافها؟
عندما تسلك آلاف الشاحنات هذا الطريق، فإن اعتراض شحنة واحدة قد يمثل نجاحاً أمنياً محدوداً، لكنه قد يشير أيضاً إلى ظاهرة أوسع.
مسؤولية الولايات المتحدة
وبحسب التقرير تملك الولايات المتحدة مصلحة مشروعة في مساعدة العراق على تقليل اعتماده على مضيق هرمز، والحد من قدرة إيران على استخدامه كأداة للضغط على سوق الطاقة العالمية.
كما أن تعزيز الروابط الاقتصادية بين العراق وسوريا قد يساهم في استقرارهما، ويقلل من اعتمادهما على طهران. لكن في غياب آلية رقابة موثوقة، فإن ممرّاً صُمّم لتقليص النفوذ الإيراني في مضيق هرمز قد يؤدي في الوقت نفسه إلى توسيع نفوذ إيران على طول الممر البري المؤدي إلى لبنان. ولا ينبغي لواشنطن أن تعرقل حركة التجارة، بل عليها أن تربط دعمها لتوسّع هذا الممر بإنشاء إطار أمني مناسب.
وينبغي أن يشمل هذا الإطار:
استخدام تقنيات المسح والفحص الإلكتروني لشاحنات الصهاريج عند المعابر الحدودية وفي ميناء بانياس.
التحقق الرقمي المستمر من المركبات والسائقين والشحنات.
استخدام أختام إلكترونية وأجهزة تتبع عبر نظام تحديد المواقع (GPS) لا يمكن إزالتها من دون إطلاق إنذار.
مطابقة كميات النفط التي يتم تحميلها في العراق مع الكميات التي يتم تفريغها في سوريا.
إجراء عمليات تفتيش مفاجئة لا تعتمد حصراً على عناصر الحدود المحليين.
إضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى آلية استخباراتية مشتركة تضم الولايات المتحدة والعراق وسوريا، وربما دولاً أخرى معنية بالمنطقة، بهدف تحديد شركات النقل والتجار والسائقين ومسؤولي الحدود الذين يُشتبه بوجود صلات لهم بـ"الحرس الثوري الإيراني" والميليشيات العراقية.
كما يجب الكشف عن هويات التجار الأربعة الذين حصلوا على عقود "سومو"، وعن هياكل ملكية الشركات المشاركة، وفرض مستوى أعلى من الشفافية بشأن المشترين النهائيين وسلسلة التوريد التجارية. وينبغي أن يواجه أي طرف يثبت تورطه في عمليات تهريب إلغاء التراخيص، وتجميد الأصول، وفرض عقوبات فردية.
إن مشاركة الولايات المتحدة في مشروع خط الأنابيب المستقبلي تمنح واشنطن نفوذاً كبيراً. وينبغي استخدام هذا النفوذ الآن لضمان ألا تتم إدارة خط الأنابيب والمحطات والمسارات المغذية له من قبل شركات أو مقاولين فرعيين مرتبطين بمحور إيران.
يجب أن يكون الأمن شرطاً أساسياً للاستثمار والتمويل، وليس مسألة إضافية تُبحث بعد توسّع الممر وتشغيله.
تحول مهم في خريطة الطاقة الإقليمية
بالمحصّلة يمثل ممر النفط من العراق إلى بانياس تحولاً مهماً في خريطة الطاقة الإقليمية. فهو يسمح للعراق بتجاوز مضيق هرمز، ويوفر إيرادات لسوريا، ويعيد ربط البلدين بالبحر المتوسط. ولهذا السبب تحديداً، من المتوقع أن تستمر أحجام الحركة عبره وأهميته السياسية في الارتفاع.
إن محاولة تهريب الأسلحة التي تم إحباطها داخل شاحنة صهريج نفط في التنف تشكل إشارة تحذيرية. ولا تحتاج إيران إلى إعادة بناء الممر العسكري القديم الذي كان قائماً في ظل نظام الأسد بشكل فوري. بل يمكنها استغلال الممر الاقتصادي الجديد، ودمج أنشطتها داخل حركة نقل النفط المشروعة، واستخدامه لنقل مكونات عسكرية عبر شحنات صغيرة وموزعة.
وبالنسبة إلى حزب الله، الذي يعمل على إعادة بناء قدراته بعد الأضرار التي لحقت به خلال الحرب، فإن مثل هذه الشحنات قد تكون ذات قيمة كبيرة.
تسعى الولايات المتحدة إلى تحويل هذا الطريق إلى أداة للاستقرار والازدهار وتقليص الاعتماد على إيران. ولمنع انقلاب هذا الهدف، يتعين على واشنطن إدراك أن أمن سلاسل الإمداد يشكل جزءاً لا يتجزأ من أمن الطاقة.
إن المزيد من الحذر والشفافية والرقابة الصارمة ليست عوائق أمام تطوير هذا الممر، بل هي شروط أساسية لضمان ألا يتحول إلى طريق جديد لإعادة إعمار قدرات حزب الله.




