رفع أسعار البنزين لا ينهي أزمة الطوابير في سوريا

نور ملحمالأحد 2026/07/19
000_Nic6188731.jpg
أزمة سوق المحروقات في سوريا لم تنته (ا ف ب)
حجم الخط
مشاركة عبر

في وقت بدأت فيه طوابير السيارات أمام محطات الوقود بالانحسار تدريجياً مع تحسن الإمدادات، رفعت الحكومة السورية، أسعار المحروقات بنحو 12%، بعد أقل من ثلاثة أسابيع على خفضها. القرار الذي بررته دمشق بارتفاع الأسعار العالمية أعاد الجدل حول آلية إدارة سوق المحروقات، بعدما تحولت التخفيضات السابقة إلى أزمة توزيع واختناقات واسعة في المحطات.

وفي أول تعليق رسمي على الزيادة، أوضحت اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، أن اعتماد نشرة أسعار يومية للمشتقات النفطية لا يعني تعديل الأسعار يومياً، إنما يهدف إلى مراجعتها بصورة يومية وفق المتغيرات في الأسواق العالمية، على أن يجري تعديلها فقط عندما تستوجب مؤشرات التسعير ذلك.

وأضافت اللجنة أن الزيادة التي دخلت حيز التنفيذ جاءت نتيجة الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط ومشتقاته في الأسواق العالمية، وانعكاس ذلك على مؤشرات التسعير المعتمدة، مؤكدةً أن اعتماد النشرة اليومية يهدف إلى جعل أي تعديلات مستقبلية، سواء بالارتفاع أو الانخفاض، أكثر تدرجاً، بما يعزز استقرار السوق ويحد من الإشاعات ويضمن استمرار توافر المشتقات النفطية للمواطنين.

 

ساعات انتظار

يقول ثائر القوتلي، وهو موظف في الأربعين من عمره، إنه أوقف سيارته أمام منزله لأكثر من أسبوعين بعدما عجز عن تأمين البنزين.

ويضيف لـِ "المدن": "اعتقدنا أن زمن الوقوف يوماً كاملاً من أجل عشرين لتراً انتهى لكنَّ المشهد عاد كما كان. أقضي ساعات في الطابور، وقد أعود من دون أن أصل إلى المضخة. لم تعد السيارة وسيلة نقل، بل عبئاً إضافياً."

ولا يبدو الاعتماد على وسائل النقل العامة بديلاً مريحاً بالنسبة لكثيرين، إذ يقول عدد من سكان دمشق وريفها إن الازدحام الكبير على الحافلات، إلى جانب المخاوف الأمنية التي تدفع بعضهم إلى تجنب استخدامها، يجعل السيارة الخاصة الخيار المفضل متى توافر الوقود.

أما فادي زغبور، وهو سائق سيارة أجرة يعمل على خطوط دمشق، فيقول إن ساعات الانتظار أصبحت تلتهم يوم عمله. ويضيف لـ"المدن": "أصل إلى المحطة قبل شروق الشمس، وأحياناً لا أغادرها إلا بعد خمس أو ست ساعات. عندما أحصل على عشرين لتراً يكون نصف النهار قد انتهى، وخسرت معظم زبائني."

ويشير إلى مشكلة جودة الوقود، موضحاً أنه اضطر قبل أيام إلى دفع نحو ثلاثة آلاف ليرة لإصلاح وتنظيف مضخة الوقود في سيارته نتيجة استخدام بنزين منخفض الجودة، معتبراً أن رفع الأسعار يجب أن يترافق مع تحسين نوعية المحروقات المطروحة في الأسواق.

 

ضغط على المحطات

في إحدى محطات الوقود بريف دمشق، يقول صاحب المحطة جابر طيبة إن المشكلة ليست في الامتناع عن البيع، وإنما في سرعة نفاد الكميات.

ويشرح لـِ "المدن": "تصلنا الصهاريج، لكنّ الضغط غير مسبوق. لو تركنا التعبئة مفتوحة سينتهي المخزون خلال وقت قصير جداً، لذلك نحددها بين 20 و40 لتراً حتى يحصل أكبر عدد ممكن من المواطنين على البنزين، ومع ذلك لا تنتهي المشاكل."

وتضم مدينة دمشق 33 محطة وقود فقط، منها 12 محطة حكومية و21 محطة خاصة، بينما ينتشر في ريف دمشق نحو 400 محطة، في وقت تشير التقديرات الرسمية إلى أن حاجة سوريا اليومية من البنزين تتراوح بين 3.8 و4.5 ملايين ليتر، تستحوذ دمشق وريفها على الحصة الأكبر منها.

 

خسائر للمحطات

يرفض أصحاب محطات الوقود تحميلهم مسؤولية الأزمة، ويؤكدون أن جذورها بدأت مع قرار تخفيض الأسعار.

ويقول نقيب أصحاب محطات الوقود في دمشق وريفها، سامي الغالول، إن غياب الشفافية في آلية التسعير وضع أصحاب المحطات في مواجهة مباشرة مع المواطنين.

ويضيف لـِ "المدن" أن المحطات كانت قد اشترت مخزونها وفق الأسعار القديمة، ثم صدر قرار التخفيض من دون أي آلية لتعويضها عن الفروقات، موضحاً أن خسارة المحطة الواحدة تجاوزت في بعض الحالات 60 مليون ليرة سورية، وهي خسارة مسّت رأس المال مباشرة.

ويطالب الغالول بإشراك أصحاب المحطات في لجنة التسعير، بحيث لا تتحول أي تعديلات مستقبلية إلى خسائر يتحملها القطاع الخاص وحده.

ويشير إلى أن الطلب على البنزين ارتفع بصورة كبيرة فور إعلان التخفيضات، في وقت كانت المحطات تحصل سابقاً على نصف مخصصاتها تقريباً.

ويقول: "الاحتياج الطبيعي للمحطة يبلغ نحو 24 ألف ليتر، بينما كنا نستلم في السابق قرابة 12 ألف ليتر فقط، أما بعد تخفيض الأسعار فقد تضاعف الطلب بصورة لم تكن متوقعة."

 

اختناق في التوزيع

في المقابل، نفت وزارة الطاقة والشركة السورية للبترول وجود أزمة نقص في المشتقات النفطية.

وتقول الشركة إن ما يحدث هو "اختناق مؤقت في التوزيع"، موضحة أن شائعات تخفيض الأسعار دفعت عدداً من أصحاب المحطات إلى تأجيل سحب طلبياتهم، كما دفعت مواطنين إلى تأجيل شراء الوقود انتظاراً للتسعيرة الجديدة، قبل أن يعود الطلب بصورة مفاجئة بعد إعلان الأسعار الرسمية، ما أدى إلى استنزاف مخزون عدد كبير من المحطات خلال فترة قصيرة.

وتؤكد الشركة أن عمليات التوريد لم تتوقف، وأنها تنفذ خطة توزيع تعتمد على دراسة احتياجات المحافظات، مع استمرار نقل المشتقات النفطية على مدار الساعة، متوقعة انحسار الازدحام تدريجياً مع انتظام وصول الصهاريج.

ورغم استمرار الطوابير والإغلاقات الجزئية في بعض المحطات خلال الأيام الماضية، أعلنت وزارة الطاقة انطلاق صهاريج توزيع 407 طلبيات من البنزين و639 طلبية من المازوت إلى مختلف المحافظات، بإجمالي يتجاوز 25 مليون ليتر من المادتين، في مؤشر على بدء استعادة استقرار السوق وانحسار الأزمة تدريجياً.

 

قرار بلا إجراءات استباقية

يرى رئيس جمعية حماية المستهلك بدمشق وريفها، الدكتور عبد العزيز المعقالي، أن الأزمة كانت متوقعة منذ لحظة إعلان تخفيض الأسعار.

ويقول لـِ "المدن" إن لجنة تسعير المحروقات اتخذت القرار من دون اتخاذ إجراءات استباقية، أبرزها جرد الكميات الموجودة لدى المحطات وتعويض أصحابها عن فروقات الأسعار، الأمر الذي دفع بعضهم إلى التريث في طرح كامل مخزونهم أو انتظار آليات جديدة للبيع.

ويحذر من أن استمرار الأزمة سيدفع جزءاً من الطلب نحو السوق السوداء، بما يرفع تكاليف النقل وأسعار السلع ويهدد بدخول الأسواق في حالة ركود.

وبالفعل، يقول عدد من أصحاب الدراجات النارية إن تجارة البنزين غير النظامية انتعشت خلال الأيام الماضية، مع بيع الليتر في السوق السوداء بسعر يتراوح بين 20 و25 ألف ليرة سورية، وسط شكاوى من عمليات غش وخلط للمادة.

 

الإنتاج المحلي

تأتي الأزمة في وقت تؤكد فيه الحكومة أن قطاع النفط بدأ يستعيد جزءاً من قدراته الإنتاجية، مع توقعات برفع الإنتاج إلى نحو 100 ألف برميل يومياً خلال العام الجاري، بعد استعادة عدد من الحقول وبدء برامج إعادة تأهيلها.

وتُظهر بيانات وزارة الطاقة ارتفاع واردات النفط الخام ومشتقاته خلال مطلع عام 2026 إلى ما بين 130 و140 ألف برميل يومياً، مقارنة بمعظم أشهر عام 2025، قبل أن تتراجع في آذار إلى نحو 80 ألف برميل يومياً.

ويقول المدير العام لمصفاة حمص، المهندس خالد عبد الكريم محمد علي، لـ"المدن"، إن المصفاة تعمل بطاقة تتراوح بين 40 و45 ألف برميل يومياً بعد تنفيذ أعمال صيانة رفعت الإنتاج مقارنة بالعام الماضي.

بدوره، يؤكد مدير الدراسات والتخطيط والتتبع في مصفاة بانياس، المهندس علي العجاج، أن المصفاة تنتج حالياً نحو 90 ألف برميل يومياً، وتستهدف العودة إلى طاقتها التصميمية البالغة 130 ألف برميل يومياً، مشيراً إلى حاجة سوريا للاستفادة من الخبرات العربية، ولا سيما الخليجية، لتطوير قطاع التكرير وإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية.

ووفق الأسعار الجديدة، ارتفع سعر ليتر البنزين "أوكتان 90" إلى 14 ألف ليرة بدلاً من 12 ألفاً و500 ليرة، وارتفع سعر البنزين "أوكتان 95" إلى 14 ألفاً و500 ليرة بدلاً من 13 ألفاً، كما زاد سعر ليتر المازوت إلى 12 ألف ليرة مقارنة بـِ 10 آلاف و700 ليرة سابقاً، فيما بلغ سعر أسطوانة الغاز المنزلي 150 ألف ليرة.

ورغم بدء انحسار الطوابير مع تكثيف الإمدادات، كشفت الأزمة أن التحدي لا يرتبط فقط بتوفر المحروقات، بل بقدرة منظومة التوزيع والتسعير والرقابة على التعامل مع أي تغير مفاجئ في الطلب، لتبقى إدارة سوق المحروقات أمام اختبار جديد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث