بعد أكثر من عقد من الحرب التي غيّرت خريطة إدارة الثروة النفطية في سوريا، يدخل قطاع الطاقة مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب الشراكات الأجنبية. فالشركات التي غادرت البلاد بعد العام 2011 بدأت تراقب فرص العودة، فيما تخضع الاتفاقيات التي أبرمت خلال سنوات الحرب، ولا سيما مع شركات روسية، لمراجعة قانونية لتحديد مستقبلها.
من الشركات الغربية إلى النفوذ الروسي
قبل العام 2011، كانت الشركات الأجنبية تشكل جزءاً أساسياً من قطاع النفط والغاز السوري. فقد عملت شركة "شل" العالمية في حقل الفرات منذ العام 1985، ودخلت "توتال إنرجي" الفرنسية حقل دير الزور في العام 1990، فيما استثمرت شركة "إينا" الكرواتية في حقل حيان منذ العام 1998.
كما دخلت شركات صينية وكندية وبريطانية إلى السوق السورية، إضافة إلى شركة "تاتنفت" الروسية التي حصلت في العام 2009 على عقد استثمار في حقل البوكمال، وشركة "سيونكور إنرجي" الكندية التي شاركت في مشروع غاز إيبلا.
لكن اندلاع الحرب أدى إلى انسحاب معظم هذه الشركات أو تعليق أعمالها بسبب الظروف الأمنية والعقوبات الدولية، وهذا ما تسبب في تراجع الاستثمارات وتوقف مشاريع التطوير، وانخفاض الإنتاج النفطي السوري من أكثر من 400 ألف برميل يومياً قبل الحرب إلى مستويات متدنية خلال سنوات النزاع.
مع خروج الشركات الغربية، توسع الحضور الروسي في قطاع الطاقة السوري، مستفيداً من التحالف السياسي والعسكري بين موسكو ودمشق آنذاك.
وكان أبرز العقود الروسية عقد شركة "سويوز نفت غاز" (Soyuzneftegaz)، الذي وقع في كانون الأول 2013 للتنقيب عن النفط والغاز في البلوك البحري رقم (2) قبالة الساحل السوري قرب طرطوس، وبلغت مدة العقد 25 عاماً، مع برنامج استكشاف أولي بقيمة 100 مليون دولار.
شركات روسية خاصة
وفي كانون الأول 2019، صادق مجلس الشعب السوري خلال عهد النظام السابق على عقود مع شركتي "Mercury LLC" و"Velada LLC" لتطوير واستثمار حقول نفط وغاز في شمال شرقي سوريا، إضافة إلى أحد حقول الغاز شمال دمشق.
وظهرت أسماء شركات روسية أخرى، بينها "Zarubezhneft" و"Zarubezhgeologia"و"STGEngineering" و"Technopromexport"، في أعمال مرتبطة بالاستكشاف والدراسات الفنية.
كما حصلت شركة "Evro Polis LLC"، بموجب اتفاق مع الحكومة السورية السابقة، على نسبة تصل إلى 25 في المئة من عائدات بعض الحقول النفطية والغازية التي كانت تستعاد من تنظيم "داعش"، في نموذج عكس تداخل المصالح العسكرية والاقتصادية خلال سنوات الحرب.
مراجعة العقود الأجنبية
ومع تغير الظروف السياسية والاقتصادية، أصبح ملف العقود النفطية أمام مرحلة جديدة من المراجعة. ويؤكد مصدر مسؤول في وزارة الطاقة لـِ "المدن" أن جميع العقود الأجنبية التي لم تعد نافذة عملياً أو توقفت بسبب الظروف السابقة، سواء تلك المبرمة قبل عام 2011 أو الاتفاقيات الروسية خلال الحرب، أُحيلت إلى لجنة مشتركة تضم ممثلين عن وزارات الطاقة والخارجية والاقتصاد وهيئة الاستثمار.
وتعمل اللجنة على دراسة كل عقد بشكل منفصل، بما يشمل الالتزامات المالية والفنية وشروط التشغيل والاستثمار، بهدف تقييم مدى توافق الاتفاقيات مع القوانين السورية والمعايير الدولية، وتحديد الخيارات المتاحة بين تعديل بعض البنود أو إعادة التفاوض أو اتخاذ إجراءات قانونية أخرى.
ويشير المصدر إلى أن الهدف لا يقتصر على معالجة العقود السابقة، بل يشمل وضع إطار قانوني أكثر وضوحاً لإدارة قطاع الطاقة، بما يضمن حماية حقوق الدولة السورية وتوفير ضمانات للمستثمرين الجدد.
وفي المقابل، بدأت شركات دولية بإظهار اهتمام متزايد بالعودة إلى قطاع الطاقة السوري. فقد كشفت الشركة السورية للبترول عن وجود اهتمام من شركات أميركية، بينها "شيفرون"، بالاستثمار في قطاع الغاز، خصوصاً في محافظة الحسكة.
كما وقّعت سوريا مذكرات تفاهم مع شركات بينها "توتال إنرجي" الفرنسية و"كونوكو فيليبس" الأميركية و"قطر للطاقة" لاستكشاف الموارد النفطية والغازية في المياه الإقليمية السورية.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة توتال إنرجي باتريك بويانيه إن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها فرصة للتحول إلى دولة عبور استراتيجية للطاقة في المنطقة، خصوصاً مع إمكانية نقل النفط العراقي باتجاه موانئ البحر المتوسط، بما يوفر مسارات بديلة عن طرق الشحن التقليدية التي تواجه تحديات أمنية وجيوسياسية.
وأوضح بويانيه لـِ "المدن" على هامش زيارته الأخيرة أن سوريا تقع عند نقطة تقاطع مهمة بين مصادر الإنتاج في العراق والأسواق العالمية، وأن استقرار قطاع الطاقة فيها يمكن أن يفتح المجال أمام مشاريع تتجاوز عمليات التنقيب والإنتاج، لتشمل البنية التحتية وخطوط النقل والطاقة الإقليمية.
وأشار إلى أن الشركة وقعت مذكرة تفاهم مع الحكومة السورية لاستكشاف فرص التعاون، لكنها لم تبدأ حتى الآن عمليات تنفيذية على الأرض، مؤكداً أن إطلاق الاستثمارات الكبرى يحتاج إلى بيئة أمنية مستقرة، وإطار قانوني واضح، وضمانات طويلة الأمد تحمي الاستثمارات.
الحقول بحاجة إلى إعادة تأهيل
لا يقتصر التحدي أمام قطاع النفط السوري على جذب المستثمرين، بل يبدأ من إعادة تأهيل الحقول والبنية التحتية المتضررة.
ويؤكد رئيس الشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي أن المرحلة المقبلة تركز على إعادة تشغيل الآبار ورفع الإنتاج تدريجياً، مشيراً إلى أن بعض الحقول تعرضت لأضرار نتيجة الإهمال وعمليات استخراج غير منظمة.
وأوضح قبلاوي على هامش معرض "سيريا بترول 2026" أن الفترة الماضية شهدت توقيع عدد من الاتفاقيات والعقود الاستراتيجية مع شركات دولية متخصّصة، إلى جانب إطلاق مشاريع لتطوير وإعادة تأهيل قطاعات الاستكشاف والإنتاج والنقل والتخزين، معتبراً أن هذه الخطوات تعكس تنامي الثقة بفرص الاستثمار في قطاع النفط والغاز السوري.
روسيا مورد رئيسي رغم مراجعة العقود
رغم إخضاع العقود الاستثمارية الروسية للمراجعة، بقيت موسكو خلال المرحلة الانتقالية أحد أبرز موردي النفط والمشتقات إلى سوريا، في وقت ما زال فيه الإنتاج المحلي غير قادر على تغطية كامل احتياجات السوق.
وفي 27 كانون الثاني 2026، استقبل مصب بانياس ناقلة النفط الخام الروسية "LYNX" بحمولة بلغت نحو 138 ألف طن متري؛ أي ما يعادل قرابة مليون برميل من النفط الخام.
وشملت الشحنات وصول ناقلات بنزين مثل "ALDEBARAN" بحمولة 31.8 ألف طن و"VALCADORE" بحمولة 25 ألف طن، إضافة إلى ناقلات المازوت "SANTA" بحمولة 30.55 ألف طن و"TALISMAN" بحمولة 30.39 ألف طن و"TENDUA" بحمولة 29.9 ألف طن، إلى جانب ناقلة البنزين "ST GEORGE" بحمولة 32.45 ألف طن.
وفي قطاع الغاز المنزلي، وصلت إلى المرافئ السورية ناقلات غاز مسال بينها "ECO CHIOS" بحمولة 3850 طناً مترياً، و"GAS SPANAKOPTIA" بحمولة 3839 طناً، و"GAZ REDSEA" بحمولة 4799 طناً، فيما بلغت حمولة ناقلة "GAZ PROVIDENCE" نحو 7186 طناً مترياً.
وتؤكد الشركة السورية للبترول أن هذه الشحنات تتم عبر شركات سورية خاصة تقوم بتقديم العروض للاستيراد، من دون الإعلان عن مصدر البلد المورد، كما تخضع جميع الشحنات لفحوصات فنية قبل ضخها في الخزانات ونقلها إلى معامل التعبئة، بهدف تأمين احتياجات السوق وتقليل فجوة الإنتاج المحلي.
إعادة ترتيب لا مجرد إلغاء
يرى المحامي الدولي غياث كلثوم أن مرحلة مراجعة العقود النفطية تمثّل فرصة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمستثمرين وفق قواعد قانونية أكثر وضوحاً.
ويقول كلثوم لـِ "المدن" إن العقود الأجنبية السابقة والعقود الروسية خلال سنوات الحرب يمكن مراجعتها وفق القانون السوري والمعايير الدولية الخاصة بعقود الموارد الطبيعية، مع دراسة الالتزامات المالية والفنية والتشغيلية لكل اتفاقية.
ويضيف أن مراجعة العقود لا تعني بالضرورة إلغاءها بشكل تلقائي، إذ إن الأصل قانونياً هو دراسة كل اتفاقية وفق ظروف إبرامها ومدى التزام الأطراف ببنودها، قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بالتعديل أو الإنهاء.
وأشار إلى أن اللجنة المختصة يمكنها التفاوض على تعديل بعض العقود أو إنهاء الاتفاقيات التي تتعارض مع مصالح الدولة، مع مراعاة الحقوق القانونية للأطراف الأخرى، لأن جذب الشركات الكبرى يحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة وواضحة.
وبذلك لا يبدو مستقبل النفط في سوريا مرتبطاً فقط بزيادة الإنتاج، بل بقدرة دمشق على إدارة مرحلة انتقالية معقدة تجمع بين مراجعة إرث الحرب، وجذب المستثمرين الجدد، وبناء نموذج أكثر شفافية لإدارة الموارد.




