قاد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي وافته المنية اليوم عن عمر ناهز 74 عاماً، تحولاً اقتصادياً وتنموياً كبيراً خلال فترة حكمه الممتدة من 27 حزيران 1995 إلى 25 حزيران 2013، إذ ركّز على استغلال حقل الشمال، ما جعل قطر أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2006، ورسّخ مكانتها لاعباً محورياً في سوق الطاقة العالمي. وشهد عهده قفزة في الإنتاج الغازي والاستثمارات، وتضاعف الناتج المحلي للفرد ست مرات، فيما ارتفع الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 200 مليار دولار بحلول عام 2012.
من حقل الشمال إلى ريادة الغاز المسال
وبحسب تقرير لأسامة سعد الدين في "العربي الجديد"، فإنه منذ توليه الحكم، اعتبر الشيخ حمد أنّ حقل الشمال، أكبر حقل غاز غير مصاحب في العالم، يشكل الركيزة الأساسية لتحول الاقتصاد القطري. وتبنت الدولة خيار نقل مركز الثقل من النفط إلى الغاز، مع التوسع في إنتاج الغاز الطبيعي المسال وتصديره إلى الأسواق العالمية، ولا سيما في آسيا وأوروبا.
وبين عامي 1997، تاريخ أول شحنة غاز طبيعي مسال من قطر إلى إسبانيا، و2006، أنجزت قطر سلسلة من مصانع التسييل في مدينة رأس لفان الصناعية، لتصبح أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، بطاقة إنتاجية بلغت نحو 77 مليون طن سنوياً، اعتماداً على مشاريع "قطر غاز" و"رأس غاز" بالشراكة مع شركات دولية.
واعتمدت هذه الاستراتيجية على عقود طويلة الأجل مع كبار المستوردين في اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند وأوروبا، ما وفّر تدفقات نقدية مستقرة، ومكّن قطر من تمويل توسعاتها في قطاع الطاقة والبنية التحتية، وعزز مكانتها مورداً رئيسياً للطاقة. كما أصبحت منشآت رأس لفان تمثل نحو 20 في المئة من طاقة تصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم، مع استمرار خطط التوسع إلى 126 مليون طن سنوياً بحلول عام 2027، ثم إلى نحو 142 مليون طن بحلول 2030.
نمو اقتصادي واستثمارات عالمية
انعكست سياسة تطوير قطاع الغاز على مختلف المؤشرات الاقتصادية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير، وارتفع دخل الفرد إلى واحد من أعلى المعدلات عالمياً، كما ازدادت مساهمة قطاع الهيدروكربون في الناتج المحلي من 37 في المئة إلى 54 في المئة، فيما ارتفعت القيمة المضافة للقطاع إلى نحو 403 مليارات ريال.
وفي عام 2005، أسس الشيخ حمد جهاز قطر للاستثمار لإدارة فوائض النفط والغاز، وبلغت أصوله نحو 215 مليار دولار بحلول عام 2013، قبل أن تتجاوز 600 مليار دولار بنهاية الربع الأول من عام 2026، مع استثمارات في شركات وعقارات وأصول عالمية.
كما شهد عهده تأسيس المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار، وإنشاء جهاز قطر لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تطوير سوق الدوحة للأوراق المالية، الأمر الذي دعم الاستثمار المحلي والأجنبي وساهم في تنويع الاقتصاد.
بنية تحتية ومدن حديثة
شهدت قطر خلال عهد الشيخ حمد نهضة عمرانية واسعة، شملت تطوير منطقة الدفنة، وإعادة إحياء سوق واقف، وإنشاء متحف الفن الإسلامي، إلى جانب إطلاق عدد من المشاريع الكبرى، أبرزها مطار حمد الدولي، وميناء حمد، ومشروع سكك الحديد القطرية، ومدينة لوسيل، ومشروع مشيرب قلب الدوحة، التي شكلت ركائز للبنية التحتية الحديثة ورؤية قطر الوطنية 2030.
كما دعم إنشاء المدينة التعليمية ومراكز البحث العلمي، ومن بينها جامعة حمد بن خليفة وواحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، بهدف تعزيز الاقتصاد المعرفي وجذب الكفاءات.
وفي المجال الرياضي، حظي ملف استضافة كأس العالم 2022 بدعم مباشر، وتُوجت الجهود بإعلان الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" في ديسمبر/كانون الأول 2010 فوز قطر بحق استضافة البطولة، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تنظم الحدث العالمي.
اقتصاد أكثر تنوعاً وحضور عالمي
رافق نمو قطاع الطاقة توسع في القطاع غير الهيدروكربوني، الذي ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي بصورة كبيرة، كما شهدت التجارة الخارجية نمواً ملحوظاً، مع ارتفاع الصادرات وفائض الميزان التجاري، مدفوعة بزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال وارتفاع صادراته.
وأدت عوائد حقل الشمال إلى تمويل مشاريع التنمية والاستثمارات الخارجية، وتعزيز الدور السياسي والاقتصادي لقطر، لتتحول من دولة صغيرة إلى لاعب مؤثر في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، مستندة إلى مزيج من الموارد الطبيعية، والاستثمار، والبنية التحتية، والاقتصاد المعرفي، وهو التحول الذي ارتبط بصورة وثيقة بفترة حكم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.




