من سوريا إلى الخليج... هل بدأ قطاع الدواجن رحلة التعافي؟

نور ملحمالأحد 2026/07/05
دجاج.
أولى شحنات الدجاج السوري إلى الخليج (المدن).
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد سنوات من التراجع الذي أصاب قطاع الدواجن في سوريا نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وخروج آلاف المربين من السوق، تعود صادرات الدواجن إلى الواجهة مع انطلاق أولى شحنات لحوم الدجاج إلى دول الخليج، في خطوة ينظر إليها العاملون في القطاع باعتبارها بداية لاستعادة أحد أهم القطاعات الزراعية والإنتاجية في البلاد، ورافعة محتملة لدعم الاقتصاد بالقطع الأجنبي إذا ما نجحت في التحول إلى مسار تصديري مستدام.
تأتي هذه الخطوة في وقت تبيّن فيه المؤشرات تحسناً تدريجياً في الإنتاج المحلي، وعودة نسبة كبيرة من المداجن إلى العمل، وسط رهان رسمي على أن يشكل فتح الأسواق الخليجية حافزاً لزيادة الاستثمار في القطاع، في مقابل تحذيرات من أنَّ استمرار التعافي يبقى مرهوناً بخفض تكاليف الإنتاج وتحسين بيئة العمل أمام المربين.

 

بوابة العودة إلى الأسواق الخليجية
يقول المدير العام للمؤسسة العامة للدواجن، فاضل حاج هاشم، إن قطاع الدواجن في سوريا يمر حالياً بمرحلة انتقالية عنوانها استعادة الإنتاج والانفتاح التدريجي على الأسواق الخارجية، مؤكداً في تصريح لـِ "المدن" أنّ تحسن واقع التربية وارتفاع عدد المداجن العاملة يوفران قاعدة مناسبة للانتقال من مرحلة تلبية احتياجات السوق المحلية إلى استعادة الحضور التصديري.
وأوضح حاج هاشم أنَّ نجاح تصدير لحوم الدجاج ومشتقاته خلال الفترة الماضية يعد مؤشراً عملياً على قدرة المنتج السوري على المنافسة خارجياً، سواء من حيث الجودة أو الالتزام بالاشتراطات الصحية.
وأشار إلى أنَّ التصدير لا يستهدف رفع الأسعار في السوق المحلية، وإنما تحقيق توازن بين الإنتاج والاستهلاك، ولا سيما في الفترات التي تشهد فائضاً في المعروض، لافتاً إلى أنَّ فتح الأسواق الخارجية يوفر متنفساً للمربين، ويشجعهم على الاستمرار في الإنتاج والتوسع في دوراتهم، إلى جانب رفد الاقتصاد الوطني بإيرادات من القطع الأجنبي.
وأضاف أن المؤسسة، بالتنسيق مع الجهات الحكومية المعنية، تتابع بشكل مستمر واقع الأسواق ومدخلات الإنتاج، وتعمل على تبسيط وأتمتة الإجراءات الإدارية المرتبطة بالقطاع، بما يحدُّ من التقلبات السعريّة ويُحسِّن بيئة العمل أمام المربين والمستثمرين، مؤكداً أنَّ استقرار أسعار الأعلاف والطاقة والنقل يمثل عاملاً أساسياً في الحفاظ على تنافسية المنتج السوري.
وأكد حاج هاشم أنَّ المرحلة المقبلة ستركز على تشجيع الاستثمارات الحديثة في صناعة الدواجن، من خلال إدخال تقنيات إنتاج أكثر كفاءة وترشيداً للتكاليف، بما يرفع الإنتاجية ويحسن الجودة، إلى جانب مواصلة البرامج الإرشادية والتوعوية لتعريف المربين بأحدث أساليب التربية والإدارة الصحية، بما يعزز قدرة القطاع على تحقيق نموٍ مستدام واستعادة مكانته كأحد أهم القطاعات الزراعية والإنتاجية في سوريا.

 

أولى عمليات التصدير 
على أرض الواقع، بدأت هذه التوجهات تأخذ طابعاً عملياً مع تنفيذ أولى عمليات التصدير، إذ أعلنت إحدى الشركات السوريّة المتخصصة بإنتاج الدواجن نجاحها في الوصول إلى السوق القطرية، مع استعدادها للتوسع نحو أسواق خليجية أخرى خلال الفترة المقبلة.
وفي هذا السياق، قال الرئيس التنفيذي للشركة المصدرة، محمود عبد الرحيم، إن الشركة صدّرت أول شحنة من دجاج مزارعها إلى دولة قطر بكمية بلغت 40 طناً، معتبراً أن هذه الخطوة تمثل انطلاقة مهمة لفتح أسواق خارجية أمام المنتج السوري.
وأضاف في تصريح لـِ "المدن" أنَّ الشركة تعمل حالياً على استكمال عقد جديد للتصدير إلى دولة الكويت خلال الشهر المقبل، مشيراً إلى أنَّ كميات التصدير اللاحقة ستتحدد وفق العقود الموقعة وحجم الطلب في الأسواق الخارجية.
وأوضح عبد الرحيم أنَّ الطاقة الإنتاجية للشركة تبلغ نحو مليوني فروج سنوياً، بمتوسط يتراوح بين 300 و400 ألف فروج في دورة إنتاج تستغرق نحو 40 يوماً، ما يتيح للشركة تلبية الطلب المحلي والتوسع في التصدير.
وأشار إلى أنَّ نجاح أول عملية تصدير جاء بدعم من وزارة الزراعة ممثلة بالمؤسسة العامة للدواجن، وغرفة زراعة دمشق وريفها، ووزارة الاقتصاد، التي ساهمت في تسهيل إجراءات التصدير وإجراء التحاليل المخبرية والمعاينات اللازمة، والتي أكدت سلامة المنتج ومطابقته لمتطلبات التصدير.
وأكد أنَّ تصدير الدواجن يحمل أهمية اقتصادية تتجاوز الشركة نفسها، إذ يسهم في إدخال القطع الأجنبي، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الغذائية السوريّة، وتحفيز قطاع الدواجن على رفع جودة الإنتاج بما يتوافق مع المعايير الدولية، الأمر الذي ينعكس على زيادة الاستثمار والإنتاج وخلق فرص عمل في القطاع الزراعي والغذائي.
وقال: "يمثل تصدير أول شحنة من دجاج مزارعنا إلى دولة قطر محطة مهمة في مسيرة الشركة، ونتيجة لعمل متواصل وجهود كبيرة بُذلت لبناء منظومة إنتاج متكاملة تضمن تقديم منتج سوري عالي الجودة وفق أعلى المعايير"، مؤكداً أن الشركة مستمرة في تطوير قدراتها الإنتاجية والتصديرية بما يعزز مكانة المنتج السوري ويفتح آفاقاً جديدة أمام الصناعات الغذائية الوطنية في الأسواق الخارجية.

 

أرقام تؤكد مسار التعافي
ولا ينظر اقتصاديون إلى هذه الخطوة باعتبارها مجرد عملية تصدير محدودة، بل يرون فيها اختباراً لقدرة المنتج السوري على استعادة حضوره في الأسواق الإقليمية، خاصة أن قطاع الدواجن يعد من أكثر القطاعات الزراعية قدرة على تحقيق قيمة مضافة وخلق فرص عمل، في حال توافرت له بيئة إنتاج مستقرة وأسواق تصديرية مستدامة.
وتعكس المؤشرات الدولية بداية تعافٍ تدريجي لقطاع الدواجن في سوريا بعد سنوات من التراجع الحاد. فبحسب بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، ارتفع إنتاج لحوم الدواجن إلى نحو 169 ألف طن خلال عام 2024، بزيادة تقارب 59% مقارنة بعام 2023، فيما بلغ إنتاج البيض نحو 136 ألف طن، مسجلاً نمواً بنحو 40% على أساس سنوي. ورغم هذا التحسن، لا يزال الإنتاج دون المستويات التي سجلها القطاع قبل عام 2011، حين بلغ إنتاج لحوم الدواجن ذروته عند نحو 191 ألف طن، ما يشير إلى أنّ القطاع لم يستعد كامل طاقته الإنتاجية بعد، لكنه يسير في مسار تعافٍ واضح.
ويؤكد رئيس لجنة الدواجن المركزية في اتحاد الغرف الزراعية، نزار سعد الدين، في تصريح لـِ "المدن"، أن قطاع الدواجن يشهد تعافياً ملحوظاً، إذ بلغت نسبة تعافي المربين نحو 80%، فيما ارتفعت نسبة المداجن العاملة إلى 76% من إجمالي 13,230 مدجنة، مقارنة بنحو 36% فقط خلال السنوات السابقة، وهو ما يعكس عودة تدريجية للاستقرار والإنتاج.
ويوضح سعد الدين أنَّ السوق المحلية تشهد حالياً فائضاً في الإنتاج بالتزامن مع نهاية الدورة الإنتاجية لهذا العام، مؤكداً أن التصدير لم ينعكس على أسعار الدواجن في السوق المحلية، بل ساهم في الحفاظ على حالة من الاستقرار، مشيراً إلى أنَّ معظم المُربين ما زالوا يبيعون منتجاتهم بأسعار قريبة من التكلفة.
ويضيف أنَّ فتح باب التصدير يمثل متنفساً مهماً للمربين، إذ يساهم في تعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها خلال السنوات الماضية، كما يحقق فائدة مباشرة للاقتصاد الوطني من خلال رفده بالقطع الأجنبي، إلى جانب تحفيز استمرار العملية الإنتاجية.
ويشير إلى أنَّ تعافي القطاع يفتح المجال أمام استعادة الأسواق الخارجية، ولا سيما في دول الخليج مثل قطر والكويت والعراق، مؤكداً أنّ منتجات الدواجن السوريا، سواء لحوم الدجاج أو بيض المائدة، تستوفي الاشتراطات الصحية المطلوبة، ما يمنحها قدرة تنافسية جيدة في الأسواق الإقليمية. ويتوقع أن يُدرّ قطاع الدواجن عشرات ملايين الدولارات سنوياً من القطع الأجنبي مع عودة التصدير إلى أسواق الخليج.
ورغم المؤشرات الإيجابية، يؤكد عدد من المربين أنَّ استدامة التعافي لن تتحقق عبر التصدير وحده، بل تحتاج إلى معالجة التحديات التي تواجه الإنتاج، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية والطاقة، إلى جانب تكاليف النقل والتمويل، وهي عوامل أدّت خلال السنوات الماضية إلى خروج عدد كبير من المربين من السوق. ويرى العاملون في القطاع أنّ الحفاظ على الزخم الحالي يتطلب الجمع بين فتح الأسواق الخارجية وتوفير بيئة إنتاج أكثر استقراراً، بما يضمن استمرار الاستثمار وزيادة الإنتاج وتحويل التعافي الحالي إلى نمو مستدام.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث