أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية إطلاق أكبر مشروع استثماري في تاريخ قطاع الاتصالات، عبر إسناد تشغيل شركة MTN سوريا إلى مجموعة "زين" الكويتية، ضمن صفقة تتجاوز قيمتها 1.5 مليار دولار، ويأتي هذا التطور في إطار توجهات الوزارة لإعادة هيكلة القطاع، وتحديث بنيته التحتية، وإدخال تقنيات الجيل الخامس (5G)، إلى جانب تعزيز المنافسة في السوق ورفع كفاءة الخدمات وزيادة إيرادات الخزينة العامة.
وقال وزير الاتصالات وتقانة المعلومات السوري عبد السلام هيكل خلال حفل الإطلاق الذي أقيم بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، إن الاتفاق المبرم مع المستثمر الجديد لتشغيل الشركة جاء بعد عملية تنافسية تم خلالها اختيار أعلى عرض مستوفٍ للشروط الفنية والمالية، مؤكداً أن الهدف من هذه الخطوة هو تطوير قطاع الاتصالات في سوريا، وتعزيز المنافسة في السوق المحلية، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، بما ينسجم مع رؤية الوزارة لتحديث هذا القطاع الحيوي واستقطاب استثمارات قادرة على مواكبة التطورات التقنية.
عقد يمتد لعشرين عاماً مع إمكانية التمديد
وأوضح هيكل، في تصريح لـِ "المدن"، أن العقد يمتد لمدة عشرين عاماً، مع إمكانية تمديده لمدة خمس سنوات إضافية في حال تحقيق نسب الإنجاز والمؤشرات المتفق عليها مسبقاً، مشيراً إلى أن الاتفاق لا يقتصر على تحسين أداء المشغل الحالي، بل يشكل جزءاً من خطة أشمل لإعادة هيكلة سوق الاتصالات في سوريا.
وكشف الوزير أن الوزارة تستهدف، خلال السنوات الخمس المقبلة، دخول مشغل ثالث جديد إلى السوق، الأمر الذي سيؤدي إلى تعزيز المنافسة، وتوسيع الخيارات أمام المشتركين، وتحفيز المزيد من الاستثمارات في البنية التحتية والخدمات الرقمية، بما ينعكس على جودة الخدمات والأسعار ومستوى الابتكار في القطاع.
وبيّن الوزير أن الدولة ستحقق عوائد مالية متنامية من هذا المشروع، حيث تبدأ حصة الخزينة العامة من الإيرادات بنسبة 15% خلال السنة الأولى، وترتفع إلى 16% في السنة الثانية، ثم 17% في السنة الثالثة، لتصل بعد ذلك إلى 18% و19%، قبل أن تستقر عند 20% في السنوات اللاحقة. وأكد أن هذه النسب تمثل عائداً مباشراً للخزينة العامة، يضاف إليها امتلاك الدولة حصة تبلغ 25% في الشركة، وهذا ما يضمن استمرار استفادتها من أرباحها وعوائدها إلى جانب الإيرادات التشغيلية.
استمرارية الخدمات دون تغيير للمشتركين
وأشار هيكل إلى أن 75% من ملكية الشركة كانت محل نزاع قانوني بين الدولة ومجموعة MTN، وأن نقل الملكية تم عبر إجراءات وقرارات قضائية كانت موضع نزاع، لافتاً إلى أن الاتفاق الجديد يسهم في تسوية هذا الملف وتهيئة بيئة قانونية واستثمارية مستقرة تسمح بضخ استثمارات جديدة لتطوير قطاع الاتصالات.
وأكد الوزير أن ملايين المشتركين الذين يعتمدون على شبكة MTN يومياً لن يطرأ أي تغيير على خطوطهم أو أرقامهم أو خدماتهم الأساسية، ولن تكون هناك أي انقطاعات أو إجراءات تستدعي استبدال الشرائح أو تغيير العقود، موضحاً أن انتقال التشغيل سيتم بصورة سلسة تضمن استمرارية الخدمة بشكل كامل.
وأضاف أن المواطنين سيلاحظون خلال المرحلة المقبلة تحسناً تدريجياً في جودة خدمات الاتصالات والإنترنت والتغطية، نتيجة الالتزامات الاستثمارية التي تعهد بها المستثمر الجديد، الذي جرى اختياره بناءً على تقديمه أعلى عرض مستوفٍ للشروط الفنية والمالية، بما يضمن تنفيذ خطة لتحديث الشبكة وتوسيع نطاق التغطية ورفع كفاءة الخدمات.
الإيرادات في تمويل مشاريع التنمية
وتراهن الحكومة أيضاً على أن ينعكس المشروع على المالية العامة، ليس فقط من خلال الرسوم والعوائد المباشرة، إنما عبر توظيف جزء من الإيرادات في تمويل مشاريع التنمية، وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين البيئة الاستثمارية.
وفي هذا الإطار، أكد وزير المالية محمد يسر برنية أن الاتفاق يمثل خطوة اقتصادية مهمة للدولة، ليس فقط على مستوى تطوير قطاع الاتصالات، إنما أيضاً من حيث تعزيز الإيرادات العامة وخلق بيئة استثمارية أكثر جاذبية في سوريا. وأوضح أن جزءاً مهماً من العوائد سيؤول إلى الحكومة، بما يرفد الخزينة العامة بإيرادات مستدامة خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يعزز قدرة الدولة على تمويل أولوياتها التنموية. مشيراً إلى أن هذه الإيرادات ستشكل مورداً مالياً مستداماً للخزينة العامة على مدى سنوات العقد.
وأكد أن قسماً من هذه الإيرادات سيُخصص لدعم الموازنة العامة للدولة، بهدف تمويل المشاريع التنموية، وسيكون معظمها في قطاعي التقنية والاتصالات، بما يدعم تطوير البنية التحتية الرقمية، وتسريع مشاريع التحول الرقمي، وتحديث خدمات الاتصالات بما يواكب متطلبات التنمية الاقتصادية.
وختم برنية بالتأكيد على أن هذا الاستثمار يعكس توجه الحكومة نحو بناء شراكات مستدامة تحقق عوائد للدولة، وتدعم النمو الاقتصادي، وتعزز ثقة المستثمرين في الاقتصاد السوري.
الانطلاقة الكاملة الشهر الأول من عام 2027
ومن جانبه، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة "زين" الكويتية بدر ناصر الخرافي إن المجموعة تستعد لضخ استثمارات تتجاوز 1.5 مليار دولار في سوريا، في خطوة تعكس ثقتها بمستقبل السوق السورية وإمكانات قطاع الاتصالات فيها.
وأوضح الخرافي، في تصريح لـِ "المدن"، أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن سهلاً، قائلاً: "أمضينا نحو عام كامل من العمل والمفاوضات حتى تمكنا من إنجاز هذا الاستثمار، الذي نعدّه استثماراً استراتيجياً ومهماً بالنسبة لمجموعة زين في سوريا. وخلال هذه الفترة وجدنا تعاوناً وتسهيلات من الحكومة السورية، وتم التوصل إلى اتفاق يحقق مصالح جميع الأطراف ويؤسس لشراكة طويلة الأمد."
وأضاف أن الاتفاق ينص على استثمار يتجاوز 1.5 مليار دولار، تشمل نحو 747 مليون دولار قيمة الحصول على الرخصة، إلى جانب ما يقارب 800 مليون دولار مخصصة لتحديث وتوسيع البنية التحتية لشبكة الاتصالات، وإدخال أحدث التقنيات، وفي مقدمتها خدمات الجيل الخامس (5G).
وأشار إلى أن سنوات الحرب خلفت تحديات كبيرة على مستوى البنية التحتية، وهو ما يتطلب استثمارات وجهوداً فنية واسعة لإعادة تأهيل الشبكة وتطويرها، لكنه أكد أن المجموعة تمتلك خبرة في العمل ضمن أسواق واجهت ظروفاً مشابهة، مثل السودان، وهو ما يمنحها القدرة على التعامل مع التحديات التشغيلية وتسريع تنفيذ خطط التطوير.
وأوضح أن إطلاق خدمات الشركة سيتم بشكل تدريجي، بما يضمن انتقالاً سلساً للمشتركين واستمرارية الخدمات، على أن تتوسع عمليات التشغيل تباعاً في مختلف المحافظات، مضيفاً أن الانطلاقة التشغيلية الكاملة ستكون خلال الشهر الأول من عام 2027، حيث سيتمكن المشتركون في جميع المحافظات السورية من الاستفادة من خدمات شبكة زين بصورة كاملة، وفق أعلى المعايير الفنية والتقنية.




