رأى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أنّه "مضت ست سنوات منذ أن أصبح الانهيار المالي/ المصرفي أمراً لا يمكن إنكاره". ومع ذلك، لا زالت الأزمة مستمرة، والخاسر الأكبر فيها هم المودعون "الذين ائتمنوا هذا النظام على جنى أعمارهم"، وفق ما قاله سعيد في لقاء حواري عقد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
حقائق بلا تجميل
في توصيفه للأزمة، اعتبر سعيد أنّها "أزمة نظامية"، مؤكّداً أنّه "جرى توصيفها على هذا النحو من قبل العديد من الخبراء محلياً ودولياً، كما أقرّ بها مؤخراً صندوق النقد الدولي". وبنتيجة هذه الأزمة، بات لبنان أمام:
• نحو 80 مليار دولار من الخسائر في القطاع المصرفي، أُودِعت بمعظمها من قبل المصارف لدى مصرف لبنان.
• تخلّف الدولة عن سداد سندات اليوروبوندز في آذار 2020، بالتوازي مع انهيار قيمة سندات الخزينة بالليرة اللبنانية التي كانت تساوي ضعف قيمة سندات اليوروبوندز.
• انهيار سعر صرف العملة الوطنية بأكثر من 98%، وظهور أسواق موازية تعمل خارج الأطر الشرعيّة.
• ست سنوات من الشلل، من دون قانون لإعادة الهيكلة، أو خطة تعافٍ، أو مسارإصلاحي واضح.
• حرب عام 2024 التي أضافت مزيداً من الدمار إلى ما كان قائماً، ثم الحرب الدائرة اليوم في العام 2026.
وهذه النتيجة لم تأتِ من فراغ. فأشار سعيد إلى أنّ "النموذج المالي الذي اعتمده لبنان بعد الحرب الأهلية قام على سلسلة متواصلة من عمليات إعادة التمويل غير المستدامة، فاستقطب تثبيت سعر الصرف وارتفاع معدلات الفائدة ودائع اللبنانيين في الداخل وفي الاغتراب إضافةً الى الودائع الإقليمية، ثم أُعيد تدوير هذه الأموال عبر المصارف إلى مصرف لبنان، ومن خلال مصرف لبنان إلى الدولة التي كانت تعاني عجزاً مالياً متكرراً. وكان هذا النموذج قابلاً للاستمرار فقط طالما بقيت التدفقات الداخلة تفوق التدفقات الخارجة. لكن مع اهتزاز الثقة في عام 2019، جاء الانهيار سريعاً وشاملاً.
تحميل المسؤوليات
وفي سياق تحميل المسؤوليات، اعتبر سعيد أنّ "الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية يتحملون مسؤولية الأزمة المالية/ المصرفية، وعليهم جميعاً أن يتحملوا أعباء معالجتها". وأضاف أنّ "الاعتراف الرسمي بالطبيعة النظامية لهذه الأزمة، سواء من قبل مصرف لبنان أو من قبل صندوق النقد الدولي، لا يبرّئ أحداً من المسؤولية". وأكّد أنّ "ما يتيحه الإطار النظامي لهذه الأزمة هو توفير "أساس عادل لتوزيع الأعباء"، بما يضمن ألا تقع كلفة المعالجة بالكامل على المودعين، وهم في الوقت نفسه الطرف الأقل مسؤولية عن الأزمة والأكثر تضرراً من نتائجها".
أزمة لبنان مختلفة
ولفت سعيد النظر إلى أنّ الأزمة في لبنان "تختلف اختلافاً جوهرياً عن جميع تلك الأزمات. ففي معظم الحالات، كان القطاع الخاص هو من أشعل شرارة الأزمة. أما في لبنان، فقد كان القطاع العام هو نقطة الانطلاق. وكانت الدولة بسبب التهوّر المالي والإستدانة الشرسة والممنهجة هي اللاعب الرئيسي في هذه المأساة الوطنية، فيما أصبح سائر المستفيدين والمشاركين فيها إما وكلاء أساسيّين كمصرف لبنان أو شركاء فعليّين كالمصارف التجاريّة".
وأعطى سعيد أمثلة عن أزمات واجهتها بعض الدول مثل قبرص وايسلندا واليونان، ورغم اختلاف طرق المعالجة، يبقى لبنان حالة مختلفة. فتلك البلدان، رغم اختلاف سبل معالجتها، إلاّ أنّها اعتمدت وسائل جذرية وسريعة. والمساءَلة لم تكن خياراً "بل ركيزة أساسية في أي عملية إصلاح". أمّا الخلل السياسي، وتحديداً في النموذج اليوناني "فقد تحوّل بحدّ ذاته إلى أزمة".
وكشف سعيد أنّ "الجهة الناظمة والرقابية، أي مصرف لبنان، لم يؤدِّ دوره المسؤول ومهامها الاحترازيّة، بل لعب دور "الوسيط المالي"، فسهّل التعامل بين دولة تفتقر إلى الانضباط المالي وقطاع مصرفي كان حاضراً للاستفادة من هذا الواقع، فيما كانت المخاطر النظامية تتراكم إلى أن بلغت مستويات كارثية".
هيكلية المعالجة
رغم ذلك، إنّ التعافي ممكن، لكن بحسب سعيد "يتطلب التعافي العمل على خمسة مسارات متزامنة، لا بصورة متسلسلة بل بالتوازي، عبر:
-
التحديد الواضح للخسائر: إجراء تدقيق شامل في حسابات مصرف لبنان ونشر نتائجه كاملة، بالتوازي مع تقييمات مستقلة ومعتمدة دولياً لجميع المصارف التجارية.
-
إعادة هيكلة القطاع المصرفي: تصنيف جميع المصارف ضمن ثلاث فئات: مصارف قابلة لإعادة الرسملة، ومصارف تحتاج إلى إعادة هيكلة، ومصارف تستوجب المعالجة أو التصفية المنظمة.
-
إعادة حقوق المودعين: توفير حماية الى أقصى حد ممكن من السيولة مع أولوية للمودعين الصغار والمتوسطين.
-
إعادة هيكلة الدين السيادي: يجب معالجة التعثر الذي وقع في عام 2020 من خلال تسوية تفاوضية تستند إلى مبدأ تكافؤ المعاملة واستدامة الدين العام.
-
الإصلاح المالي: يشمل ذلك إصلاح المؤسسات العامة، وتعزيز إدارة الإيرادات، وترشيد كتلة الأجور في القطاع العام، وإلغاء أشكال الدعم ذات الدوافع السياسية.
الجدول الزمني لمعالجة الأزمة
وفق سعيد، ينبغي أن تمتد المرحلة الأولى، أي مرحلة الاستقرار، على عامي 2026 و2027. وتشمل استكمال التدقيقات الجنائية والمالية، وإقرار الإطار التشريعي الأساسي، وإطلاق عملية تصنيف المصارف، والتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، والبدء بإعادة جزء من حقوق صغار المودعين.
أما خلال الفترة الممتدة بين عامي 2027 و2028، فيجب أن تبدأ عملية إعادة الهيكلة بصورة فعلية: تصنيف المصارف ومعالجة أوضاعها، وتسوية الدينالسيادي، وتحقيق تقدم ملموس في المؤشرات المالية العامة، والرفع التدريجيللقيود على حركة الرساميل مع عودة الثقة.
أما بين عامي 2028 و 2030، فإذا ما نجحت المراحل السابقة، يصبح الانتقال إلى الوضع الطبيعي أمراً ممكناً. فعندها يمكن استعادة وظيفة الائتمان، واسترجاع القدرة على النفاذ إلى الأسواق، وتوسيع نطاق إعادة حقوق المودعين، وإرساء إطار نقدي مستدام.
وعندها يعود لبنان إلى العالم، لا بوصفه قصة تحذيرية، بل بوصفه دولة قررت أخيراً أن تحكم نفسها بنفسها.
وفي سياق المعالجة، أكّد سعيد أنّه "ومنذ نيسان 2025، اتخذ مصرف لبنان سلسلة واسعة من الإجراءات، شملت الإعتماد على شركات متخصصة في مكافحة "الإقتصاد الأسود" كـK2 Integrity ووضعت أدوات متطورة لرصد العمليات المالية، وتعزيز متطلبات اعرف عميلك (KYC) وإجراءات العناية الواجبة المعززة، وتطبيق متطلبات الشفافية المتعلقة بالمستفيد الحقيقي، وتحسين نوعية تقارير العمليات المشبوهة بصورة ملموسة، وتعزيز التعاون مع مجموعة العمل المالي (FATF) ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF) ومجموعة إيغمونت.
أموال الفساد
ورغم سياق المعالجة، تبقى المخاطر موجودة، ومنها تمويل الإرهاب وأموال الفساد. ورأى سعيد أنّه "إذا كان تمويل الإرهاب يشكل تهديداً خطيراً، فإن أموال الفساد لا تقل خطورة عنه، بل قد تكون أكبر حجماً وتفشياً. والأخطر من ذلك أنّ الفساد يحظى في لبنان بقبول اجتماعي مبطّن. ولا يتعلق الأمر بفساد محدود أو عابر. بل بسرقة كبرى استهدفت الشعب اللبناني ومصرفه المركزي ومودعيه". ولفت النظر إلى أنّ "الأموال التي غادرت لبنان في الأشهر المحيطة بأحداث تشرين الأول 2019، بلغت مليارات الدولارات. بعضها كان مشروعاً في غياب الـ Capital Control وكثيراً لم يكن. بعضٌ حوّله مستثمرون أو مودعون مميّزون أو مصرفيون وبعضه للأسف مسؤولون في الدولة وفي مصرف لبنان".




