كشف وزير المالية السوري محمد يسر برنية عن حزمة واسعة من التغييرات الضريبية والإجراءات المرتبطة بمكافحة الفساد، متعهداً بإلغاء تراخيص "فاسدين" من معقبي المعاملات والمحاسبين القانونيين، بالتوازي مع إطلاق منظومة ضريبية جديدة تقوم على خفض الضرائب وتبسيط الإجراءات وتوسيع قاعدة الملتزمين ضريبياً.
كما أكد في حديث لـ"المدن" أن زيادة الرواتب سيُعلن عن تفاصيلها قريباً جداً وستشمل 80 في المئة من الموظفين.
وجاءت تصريحات الوزير خلال لقاء موسع عقد في غرفة تجارة دمشق اليوم الخميس بحضور فعاليات تجارية وصناعية، لمناقشة السلف الضريبية ورسم الإنفاق الاستهلاكي والمنظومة الضريبية الجديدة، وسط اعتراضات من عدد من التجار على بعض الرسوم والإجراءات الأخيرة.
وقال برنية إن الوزارة "لن تسمح باستمرار ثقافة الفساد"، معلناً أنه سيوقّع قرارات بإلغاء تراخيص عدد من معقبي المعاملات ومنعهم من دخول المديريات المالية، إضافة إلى تجميد وإلغاء تراخيص عدد من المحاسبين القانونيين المتورطين بمخالفات.
وأشار إلى وجود قائمة تضم مئات الأسماء من موظفين ومعقبي معاملات ومحاسبين ورجال أعمال، يجري العمل على اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم خلال المرحلة المقبلة.
إعفاء غالبية الموظفين من ضريبة الدخل
وفيما يتعلق بالمنظومة الضريبية الجديدة، قال الوزير إن كل شخص يقل دخله السنوي عن 640 ألف ليرة سورية جديدة سيكون معفى بالكامل من ضريبة الدخل، موضحاً أن الشرائح التي تضم أكثر من 80 إلى 90 بالمئة من الموظفين لن تدفع أي ضريبة.
وأضاف أن الشرائح الأعلى دخلاً ستخضع لنسب تتراوح بين 2.5 و5 % فقط، بينما لن تتجاوز الضريبة القصوى على قطاع الأعمال 15 بالمئة، معتبراً أن الحكومة تتجه إلى "خفض المعدلات الضريبية مقابل رفع الامتثال الضريبي”.
وأكد برنية أن الحكومة لا تعمل على فرض ضرائب جديدة بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم الضرائب القائمة وتبسيطها، موضحاً أن تحسين الالتزام الضريبي ورفع كفاءة التحصيل سيؤديان إلى زيادة الإيرادات من دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
وكشف الوزير لـ"المدن" أن الوزارة ستصدر خلال الساعات المقبلة التعليمات التنفيذية الخاصة بـ"الزيادة النوعية للرواتب"، مؤكداً أن الزيادة ستشمل نحو 80 في المئة من موظفي الدولة.
وقال: "لن نعلن نسب الزيادات الآن، وسنتركها مفاجأة سارة حين وصولها للموظفين".
وأضاف برنية: أن إصلاح النظام الضريبي يحتاج إلى وقت حتى تظهر نتائجه على معيشة السوريين، لكنه شدد على أن الهدف النهائي من رفع كفاءة التحصيل الضريبي هو تحسين مستوى الخدمات العامة، وزيادة الإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، إلى جانب تمويل زيادات الرواتب وبرامج دعم محدودي الدخل.
وأشار إلى أن الوزارة تسعى إلى بناء علاقة "ثقة وشراكة" مع القطاع الخاص، تقوم على اعتبار الضريبة أداة لتحسين الاقتصاد والخدمات العامة، لا مجرد وسيلة للجباية.
رسم الإنفاق الاستهلاكي
وفي ملف رسم الإنفاق الاستهلاكي، أوضح الوزير أن العمل بالرسم سيبدأ اعتباراً من حزيران المقبل وحتى نهاية العام الحالي فقط، تمهيداً للانتقال إلى نظام ضريبة المبيعات.
وأكد أن ضريبة المبيعات الجديدة لن تتجاوز 5 بالمئة، مع إعفاء كامل للسلع الأساسية، بما فيها الغذاء والدواء والتعليم، مشيراً إلى أن النظام الجديد سيعتمد على الأتمتة والتقنيات الحديثة للحد من الفساد والتلاعب بالفواتير.
كما أعلن الوزير عن إطلاق "القائمة الذهبية" للتجار والصناعيين الملتزمين ضريبياً، والتي ستمنح أصحابها تسهيلات خاصة، بينها الإعفاء من السلف الضريبية وتخفيف الإجراءات الإدارية.
اعتراضات التجار: الرسوم سترفع الأسعار
لكن تصريحات الوزير جاءت وسط اعتراضات من بعض التجار المشاركين في اللقاء.وقال عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق لؤي الأشقر، في تصريح لـ"المدن"، إن عدداً من المواد التي كانت معفاة سابقاً أُضيفت مؤخراً إلى قائمة السلع الخاضعة لرسم الإنفاق الاستهلاكي، معتبراً أن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في قيمة الرسم، بل في طريقة اتخاذ القرارات الاقتصادية "من دون تشاور كافٍ مع الفعاليات التجارية والصناعية".
وأضاف الأشقر أن قرار فرض سلفة على ضريبة الاستيراد خلق حالة من القلق لدى المستوردين، لأنه يعني عملياً تجميد جزء من السيولة المالية ورأس المال لفترات طويلة قبل تصريف البضائع وتحقيق أي عائد، ما ينعكس بشكل مباشر على حركة السوق والأسعار.
وأشار إلى أن هذا النوع من الإجراءات "غير مطبق بالشكل نفسه في معظم دول العالم"، لأن الاقتصادات الحديثة تسعى عادة إلى تسريع دورة رأس المال وتشجيع الاستيراد والإنتاج، بينما تؤدي السلف الضريبية المرتفعة إلى زيادة الأعباء التشغيلية على التجار، وخاصة في ظل ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة وتقلبات سعر الصرف.
وحذر الأشقر من أن أي تكلفة إضافية تُفرض على المستورد ستنعكس بالنهاية على المستهلك السوري، قائلاً إن التاجر "لن يتحمل الخسارة وحده، بل سيضيفها تلقائياً إلى السعر النهائي للسلعة"، ما قد يرفع أسعار عدد واسع من المواد في الأسواق خلال المرحلة المقبلة.
مطالب بإعفاء المواد الغذائية الأساسية
بدوره، قال عضو مجلس إدارة الغرفة حمزة الجبان، في تصريح لـ "المدن" إن فرض رسم إنفاق استهلاكي على المواد الغذائية الأساسية سيؤثر مباشرة على معيشة السوريين، داعياً إلى استثناء السلع الرئيسية التي يستهلكها عموم المواطنين بشكل يومي، ولا سيما في ظل التراجع الحاد في القدرة الشرائية.
وأضاف الجبان أن رفع الرسم الجمركي على بعض المواد الغذائية مثل التونا والسردين من 300 إلى 500 دولار للطن سيؤدي إلى زيادة أسعارها في الأسواق، رغم أنها باتت تُعد من البدائل الغذائية الأقل تكلفة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الأسر السورية.
واعتبر أن أي تعديل ضريبي أو جمركي يجب أن يراعي الظروف المعيشية الحالية، موضحاً أن الأسواق تعاني أساساً من ضعف الطلب وتراجع حركة البيع، وبالتالي فإن تحميل المستورد أو التاجر أعباء إضافية "سينتهي دائماً بزيادة الأسعار على المستهلك النهائي".
وأكد الجبان أن القطاع التجاري لا يعارض تنظيم العمل الضريبي أو مكافحة التهرب، لكنه يطالب بأن تتم القرارات الاقتصادية بالتنسيق مع غرف التجارة والصناعة، وبما يحقق التوازن بين حاجة الدولة للإيرادات وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
دعم الصناعة وتسهيلات ائتمانية
وفي سياق متصل، قال الوزير إن الحكومة تعمل على دعم القطاع الصناعي عبر تخفيضات ضريبية قد تصل إلى أربع درجات وفقاً لعدد العمال، ما قد يخفض الضريبة الفعلية لبعض المنشآت الصناعية إلى حدود 9 أو 10 بالمئة.
كما أشار إلى وجود تسهيلات ائتمانية وبرامج تمويل لإعادة تشغيل المنشآت المتعثرة وتحديث خطوط الإنتاج، ضمن خطة تهدف إلى دعم الصناعة المحلية وخلق فرص عمل جديدة.
ويأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه سوريا إعادة صياغة واسعة للسياسات الضريبية والمالية بعد سنوات من تعقيد النظام الضريبي وتعدد الرسوم والجبايات.
وبحسب الأرقام التي عرضها وزير المالية، فإن الإيرادات الضريبية الحالية لا تتجاوز 3.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 15 بالمئة، وهو ما تعتبره الحكومة مؤشراً على ضعف الامتثال الضريبي واتساع الاقتصاد غير المنظم.
وتعتمد المنظومة الحالية على عدة أنواع من الضرائب، أبرزها ضريبة الدخل على الأفراد والشركات، وضريبة الأرباح التجارية والصناعية، ورسم الإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب الرسوم الجمركية والسلف الضريبية المفروضة على بعض المستوردات.
وخلال اللقاء، شدد برنية أكثر من مرة على أن الضرائب والرسوم الصادرة بموجب قانون الجمارك لا تتبع لوزارة المالية بشكل مباشر، موضحاً أن جزءاً من الرسوم الجمركية والقرارات المرتبطة بالتعرفة والاستيراد يصدر ضمن قوانين وأنظمة خاصة مرتبطة بالسياسات الجمركية والتجارية، وليس ضمن المنظومة الضريبية الجديدة التي تعمل الوزارة على تعديلها حالياً.
وأكد الوزير أن الحكومة تحاول الفصل بين الضرائب الهادفة إلى تمويل الخزينة وتحسين الخدمات العامة، وبين الرسوم الجمركية المفروضة لأسباب تتعلق بحماية الإنتاج المحلي أو تنظيم التجارة الخارجية، في ظل الانتقادات الواسعة التي رافقت القرارات الأخيرة الخاصة برفع بعض الرسوم على المستوردات.




