بالرغم من إيجابية توحيد التعرفة الجمركية على كافة المنافذ البرية والبحرية في سوريا، إلا أن العملية بذاتها لا تخلو من إشكاليات لعل أبرزها التعاطي الجمركي مع كل السلع على حد سواء. ويرى خبراء وتجار تحدثوا لـِ "المدن" أن بعض السلع الضرورية أو التي تدخل ضمن الصناعة الوطنية يجب أن تكون رسومها منخفضة أو حتى صفرية، بينما يمكن، في المقابل، فرض رسوم مرتفعة على الكماليات والصناعات المنافسة.
ويختلف أداء الحكومة السورية في هذا الإطار عن تجربة البلدان المجاورة مثل لبنان حيث تتباين معدلات الرسوم الجمركية باختلاف نوعية البضائع وتصنيفها، فبينما تتراوح الرسوم عن السيارات بين 25% وحتى 50%، لا تتجاوز التعرفة عن الحبوب مثل القمح والرز أكثر من 10% إضافة إلى إعفاء مواد أولية من الرسوم بشكل شبه كلّي.
الفكرة نفسها تنطبق على التعرفة الجمركية في مصر، فالتفاوت واضح جداً في لائحتها، حيث خفضت مصر رسوم المواد الأولوية إلى أقل من 5 في المئة بهدف تشجيع الصناعة، بينما تصل الرسوم على السلع الاستهلاكية الفاخرة إلى 60 في المئة.
إشكاليات فرض التعرفة الموحدة
بشكل عام، رافق تطبيق التعرفة الموحدة جدل كبير بين المواطنين، بدءاً من تطبيقها على معابر "المناطق المحررة" عقب سقوط النظام، وانتهاء بما قامت به هيئة المنافذ في منتصف نيسان الحالي من تحصيل الرسوم الجمركية في معبر سيمالكا/ الوليد الحدودي مع إقليم كردستان العراق، ذلكَ بعد ربطه ببقية المعابر عبر نظام جمركي موحّد مرتبط بالشبكة السورية، وفق التعرفة الرسمية المعتمدة.
عملية تطبيق التعرفة الموحدة أدت إلى انعكاسات كبيرة وواضحة جداً على أسعار السلع سواء في شمالي غرب سوريا أو شرقي نهر الفرات، لأن التعرفة السابقة في هذه المناطق كانت منخفضة جداً مقارنة بنظيرتها في مناطق النظام المخلوع، هذه النقطة بالذات كانت مثار جدل واسع حول الموضوع، وأسهمت في تعزيز تداول شائعات عديدة حول رفع التعرفة الجمركية.
رسمياً، نفى مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك مازن علوش خلال حديث لـِ "المدن" أي ارتفاع في التعرفة الجمركية على أي سلعة على عموم المنافذ البرية والبحرية في سوريا، مؤكداً أن التعرفة الجمركية هي واحدة بجميع المنافذ الحدودية.
لكن علوش أوضح أن التعرفة في معبر سيمالكا تغيرت منذ إدخاله منفذ ضمن منظومة عمل الهيئة العامة للمنافذ والجمارك حيث تم تطبيق التعرفة الجمركية في المنفذ أسوة بباقي المنافذ الحدودية، لأنه من غير المنطقي أن تكون التعرفة بسيمالكا متفاوتة عن التعرفة بمنفذ باب الهوى مثلاً. وأشار إلى أنه منذ تطبيق التعرفة الجمركية الموحدة، لم ترتفع الرسوم في المنافذ إطلاقاً.
ضرورة إيجاد تعرفة انتقائية
وبالرغم من تصريحات علوش الإيجابية حول اعتماد التسعيرة الموحدة وعدم رفعها، فإن تجار تجزئة ومقاولين من إدلب وريف دمشق ألمحوا لـِ "المدن" إلى أن تعرفة بعض السلع وخصوصاً المواد التموينية ومواد البناء غير متوافقة مع القدرة الشرائية للمواطن السوري من جهة، كما أنها غير محفزة للصناعات الوطنية والنشاط في قطاع المقاولات الذي يعتبر ضرورة ملحة بعد سنوات طويلة من الحرب، من جهة أخرى.
أبو إسماعيل أحد تجار التجزئة بريف دمشق أكد لـِ "المدن" ضرورة خفض تعرفة السلع التموينية من زيت نباتي وسكر ورز بأنواعه، لأن هذه المواد تعتبر من السلع الضرورية التي يعتمد عليها المواطن السوري في مائدته اليومية.
أما أكرم وهو مقاول من ريف إدلب فأشار خلال حديث لـِ "المدن" إلى أن تعرفة مواد البناء ارتفعت بنسبة كبيرة جداً مقارنة بالتعرفة التي كان معبر باب الهوى يتقاضاها من التجار قبيل سقوط النظام.
النموذج نفسه في إدلب ينطبق على حالة الارتفاع في التعرفة الجمركية عبر معبر سيمالكا عقب خضوعه لإدارة الحكومة السورية لأن التعرفة كانت أقل بينما ارتفعت تعرفة بعض المواد، وفقاً لما أكدته مصادر "المدن" بنسب لا تقل عن 50 في المئة.
وتحدد التعرفة الموحدة مبلغ 300 دولار عن طن السمن، و250 دولاراً عن طن الزيت النباتي، و300 دولار للطن الواحد من الشاي، و10 دولارات عن طن الإسمنت.
الحاجة إلى تطبيق خريطة جمركية مرنة
من جانبه، يلاحظ الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي خلال حديث لـِ "المدن" أن التعرفة الموحدة خطوة إيجابية لأنها تنهي الفوضى السابقة في تعدد الرسوم بين المعابر، وتمنع أن يصبح اختيار المعبر بحد ذاته وسيلة للتهرب أو المضاربة أو خلق سوق موازية، كما أنها تمنح التاجر وضوحاً أكبر، وتسمح للدولة ببناء إدارة جمركية مركزية أكثر قدرة على الرقابة والتحصيل.
لكن في المقابل، يرى جزماتي أن المشكلة لا تُحل فقط بتوحيد التعرفة، بل يجب أن تكون التعرفة ذكية وانتقائية، إذ لا يصح أن نتعامل مع كل السلع بنفس المنطق، فهناك سلع يجب أن تكون رسومها منخفضة جداً أو شبه صفرية، مثل المواد الغذائية الأساسية، الأدوية، مدخلات الإنتاج الزراعي، المواد الأولية للصناعة، خطوط الإنتاج، والتجهيزات التي تساعد على إعادة تشغيل المصانع. بالمقابل، يمكن فرض رسوم أعلى على السلع الكمالية، أو السلع النهائية المستوردة التي تنافس منتجاً محلياً موجوداً فعلاً وقادراً على تلبية جزء من الطلب.
ويشير إلى أن النقطة الحساسة هنا أن حماية الصناعة المحلية لا تكون بالشعار فقط، فقبل فرض رسوم انتقائية على أي سلعة، يجب أن تسأل الحكومة: هل لدينا إنتاج محلي حقيقي من هذه السلعة؟ هل الكمية المنتجة تكفي السوق؟ هل سعر المنتج المحلي مقبول؟ هل الجودة منافسة؟ وهل رفع الرسوم على المستورد سيحمي الصناعة فعلاً أم سيمنح بعض المنتجين المحليين فرصة لرفع الأسعار على المستهلك؟
لذلك، فإن المطلوب، وفقاً لما يضيفه جزماتي، ليس تخفيضاً عاماً لكل الرسوم، ولا رفعاً عاماً لكل الرسوم، بل خريطة جمركية مرنة. فالمواد الأساسية ومدخلات الإنتاج يجب أن تُخفّض، والسلع الكمالية أو ذات البديل المحلي الحقيقي يمكن أن تتحمل رسوماً أعلى. بهذا الشكل نوازن بين احتياجات السوق، والقدرة الشرائية، وحماية الصناعة المحلية.
خلل بنيوي في وظيفة الدولة!
تظهر قراءة بيانات موازنة 2025، أن الرسوم الجمركية شكّلت نحو 39% من الإيرادات، بينما تبيّن وثيقة موازنة المواطن للعام 2026 أن الإيرادات الجمركية المتوقعة تبلغ 1.9 مليار دولار، أي 21.8% من إجمالي الإيرادات المتوقعة البالغة 8.716 مليارات دولار، مع كون الضرائب والرسوم والجمارك معاً تشكل نحو 50% من الإيرادات.
وفي تعليقه على هذه الأرقام يرى جزماتي أن ارتفاع حصة الرسوم الجمركية إلى هذا المستوى يؤشر إلى أن المالية العامة ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الجباية من الحدود وعلى حركة الاستيراد، أكثر مما تعتمد على قاعدة إنتاجية وضريبية واسعة.
ويتابع بأن المشكلة هنا أن الرسوم الجمركية مصدر إيراد سهل وسريع، لكنها ليست دائماً صحية اقتصادياً، فإذا ارتفعت كثيراً، قد ترفع الأسعار، وتضعف القدرة الشرائية، وتعيد تشجيع التهريب، وتخلق فجوة بين السوق الرسمي والسوق غير الرسمي. كما أنها تعني أن الدولة تستفيد مالياً من الاستيراد، في حين أن الهدف الاقتصادي الأعمق يجب أن يكون تقليل الاعتماد على الاستيراد تدريجياً عبر إعادة تشغيل الإنتاج المحلي.




