سوق دمشق للعملات والذهب: هل تنجح في إنقاذ الليرة؟

Image-1768305145
توحيد مرجعية أسعار الليرة السورية (رويترز)
حجم الخط
مشاركة عبر

في سياق مسار متدرّج لإعادة ضبط السياسة النقدية، تتجه سوريا نحو إطلاق "سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب"، كأداة جديدة لتنظيم سوق الصرف بعد سنوات من الفوضى والتشوهات السعرية.

الخطوة، التي تأتي امتداداً لتوجّه أعلنه مصرف سوريا المركزي سابقًا، تقوم على إنشاء منصة مركزية تُعيد تشكيل آليات التسعير وفق معايير أكثر شفافية، وتعكس توازنات العرض والطلب، مع الحد من المضاربات وتضييق الفجوة بين السعر الرسمي والموازي.

ووفق المعطيات، يستهدف المشروع إعادة بناء مرجعية موحدة للأسعار، وتقليص دور السوق السوداء، ودعم استقرار الليرة، ضمن توجه أوسع لتحديث البيئة المالية وتعزيز أدوات الرقابة والتنظيم.

 

خطوة ضرورية لكنها غير كافية

وتعليقاً على التوجّه الرسمي، رأى المحلل الاقتصادي عبد السلام العمر أن إطلاق "سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب" يمثل خطوة تنظيمية مهمة في مسار ضبط سوق الصرف، لكنه يبقى مرتبطاً بمدى قدرة الجهات النقدية على فرضه عملياً على الأرض.

وأضاف العمر، في حديث لـِ "المدن"، أنَّ توحيد مرجعية الأسعار يُعد أحد أبرز أهداف السوق، إلا أن نجاح ذلك يتطلب تضييق الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، مشيراً إلى أنَّ هذه الفجوة هي التحدي الأكبر أمام أي إصلاح نقدي في سوريا.

وأشار إلى أن السوق الجديدة قد تُسهم في تقليص دور السوق السوداء تدريجياً، لكنها لن تنهيها بشكل فوري، في ظل استمرار عوامل مثل ضعف الثقة بالقطاع المصرفي، ومحدودية العرض من القطع الأجنبي.

وأوضح العمر أنَّ اعتماد آلية تسعير تقوم على العرض والطلب يمثل تحولاً مهماً، لكنه يحتاج إلى بيئة مالية مستقرة وشفافة، إضافة إلى أدوات رقابية فعالة تمنع المضاربة والتلاعب.

ورأى أنَّ السوق قد تفتح المجال أمام تحسين بيئة الاستثمار، إذا ما نجحت في توفير بيانات دقيقة وموثوقة، لافتاً إلى أن الشفافية هي العنصر الحاسم في استعادة ثقة المتعاملين.

 

بين الإصلاح والتحدي

وتعكس هذه الخطوة محاولةً لإعادة هندسة سوق الصرف في سوريا، عبر الانتقال من إدارة الفوضى إلى تنظيمها، وسط رهان على قدرتها على كبح المضاربات وإعادة الاستقرار.

غير أن نجاح "سوق دمشق للعملات والذهب" سيبقى مرتبطاً بمدى قدرتها على التحول إلى مرجعية فعلية للتسعير، في مواجهة تحديات متراكمة، أبرزها ضعف الثقة، واستمرار السوق السوداء، وتعقيدات البيئة الاقتصادية.

ورأى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن هناك عدم وضوح في آلية عمل السوق المقبلة، متسائلاً إن كانت تقتصر على شركات الصرافة والبنوك وتجار جمعية الصاغة، أم أنها متاحة للجميع.

وقال الكريم، في حديث لـِ "المدن"، إنَّ هناك قواسم مشتركة يمكن أن تحققها السوق، بأن تكون منصة تداول للكشف عن السعر الحقيقي للصرف نتيجة معرفة حجم الطلب، وعدم الاعتماد على التسعير الإداري للدولار، وهذا ما يسهم في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والأسعار الموازية في السوق.

وشدد الكريم على أن أبرز التحديات أمام السوق والمنصة الإلكترونية الخاصة بها هي الشفافية وإصدار البيانات بشكل فوري، فضلاً عن بنيتها التحتية، التي يقصد بها أماكن بيع الدولار وقوة شبكة الإنترنت، والبرامج والتطبيقات ذات الحماية العالية والآمنة.

وحذر الكريم من أن يكون للسوق والمنصة تأثير سلبي على الكلف المعيشية، لأن وجود سعر صرف يتحدد وفق العرض والطلب مرشح، وفق الخبراء، للارتفاع، وهذا ما قد يقابله انخفاض في قيمة الليرة السورية.

في المحصلة، يشكّل إطلاق "سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب" محاولة جدّية للانتقال من حالة التشوّه والفوضى في سوق الصرف إلى إطار أكثر تنظيماً وشفافية، بما يعيد رسم آليات التسعير ويحدّ من هيمنة المضاربات. 

غير أنَّ هذه الخطوة، على أهميتها، تبقى جزءاً من مسار إصلاحي أوسع لا يمكن أن ينجح بمعزل عن معالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وتوفير بيئة نقدية مستقرة ومدعومة بأدوات رقابية فعّالة. وبين الطموح في توحيد مرجعية الأسعار والواقع المثقل بالتحديات، سيظل نجاح هذه السوق مرهوناً بقدرتها على التحوّل من منصة تنظيمية إلى مرجع فعلي يُعيد التوازن إلى الليرة السورية، ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً في المشهد المالي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث