في مقر شركة دمشق الشام القابضة وسط منطقة ماروتا سيتي بحي المزة، عقدت محافظة دمشق الخميس ورشة عمل إعلامية خصّصتها لتوضيح ما آل إليه المرسوم 66، المثير للجدل منذ صدوره عام 2012.
وعلى خلاف ما اعتادته اللغة الرسمية في مثل هذه المناسبات، جاءت مداخلات مسؤولي المحافظة أكثر صراحةً مما كان متوقعاً، كلمة "ظلم" و"جبر الضرر" وردت صريحةً على لسان المسؤولين المشاركين في الورشة.
"شركة دمشق الشام القابضة" التي استضافت اللقاء هي الجهة المُكلَّفة بالإدارة التنفيذية للمشروع، تأسست بوصفها ذراعاً استثمارياً للمحافظة يتولى تمويل البنية التحتية وتسويق الوحدات العقارية ضمن المنطقة التنظيمية، وتعمل وفق صلاحيات تمزج بين الطابع الإداري والأداة التجارية.
لبس شعبي
استهلت الورشة بتمييز جوهري يقول إن "كثيراً من اللبس الشعبي حول المرسوم مصدره الخلط بين مفهومَين قانونيَّين مختلفَين: الاستملاك الذي تلجأ إليه الحكومات لانتزاع الملكية مقابل تعويض عند الحاجة لنفع عام كمدرسة أو طريق، والتنظيم الذي يُعيد هيكلة استخدام الأرض دون نقل الملكية كلياً".
المرسوم 66 اعتمد النموذج الثاني، إذ حوّل ملكيات الأهالي في منطقة "بساتين الرازي" البالغة 214 هكتاراً إلى ما يُعرف بـ "الأسهم التنظيمية على الشيوع"، تعكس قيمة عقار كل مالك قبل التنظيم، حيث تحمّلت المحافظة كلفة البنية التحتية في المقابل، بدلاً من توزيعها على الملاك كما جرت العادة في مراسيم سابقة، واقتطعت مقاسم تنظيمية تبقى لصالح المنطقة ذاتها ولا تُحوَّل لجهات أخرى.
أوضح المهندس رياض دياب، مدير الخدمات الفنية، أن المحافظة أرشفت كامل الملكيات والقيود العقارية مع إشاراتها القانونية، وأن القانون نصّ على منح الملاك 80% من مساحة أرضهم كمساحات طابقية، فيما حصل بعضهم على 100% أو أكثر بحسب موقع المقسم. وأشار إلى ميزات أُدرجت في هذا المرسوم دون مثيلاتها في تشريعات سابقة، منها بدلات إيجار سنوية تُعادل 5% من القيمة التخمينية للعقار التي خلقت مظالم كثيرة نتيجة التضخم الذي شهده البلاد، إضافة إلى السكن البديل الذي تتكفل المحافظة بتقديم الأرض والمخططات والرخصة مجاناً، ويتحمل المواطن كلفة البناء وحده.
مغالطة شعبية الشائعة
رئيس قسم الاستثمار في المحافظة غياث العلبي، توقف عند ما وصفه بـ "المغالطة الشعبية" الشائعة، وهي تصور أن ارتفاع الأبراج في ماروتا إلى عشرين طابقاً دليلٌ على سلب حقوق الأهالي. شرح أن المنطق الهندسي يقوم على تجميع المساحات الطابقية في كتل رأسية لتحرير الأرض أفقياً لصالح المساحات الخضراء والطرق، وأن «عامل الاستثمار» البالغ 1.65 يعني ببساطة أن كل متر أرض يُعمَّر عليه 1.65 متر طابقي، يحصل المالك على متر واحد منها، فيما يُخصَّص الباقي للخدمات والمرافق.
لكن الجزء الأثقل وطأةً في الورشة جاء على لسان المهندس إبراهيم هنانو المكلف بالإشراف على أعمال مديرية تنفيذ المرسوم 66 وشركة دمشق الشام القابضة، حين استعرض ما آلت إليه الأوضاع في عهد النظام السابق. أقرّ بأن التأخير الممنهج في تسليم السكن البديل أجبر نحو 50% من مستحقيه على بيع "دفاترهم" أي صكوك حقوقهم في المشروع، بأسعار متدنية تحت ضغط الحاجة، وكشف أن ما بين الاستحقاق النظري وإمكانية تحصيله فجوة وسّعها انهيار سعر الصرف من 50 ليرة مقابل الدولار إلى ما يتجاوز 15000 ليرة، ما حوّل التعويضات المُقدَّرة بالليرة إلى أرقام لا قيمة فعلية لها.
إجراءات تصحيحية
على صعيد مرحلة ما بعد سقوط النظام، كشف هنانو عن جملة من الإجراءات التصحيحية: تشكيل لجان مشتركة مع وزارتَي الإدارة المحلية والمالية لإعادة النظر في الملف، وتعديل القرار 112 لاستعادة حق السكن البديل لأكثر من 1200 شخص حُرموا منه سابقاً لأسباب أمنية أو بسبب إقامتهم خارج البلاد، مشيراً إلى تقدّم نحو 3000 متضرر بطلبات تظلم، حيث تدرس المحافظة الوثائق المتاحة مهما كانت بسيطة، من فاتورة كهرباء إلى شهادة مختار أو حتى ضبط شرطة. ويجري البحث في آلية إعادة مقاسم تجارية كانت عُرضت للبيع لمستثمرين من خارج المنطقة، لردّها إلى أصحابها الأصليين. كما تدرس المحافظة تسييل جزء من أصولها العقارية لتمويل السكن البديل بدلاً من تحميل المواطن تبعات تضخم لم يصنعه.
ما عقد أمس الخميس في ماروتا ليس نهاية ملف، بل محطة جديدة في مسار طويل من المراجعة والمساءلة، فالأرقام التي طُرحت تكشف حجم التعقيد أكثر مما تقدم إجابات نهائية، والسؤال الذي أطلّ من بين النقاشات التي دارت، هل تكفي لجان التصحيح وتعديلات القرارات لردّ حقوق مَن باعوا دفاترهم تحت الضغط، أو مَن هُجّروا ولم يعودوا، أو مَن لا يملكون وثيقة تُثبت ما كانوا يملكون؟ وتبقى الإجابة مرهونة بطريقة تعاطي محافظة دمشق مع القضية التي لم يخف مسؤوليها أن دراسة علمية تجري لجبر الضرر وتعويض مخصص لهذه الشريحة من أصحاب الحق.




