بالفيديو: قرار يهدّد تراث دمشق... إخلاء الأسواق من الحرفيين

دمشق - رهام عليالسبت 2026/04/18
Image-1776441243
دمشق تمنع التصنيع في أسواقها القديمة (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بين أزقّة سوق "النحاسين" العريق، وما تبقى من ورش سوقي "الحدادين" و"المناخلية"، يتردّد صوت المطارق فوق صفائح المعدن كنبضٍ قديم يأبى التوقف. لكن هذا النبض الذي صمد لقرون أمام التحولات الاقتصادية، يواجه اليوم تهديداً من نوع آخر؛ فبينما يصارع خمسة حِرفيين فقط لإبقاء "النحاس الدمشقي" حياً، جاءت الإنذارات الرسمية من محافظة دمشق بالإخلاء لتضع مهناً تراثية أخرى على حافة الهاوية.

 

من عصب التصدير إلى "تحفة" سياحية

في جولة ميدانية لـِ "المدن"، يبدو المشهد في سوق النحاسين كجردة حساب اقتصادية خاسرة. فـَ الورش التي كانت تشكل عصب التصدير للأسواق المجاورة، تقلصت من عشرين عائلة إلى خمس فقط تعمل في مهنة النحاس.

يعزو الحرفي أحمد ياسين النوري هذا التراجع إلى "سوق البدائل الرخيصة"؛ إذ غزا الألمنيوم والكروم المطابخ السورية تحت ضغط ضعف القدرة الشرائية. النحاس اليوم، ووفق الحرفيين، لم يعد سلعة للاستهلاك المحلي الشعبي، بل تحول إلى "معدن استثماري" يشبه الذهب في تقلبات أسعاره، مما دفع الزبائن نحو الألمنيوم المطلي الذي يُباع تزييفاً على أنه نحاس.

من الناحية الرقمية، تبدو الأرباح "هشة" ولا تتناسب مع كلفة التشغيل. إذ يشير مصطفى ياغي إلى أن الدخل اليومي يتأرجح بين 500 ألف ومليون ليرة سورية، وهو رقم بالكاد يغطي تكاليف الطاقة والمواد الأولية المستوردة أو المعاد تدويرها. أما حسام محمد صالح، فيلفت إلى أن السوق يعيش حالياً على "تصدير محدود" نحو لبنان والعراق والسعودية، بقطع تتراوح أسعارها بين 18 دولاراً (لمصب القهوة) وتتجاوز 120 دولاراً للقطع المطلية بالفضة، وهي أرقام تعكس تحوّل الحرفة من "حاجة يومية" إلى "تحفة سياحية".

 

"المناخلية والحدادين": التراث تحت مقصلة الإخلاء

الأزمة ليست اقتصادية فحسب، بل "إدارية" بامتياز. فبينما يحاول "النحاسون" الصمود، تلقوا وجيرانهم في سوقي "الحدادينو"المناخلية" ضربة قاصمة؛ تمثلت بإنذارات رسمية لإزالة المعدات الصناعية من محلاتهم خلال 15 يوماً (لمخالفتها أصل التراخيص الممنوحة والتي تفيد باستعمال المحل بقصد البيع والشراء فقط دون التصنيع) بحسب بيان محافظة دمشق. والذريعة الرسمية لمديرية المهن والرخص في المحافظة هي "شكاوى السكان" من الضجيج. وهو ما رآه حرفيو السوق، ومن خلفهم اتحاد الحرفيين، قراراً "غير مدروس" يهدد معيشة المئات من العائلات. 

ويمتد هذا الصراع الإداري فوق رقعة جغرافية تختزل تاريخ المدينة؛ فسوق المناخلية، الذي نشأ كمركز تاريخي لصناعة المناخل والغرابيل قبل أن يتوسع ليحتضن الخردوات وأدوات البناء، يضرب بجذوره في عمق التاريخ السوري لأكثر من 1800 عام.

هذا السوق، الذي يتوسد سور دمشق الأثري، عاصر بناء الجامع الأموي وقلعة دمشق، ويحتل موقعاً استراتيجياً يحصره حي العمارة شرقاً والقلعة غرباً، بينما يفصله فرع نهر بردى جنوباً عن سوق العصرونية، ويحده شمالاً شارع الملك فيصل. هذه الجغرافيا التي جعلت من السوق قلب دمشق النابض بالحرف اليدوية لقرون، باتت اليوم هي ذاتها "نقطة الخلاف"؛ فالموقع الذي كان ميزة استراتيجية للتصنيع والتجارة، أصبح في عيون التنظيم الإداري الحديث "منطقة سكنية" يضيق صدرها بأصوات المطارق التي لم تهدأ منذ العصر الروماني.

 

تجارة لا صناعة

وفي هذا السياق، دخل محافظ دمشق ماهر مروان إدلبي على خط الجدل، موضحاً أن قرار نقل عمليات التصنيع جاء استجابةً لشكاوى الأهالي القاطنين في المنطقة، وبسبب كون هذه المحال مرخصة بصفة "تجارية" وليست "صناعية". وبينما أكد إدلبي أن القرار يهدف لنقل الأنشطة الصناعية بعيداً عن الكتل السكنية، ترك الباب موارباً أمام حلول بديلة، مشيراً إلى إمكانية "تخصيص أوقات محددة للعمل" في حال تعذر النقل بشكل كامل.

من جهته، وصف رئيس اتحاد الحرفيين، محمد خالد تركماني في تصريحات إعلامية، القرار بـِ "المفاجئ"، مؤكداً أن هذه الورش ليست "مصانع ضخمة" لتسبب ضجيجاً يقارن بضجيج حركة المرور، بل هي ورش حرفية بسيطة تشكل جزءاً من النسيج العمراني والتاريخي لدمشق القديمة منذ ثمانية عقود.

وعليه، يفتح هذا التبرير الإداري الباب أمام معضلة كبرى؛ فلطالما ارتبطت هوية السوق القديم بالتصنيع اليدوي الحي أمام المارة والسياح، وهو ما يجعل فكرة "الفصل بين التجارة والتصنيع" بمثابة تجريد للسوق من روحه التراثية، وتحويله إلى مجرد "معرض صامت" لمنتجات تُصنع في أماكن أخرى.

وفي ظل غياب البدائل المعلنة رسمياً من قبل محافظة دمشق حتى الآن، يسود تخوف لدى أصحاب الورش من أن يكون البديل هو النقل إلى مناطق صناعية بعيدة عن مركز المدينة القديمة، وهو ما يراه حرفيون بمثابة "شهادة وفاة" لمهنهم التي تعتمد في استمرارها على السياحة والارتباط التاريخي بالمكان. ويأتي هذا التوجه في وقت تفرض فيه المعايير الدولية لحماية المدن التاريخية، ومن بينها دمشق المسجلة على قائمة التراث العالمي، الحفاظ على الحرف التقليدية كجزء لا يتجزأ من "الهوية الحية" للمدينة، وليس مجرد كتل حجرية صامتة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث