تحولت فواتير الكهرباء في سوريا في الأشهر الأخيرة، إلى محور واسع للنقاش، بعد أن بلغت قيمتها مستويات وصفها معظم المواطنين بـِ "الفلكية"، غير متناسبة مع الرواتب المحدودة. فلم تعد الفواتير مجرد أوراق مالية تسدد، بل أصبحت عبئا وهاجسًا يوميًا، يثير غضب المواطنين ويدفعهم للبحث عن سبل قانونية لمواجهتها.
المبادرة على نفقة المحامي
في خطوة غير مسبوقة، أعلن المحامي السوري هادي بازغلان استعداده لولي توكيل المواطنين لرفع دعاوى قضائية ضد وزارة الطاقة على نفقته الشخصية، من دون أي أتعاب، مؤكدًا أن القضية يجب أن تصبح قضية رأي عام بالأزمة تطال الجميع.
وأوضح بازغلان في حديث خاص لـِ "المدن" أن الهدف من المبادرة هو حماية حقوق المواطنين وفق القانون المدني السوري، ورفع الظلم الواقع عليهم بسبب زيادة التعرفة الكهربائية التعسفية، وتحويل المشكلة الفردية إلى قضية عامة تظهر قدرة القانون على مواجهة التعسف في الخدمات العامة.
المواطن الطرف الضعيف
وبلغة القانون، يوضح المحامي أن المواطن هو الطرف الضعيف أمام الدولة. ويستند أساس الدعوى إلى ما يعرف بـِ "عقد الإذعان"، حيث يفرض الطرف القوي – وزارة الطاقة – شروطه مسبقاً، ويكون خيار المواطن إما قبول السعر أو عدم الحصول على الخدمة فقط.
وبالرغم من مبدأ "العقد شريعة المتعاقدين" يوفر القانون المدني السوري حماية للطرف الضعيف، إذ يمكن للقاضي تعديل الشروط التعسفية أو إعفاء المواطن منها، وفق المواد 150–152، وهذا ما يمنح المواطن الحق القانوني في الاعتراض على الأسعار غير المبررة للكهرباء.
من شكوى فردية إلى تحرك جماعي
يؤكد المحامي بازغلان أن الدعوى القضائية لا تقتصر على النزاع الفردي، بل تهدف إلى تحويلها إلى حركة جماعية يقودها القانون والعدالة، ويشدد على أن نجاح القضية يتطلب مشاركة أكبر عدد ممكن من المواطنين، لتكون مثالًا حياً على كيفية استخدام القانون لمواجهة التعسف في تقديم الخدمات العامة، خصوصا في قطاع الكهرباء. مؤكداً أن هناك بالفعل عدة مواطنين قاموا بذلك، وأن هذه الدعاوى سوف تعالج وفق القانون السوري وترفع أمام المحاكم المختصة.
فالقضاء هو سلاح المواطن لتعديل عقد الإذعان وإلزام وزارة الطاقة بتخفيف وطأة الفواتير بما يتناسب مع دخله، بمساندة خبراء الطاقة لضمان العدالة والشفافية.
فواتير تفوق دخل المواطن
في قراءة تحليلية لهذا المشهد، أوضح وزير المالية والاقتصاد السابق الدكتور عبد الحكيم المصري، أن مسألة الكهرباء والفواتير ليست مجرد تحديد للأسعار، بل ترتبط بضمان استمرارية تأمين الخدمة لجميع المواطنين ضمن قدرة مالية عادلة. وأضاف أن العقود الحالية، سواء في التأمين أو الكهرباء، تأتي بشروط محددة مسبقاً، ولا مجال للتفاوض فيها، لضمان الشفافية واستقرار الخدمة.
وأشار المصري إلى أن تولي القطاع الخاص مسؤولية توفير الكهرباء قد يؤدي إلى زيادة الأسعار، إذ سيضع الأسعار وفق التكاليف مع هامش الربح، مما يزيد العبء على المواطن. الحل، وفق المصري، يكمن في توازن دقيق بين الأسعار والدخل الفعلي للأسر، مع مراعاة الظروف الاقتصادية الحالية.
وأكد المصري أن تعديل الشرائح الكهربائية هو الحل الأمثل لتخفيف الضغط على ذوي الدخل المحدود، من خلال رفع الحد الأعلى للشريحة الأولى وخفض سعرها، مع زيادة تدريجية للأسعار في الشرائح الأعلى استهلاكاً. الهدف واضح: ألا تتجاوز فاتورة الكهرباء نسبة 5–6% من الحد الأدنى للدخل، بما يضمن استدامة الخدمة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
وشدد على أن مقارنة الأسعار مع الدول المجاورة ليست عادلة إذا لم يؤخذ في الاعتبار الدخل الفعلي، مشيرا إلى أن التوازن بين القدرة الشرائية والأسعار هو المفتاح لتخفيف العبء عن المواطنين..
إن استمرارية تأمين الكهرباء حق أساسي لكل أسرة، ويجب أن ترتبط سياسات التسعير بدراسات دقيقة تربط بين الدخل واستهلاك الطاقة، لضمان العدالة الاجتماعية وتحقيق رفاهية المواطنين.
التعرفة الحالية غير مستدامة وتهدد الخدمة
على الجانب الآخر، يؤكد خبير الطاقة الاقتصادي باسم المصطفى في حديث لـِ "المدن"، أن ارتفاع أسعار الكهرباء إلى مستويات غير متناسبة مع الدخل الوطني يشكل ضغطًا غير متوازن على المواطنين، خصوصاً ذوي الدخل المحدود، وقد يؤدي إلى التأخر في سداد الفواتير، مما ينعكس سلباً على قدرة الوزارة على تأمين الكهرباء بشكل مستدام، ووفق الخبير إن المشكلة ليست مجرد تحديد السعر، بل ترتبط بآلية التسعير نفسها وشرائح الاستهلاك، وأن الحل يكمن في توسيع الشريحة الأولى بحيث تغطي الاستهلاك الأساسي للأسرة بسعر منخفض.
رفع التعرفة تدريجياًعلى الشرائح الأعلى استهلاكاً لتوزيع العبء المالي بشكل عادل.
ربط الأسعار بالدخل الفعلي للمواطنين لتجنب التأثير الكبير على الفئات الأكثر هشاشة..
وأكد المصطفى أيضا أن مقارنة التعرفة مع الدول المجاورة يجب أن تراعي الدخل المتوسط ومستوى الدعم الحكومي لكل فئة، وليس السعر وحده.
القانون ليس مجرد نص
في المحصلة لا بد من الإشارة إلى أن ما دعا إليه المحامي السوري من رفع دعاوى جماعية على وزارة الطاقة هو حق دستوري وقانوني يمكن للمواطنين ممارسته للدفاع عن مصالحهم وحماية العدالة... ويكشف ان قضية فواتير الكهرباء في سوريا ليست مجرد نزاع مالي، بل رمز للحقوق المهدورة. ويوضح القانون أن الحل لا يكون برفع الأسعار فقط، في خين يشدد خبير الطاقة على ضرورة تصميم آليات تعرفة متدرجة ومتوازنة مع الدخل لضمان استمرارية الخدمة.
تشكل المبادرة القضائية الجماعية، مع إعادة هيكلة الشرائح الكهربائية وتطبيق آليات عادلة خريطة طريق متكاملة لمواجهة التعسف، وليوضح القانون المدني السوري أنه ليس مجرد نصوص جامدة، بل أداة حماية للحقوق.
