صدق الرئيس الأميركي دونالد ترامب القول حين تفاخر بتحقيق بلاده مكاسب مالية نتيجة ارتفاع سعر برميل النفط جراء الحرب على إيران، باعتبار أن الولايات المتحدة الأميركية أكبر منتج للنفط في العالم، لكن ترامب لم يُفصح عن كامل الحقيقة. فالولايات المتحدة الأميركية وإن كانت تحقّق مكاسب ظرفية من إيرادات النفط، إلا أنها تواجه ضغوطاً اقتصادية كبيرة نتيجة ارتفاع التضخم وزيادة الإنفاق العسكري المُضاف إلى العجز المالي، ما ينعكس سلباً بشكل تلقائي على المستهلكين والاستقرار الاقتصادي عموماً، وليس ذلك فحسب، فالاقتصاد الأميركي معرّض للدخول في حالة ركود خلال الأشهر المقبلة والأسباب كثيرة يُضاف إليها "الحرب".
مكاسب ظرفية
يحقّق قطاع النفط في الولايات المتحدة الأميركية مكاسب مالية كبيرة لكنها ظرفية، باعتبارها منتجاً رئيسياً للنفط في العالم، فالولايات المتحدة تتصدّر قائمة أكبر منتجي النفط في العالم بإنتاج يتجاوز 13 مليون برميل يومياً بحسب أرقام عام 2024، متفوّقة بذلك على روسيا والسعودية. ويعود تصدّرها للدول المنتجة للنفط إلى النفط الصخري، وهي في الوقت عينه أكبر مستهلك للنفط في العالم.
ولأن حربها على إيران دفعت إلى خنق سلاسل التوريد وعلى رأسها مضيق هرمز وعطّلت الإنتاج في عدد كبير من حقول النفط في دول الخليج العربي، ارتفع سعر برميل النفط إلى مستويات قياسية لامست 110 دولارات، ورفع معه مكاسب الشركات الأميركية، وبالتالي رفع من جاذبية الاستثمار في هذا القطاع وزاد الإنتاج. والأهم في هذه المعادلة أن ارتفاع أسعار النفط والاستثمار في قطاع الطاقة دعم قيمة الدولار الأميركي وعزّز قوّته في الاسواق المالية.
ولا شك أن استهداف البنى التحتية للطاقة في إيران من قبل واشنطن وفي الخليج العربي من قبل طهران أحدث صدمة في قطاع الطاقة في العالم، وهو ما خلق انشقاقاً عميقاً بين الرابحين والخاسرين من الدول في قطاعات الطاقة تحديداً. لكن تداعيات صدمة النفط غير المباشرة لن تستثني أي من الدول مهما كانت مصدّرة أو مستوردة للنفط، إذ إنها ستصيب مفاصل الاقتصاد العالمي وفي مقدمته الاقتصاد الأميركي.
تداعيات الحرب
لن تنجو الولايات المتحدة من آثار الحرب في الشرق الأوسط، فمكاسب النفط التي تحقّقها لن تقي اقتصادها من التضخّم ومزيد من العجز. فالحرب رفعت مستوى الإنفاق العسكري وراكمت ضغوطاً مالية وسياسية على الإدارة الأميركية. وبحسب وزارة الدفاع الأميركية بلغت تكلفة الأسبوع الأول من العمليات العسكرية ضد إيران قرابة 11.3 مليار دولار ومن المتوقع أن يطلب البيت الأبيض تمويلاً إضافياً قد يصل إلى 50 مليار دولار، وسط مخاوف داخل الكونغرس من استنزاف مخزونات الجيش في وقت تعاني فيه صناعة الدفاع من صعوبات في تلبية الطلب، إضافة إلى غياب تقدير واضح لمدة الحرب أو تكلفتها الإجمالية.
وربطاً بارتفاع الإنفاق العسكري الذي غالباً ما يموّل بالإقتراض، فإنه سيزيد من مستوى العجز في الموازنة ويرفع بالتالي حجم الدين العام وكلفته، الأمر الذي قد يضغط على المالية العامة ويقلّص قدرات الحكومة على تمويل البرامج الاجتماعية والتعليم والبنى التحتية وغيرها. ويبلغ حجم الدين العام الأميركي قرابة 38.5 تريليون دولار مطلع 2026 ومتوقّع بلوغه 40 تريليون نهاية العام الحالي.
وعلى الرغم من قدرة الاقتصاد الأميركي على تحمّل كلفة الحروب، إلا أنها تفرض ضغوطاً مالية واقتصادية متزايدة من شأنها التأثير على الاستقرار الاقتصادي على المدى المتوسط.
مخاوف الركود
ولا تقتصر المخاوف المحدقة بالاقتصاد الأميركي والناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، على الضغوط المالية إنما تتعداها إلى ما هو أكثر خطورة، وهو التضخم. فالمخاوف من تكرار سيناريو الركود التضخمي تزيد وتتّسع. وقد رفع بنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس Goldman Sachs تقديراته لاحتمال دخول الاقتصاد الأميركي في حالة ركود خلال الأشهر الـ12 المقبلة، وقدّر احتمالات الركود المتوقّعة عند 25 في المئة، وتستند التوقعات السوداوية إلى تزايد الضغوط الاقتصادية الناتجة عن تباطؤ النمو وارتفاع أسعار الطاقة والحرب وحالة عدم اليقين في الأسواق العالمية وهو ما قد يدفع الاقتصاد الأميركي إلى مزيد من التباطؤ وربما سيناريو الركود التضخمي، حيث يجتمع ارتفاع الأسعار مع ضعف النمو الاقتصادي.
وما يعزّز نظرية ركود الاقتصاد الأميركي ارتفاع أسعار البنزين بأكثر من 20 في المئة في الأيام الأخيرة أي منذ بداية الحرب، ومن البديهي أن ترتفع مستويات التضخم بشكل كبير في المرحلة المقبلة فيما لو استمر سعر برميل النفط بالارتفاع.
ولا تقتصر مؤشرات ارتفاع التضخم على زيادة البنزين فحسب، فالأرقام القياسية التي بلغها سعر برميل النفط سحبت معها الديزل ووقود الطائرات، وتكاليف النقل والشحن، ما ينعكس بدوره على أسعار معظم السلع والخدمات لاسيما في حال استمرار ارتفاع أسعار النفط.
باختصار، تدفع الحرب أسعار الطاقة إلى الارتفاع والتي بدورها تزيد من الضغوط التضخمية وتكاليف المعيشة في عدد كبير من دول العالم من بينها الولايات المتحدة الأميركية.
