سوريا تسابق الوقت: مجلس أزمة اقتصادي لمواجهة الحرب الإقليمية

دمشق - هناء غانمالأربعاء 2026/03/04
Image-1772620301
دعوة لإقامة مجلس أزمة اقتصادي سوري (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في قلب الأزمة الإقليمية والحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تتصاعد المخاوف المتعلقة بالإمدادات والطاقة واستقرار الأسواق. وتبدو سوريا أمام اختبار اقتصادي دقيق، حيث تفرض التطورات المتسارعة قرارات استثنائية لا تحتمل التأجيل. فرغم الحاجة الملحة إلى إجراءات فورية، إلا أن فاعليتها تبقى مشروطة بإدارة ذكية للأزمة، قادرة على استشراف المخاطر قبل وقوعها.

 

ضرورة وطنية

هذه التطورات دفعت رجال أعمال وخبراء اقتصاد إلى توافق واضح على أن التحرك الاستباقي لم يعد خياراً، بل هو ضرورة وطنية، عبر تأسيس "مجلس أزمة اقتصادي" قادر على حماية الاقتصاد الوطني من الصدمات المحتملة.

وفي هذا السياق، لم تعد الحلول التقليدية كافية لمواجهة مشهد يتّسم بعدم اليقين، إذ يتطلب الواقع الراهن مجالس أزمة مرنة، وإجراءات عاجلة، وتحويطاً اقتصادياً استباقياً يضمن استمرارية الإنتاج واستقرار السوق.

 

تضاعف المخاطر

وبينما تتركز الأنظار عالميًا على التداعيات المحتملة لإغلاق مضيق هرمز وانعكاساته على الاقتصاد العالمي، تتضاعف المخاطر على الاقتصاد السوري بفعل اعتماده الكبير على الاستيراد وحساسية طرق الإمداد الإقليمية.

وفي هذا الإطار، دعا وزير المالية السابق عبد الحكيم المصري إلى تحصين الاقتصاد السوري من مخاطر لا تقتصر على ارتفاع الأسعار، بل تمتد إلى اضطراب أو تأخر الإمدادات، لا سيما في حال توسع رقعة التوتر لتشمل الممرات البحرية أو البرية الحيوية أو تصاعد التوتر في أماكن اخرى .

في قراءة اقتصادية لهذا المشهد، ومن منظور أكاديمي، يرى المصري أن الحل يكمن في تحويط اقتصادي استباقي. فالتحرك المبكر أقل كلفة بكثير من معالجة أزمة بعد وقوعها. وتقوم أولويات التحصين الاقتصادي وفق المصري على:

- تعزيز المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية، القمح والحبوب، المواد الغذائية الأساسية والأدوية.

- تنويع الاستيراد عبر عدم الاعتماد على مسار واحد، مع تكثيف التوريد عبر المعابر الأكثر استقراراً، خصوصا من تركيا ودول بعيدة عن مناطق التوتر.

- دعم الإنتاج المحلي عبر تحفيز الزراعة والصناعات الغذائية والسلع الاستهلاكية.

- ضبط الأسواق ومنع الاحتكار عن طريق منع التخزين والمضاربة، وضمان توفر السلع وعدم انقطاعها.

ويشدد الوزير السابق على أن استمرارية تدفق المواد الأساسية أهم من تثبيت الأسعار، مؤكداً أن التحرك المبكر هو الضمان الفعلي لاستقرار الاقتصاد..

 

مجلس الأزمة لضمان تدفق الإمدادات

​في حديث خاص لـ"المدن"، يضع عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق النقاط على الحروف، مشيراً إلى أن تأسيس مجلس أزمة اقتصادي مركزي ومرن يمثل خطوة أساسية في هذا الظرف الاستثنائي، فالحرب واضحة في بدايتها، لكن لا أحد يعرف متى تنتهي، لذلك علينا التفكير بسرعة وحسم لتحديد نقاط القوة والضعف في اقتصادنا.

​بالتوازي، لا يكتمل المشهد من دون التشاركية مع قطاع الأعمال لتسهيل التوريد والتصدير وضمان استمرار الإنتاج، خصوصاً في القطاعات الغذائية والصحية، التي تشكل الأولوية القصوى لحياة المواطنين واستمرار الصناعات المحلية. فأي مادة مصنعة تعتمد على عدة مكونات، وأي خلل في أحدها يؤدي إلى توقف عجلة الإنتاج أو انخفاض جودة المنتج النهائي. وجود مجلس سريع الاستجابة أمر ضروري للحفاظ على استقرار السوق.

 

إجراءات عاجلة 

وضمن إطار السعي للحفاظ على الإمدادات، يقترح الحلاق عدة إجراءات عملية، أبرزها وقف تصدير الأغنام مؤقتًا لتلبية الاحتياجات المحلية، وزيادة استيراد الدجاج لتغطية الطلب دون تعطيل الإنتاج المحلي، وإعادة تشغيل أساطيل النقل البري بسرعة أكبر لتسهيل حركة البضائع، بالإضافة إلى تطوير بدائل للنقل البري باستخدام سيارات ومعدات حديثة والبحث عن بدائل للموانئ التقليدية مثل اللاذقية ولبنان والعقبة لتجنب أي ضغوط إضافية وتأمين الغذاء والدواء في حال استمرار الحرب لفترة طويلة لضمان استمرار الإنتاج الصناعي.

ويؤكد الحلاق أن مجلس الأزمة الاقتصادي يجب أن يكون منصة لتلقي ومعالجة أي معوقات أو أفكار لتحسين أداء الاقتصاد وفق منهجية السوق والتفكير الاقتصادي الواقعي. وتسريع إعادة تشغيل أساطيل النقل البري، وتطوير بدائل حديثة للنقل، إضافة إلى البحث عن بدائل للموانئ التقليدية مثل اللاذقية ولبنان والعقبة، وتأمين الغذاء والدواء في حال استمرار الحرب لفترة طويلة.

 

ضمان المرونة الصناعية

على المقلب الآخر، يؤكد الصناعي باسم العلبي لـ"المدن" أن الظرف الراهن يتطلب حلولاً تتجاوز المبادرات الفردية، عبر تشكيل مجلس إدارة أزمة اقتصادي صناعي يضم الحكومة والصناعيين والتجار. ويرى أن هذا المجلس سيكون منصة لتنسيق القرارات السريعة وضمان مرونة تشغيل المصانع واستمرارية الإنتاج في القطاعات الحيوية.

ويحذر العلبي من أن أي نقص في المواد الأولية أو توقف في خطوط الإنتاج يشكل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والصناعي، معتبراً أن وجود مجلس مركزي قادر على تنظيم الاستيراد وإعادة توزيع الموارد وتطوير بدائل النقل والموانئ يمثل الحل الأمثل لمواجهة الصدمات الاستثنائية بطريقة منظمة وفعالة.

 

توافق الرؤى… والضرورة الوطنية

وبناءً على قراءة تحليلية أوسع، يجمع خبراء الطاقة والمحللون الاقتصاديون على أن مجلس الأزمة الاقتصادي يجب أن يكون منصة مرنة وسريعة الاستجابة لتلبية احتياجات السوق والصناعة والتجارة، وقناة لمعالجة المعوقات وفق منهجية السوق والتفكير الاقتصادي الواقعي، مع ضمان استمرار تدفق المواد الأساسية.

في الخلاصة، لم يعد تشكيل مجلس إدارة أزمة اقتصادي مركزي وفعال خياراً  قابلًا للنقاش، بل أصبح ضرورة وطنية لحماية الأمن المعيشي واستقرار المجتمع في ظل ظروف إقليمية شديدة التقلب.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث