من مضيق هرمز إلى دمشق: كيف ترتدّ الحرب على السوق السورية؟

دمشق - هناء غانمالاثنين 2026/03/02
Image-1769860929
هل تنعكس الحرب على سوريا (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ظل التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران، تدخل المنطقة مرحلة شديدة الحساسية سياسياً واقتصادياً، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الطاقة، ويتحول أي حدث عسكري إلى عامل ضغط مباشر على الأسواق العالمية. ويقف الاقتصاد السوري، الهش أصلاً، في موقع المتلقي لارتدادات صراع لا يشارك فيه، لكنه لا يستطيع الإفلات من نتائجه.

ينطلق الجدل الاقتصادي من نقطة محورية: هل نحن أمام مواجهة قصيرة الأمد ذات تأثير نفسي مؤقت، أم أمام حرب مرشحة للاستطالة بما يشبه منطق "الفعل ورد الفعل"؟ هذا السؤال ليس نظرياً، بل يحدد شكل الاستجابة الاقتصادية المطلوبة.

 

هشاشة الإمدادات

من وجهة نظر رجال الأعمال، كما عبر عنها عضو غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق في حديثه لـ"المدن"، موضحاً أن الواقع الحالي في السوق السورية لا يعكس حالة نقص حقيقية. المواد الغذائية متوفرة، والسلع الأساسية موجودة، ولا توجد مؤشرات فورية على انقطاع واسع. لكن هذه القراءة الواقعية لا تنفي القلق من الحلقة الأضعف: سلاسل الإمداد. فالحرب، حتى إن لم تطل، تؤدي فوراً إلى ارتفاع تكاليف النقل البحري، وزيادة تكاليف التأمين، واضطراب جداول الشحن، ما ينعكس مباشرة على توقيت وصول البضائع وكلفتها.

 

المخاطر الممتدة للسيناريوهات العسكرية

في المقابل، ينظر الباحث والمستشار الاقتصادي باسل كويفي إلى المشهد من زاوية أوسع، حيث لا يقتصر الخطر على لحظة الضربة العسكرية، بل على السيناريوهات اللاحقة. فالتصعيد، برأيه، قد يكون أداة سياسية لكسر الجمود التفاوضي، لكنه يحمل في طياته احتمال الانزلاق إلى مواجهة أطول، خاصة إذا خرجت عن السيطرة وشاركت أطراف إقليمية إضافية، هنا تصبح المخاوف الاقتصادية أكثر واقعية، لا سيما في حال تعرّض الممرات البحرية الحيوية للخطر.

 

هرمز: الحلقة الأضعف 

ويتقاطع رأي الطرفين عند نقطة شديدة الحساسية: مضيق هرمز، فإغلاق هذا المضيق، ولو جزئياً، يعني عملياً تعطّل نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، صحيح أن سوريا لا تعتمد مباشرة على النفط المار عبر هرمز، لكن الاقتصاد السوري ليس معزولاً عن السوق العالمية. أي ارتفاع حاد في أسعار النفط سيؤدي إلى زيادة تكاليف الاستيراد، سواء للمحروقات أو للسلع التي يدخل النقل والطاقة في إنتاجها.

من منظور رجل الأعمال، يوضح الحلاق أن الخلل لا يظهر دائماً في نقص السلعة النهائية، بل في مدخلات الإنتاج. فالمعمل قد يحتاج إلى عشرة مكونات، تسعة منها متوفرة محلياً، بينما مكوّن واحد مستورد له فترة صلاحية قصيرة أو خصوصية تقنية. تأخر هذا المكون كفيل بتعطيل خط الإنتاج بالكامل. ومع ارتفاع تكاليف الشحن أو تأخر البواخر، يصبح الإنتاج مهدداً، حتى لو كانت الأسواق تبدو ممتلئة ظاهرياً.

ويضيف كويفي بعداً آخر للنقاش، يتمثل في الأثر غير المباشر لارتفاع أسعار الطاقة على سعر الصرف والتضخم. فزيادة كلفة الاستيراد تعني ضغطاً إضافياً على العملة، وارتفاعاً في الأسعار، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس اجتماعياً قبل أن يكون اقتصادياً. في هذا السياق، تصبح الإمدادات الطاقوية الحلقة الأخطر، لأن أي اضطراب فيها يشل قطاعات الإنتاج والنقل والزراعة معاً.

 

الطلب الوهمي 

أحد أخطر السلوكيات التي قد تظهر في مثل هذه الظروف هو ما يسميه الحلاق "الطلب الوهمي"، فعند تصاعد المخاوف، تميل المعامل والتجار إلى مضاعفة طلباتهم من الوقود والمواد الأولية تحسباً للأسوأ. هذا السلوك الاحترازي قد يخلق نقصاً مصطنعاً في السوق، ويرفع الأسعار دون وجود أزمة حقيقية في الأساس. وإذا انتهت الحرب سريعاً، يتحول هذا الطلب المبالغ فيه إلى فائض، ما يربك السوق مرة أخرى. هنا تبرز أهمية الإدارة الهادئة ومنع الهلع الاقتصادي.

في مواجهة هذه السيناريوهات، يتفق الخبيران، وإن من منطلقين مختلفين، على أن المرحلة تتطلب إجراءات استثنائية لا تُدار بعقلية الأزمات العابرة. المطلوب ليس فقط تأمين السلع، بل إدارة الموارد بذكاء. وهذا يشمل بناء مخزون استراتيجي من المواد الأساسية، وتأمين احتياطيات وقودية، وتنويع مصادر الاستيراد، واستخدام موانئ ومسارات بديلة، حتى لو كانت أعلى كلفة على المدى القصير.

كما أن سرعة القرار تصبح عاملاً حاسماً. ففي اقتصاد الحرب، لا يكون الخيار الأرخص دائماً هو الأفضل، بل الخيار الأسرع والأكثر أماناً. شراء شحنة وقود بسعر أعلى قد يكون أقل كلفة من توقف المعامل أو انقطاع الكهرباء أو شلل النقل.

في الخلاصة، لا يمكن القول إن الاقتصاد السوري بمنأى عن تداعيات الحرب، ولا يمكن في الوقت نفسه الجزم بحجمها النهائي. كل شيء مرتبط بمدة الصراع، وبمدى اتساعه، وبمصير الممرات البحرية الحيوية. لكن المؤكد أن التحوط المبكر، وإدارة الموارد بعقلانية، والتعامل مع الخطر كاحتمال لا كذعر، هي مفاتيح تخفيف الصدمة. ففي زمن الأزمات الكبرى، لا تنجو الاقتصادات الأقوى فقط، بل تلك التي تدار بوعي وتتخذ إجراءات استباقية قبل أن تصل الأزمة إلى مرحلة الخطر.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث