في اللحظة التي بدأ فيها التصعيد بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركيّة من جهة أخرى، ظهرت التساؤلات حول تأثير الأحداث على توازنات أسواق النفط العالميّة، ما سيحدّد صبيحة يوم الإثنين سعر البرميل بمجرّد بدء التداولات. ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التحليل لتبيان العلاقة بين هذا التصعيد وإمدادات النفط العالميّة، إن لجهة موقع إيران في معادلات إنتاج النفط، أو لجهة دور منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز ومضيق باب المندب في سلاسل التوريد والإمداد. وهذا ما يفسّر تذبذب الأسعار طوال الأسابيع الماضية، على وقع المد والجزر التي شهدته المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة.
ويمكن القول بكلّ ثقة إنّ توقيت العمليّة، الذي اختارته الولايات المتحدة وإسرائيل، صبيحة اليوم السبت، أخذ بعين الاعتبار تأثير الأحداث على أسعار النفط. فهذا التوقيت يمنح الدولتين 48 ساعة لتلقّف النتائج وإدارتها، ومن ثم السيطرة على توقّعات الأسواق، قبل بدء التداولات عند انتهاء عطلة نهاية الأسبوع، صبيحة يوم الإثنين المقبل. مع الإشارة إلى أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتّبع الأسلوب نفسه، عند اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، فجر يوم السبت في 3 كانون الثاني الماضي، آخذاً بعين الاعتبار تأثير الأحداث على مخاوف أسواق النفط وتقلّباتها. يومها، تمكّن ترامب بالفعل من استيعاب ردّة فعل السوق، متلافيًا القفزات الجنونيّة في سعر البرميل، التي كان يمكن أن تحدث لو حصلت العمليّة خلال يوم عمل طبيعي.
معادلة إنتاج النفط الإيراني
لإيران موقع لا يمكن تجاهله في سوق النفط. فهي صاحبة احتياطي يُقدّر بـ 208 مليار برميل، ما يجعلها صاحبة ثالث أكبر احتياطي عالمي من النفط، بعد السعوديّة وفنزويلا. وبهذه الأرقام، تسيطر إيران وحدها على 12 بالمئة من إجمالي احتياطات النفط العالميّة.
أمّا على مستوى الإنتاج، فإيران أنتجت متوسّطًا يوميًا يقدّر بـ 3.34 مليون برميل من النفط الخام، ما يشكّل نحو 13 بالمئة من إجمالي إنتاج دول منظّمة أوبيك (وهي تقع بذلك في المرتبة الثالثة داخل المنظمة، بعد كل من المملكة العربيّة السعوديّة والعراق). كما يمكن القول إنّ إيران وحدها -وفقًا لهذه الأرقام- تُنتج نحو 3 بالمئة من إجمالي إمدادات النفط العالميّة اليوميّة، المُقدّرة بنحو 108.6 مليون برميل.
تكفي هذه الأرقام لتبيان تأثير أي اضطراب في الإنتاج الإيراني على أسواق النفط العالميّة. ومن المهم التذكير بأنّ إنتاج النفط الإيراني لا يزال خاضعًا للعقوبات الدوليّة، ما يمنع الشركات الغربيّة من شراء هذا الإنتاج. لكنّ هذا الواقع لن يقلّص من تأثير اضطرابات الإنتاج الإيراني على توازنات السوق. فالمشترون الآسيويّون الذين يعتمدون على إمدادات النفط الإيراني المُعاقب دوليًا، سيلجأون إلى بدائل أخرى في حال انقطع إنتاج النفط الإيراني، ما سيؤثّر على معادلات العرض والطلب في الأسواق النظاميّة. ونسبة الإنتاج النفطي من الإنتاج العالمي، كافية لإحداث نقص مؤثّر جدًا في الإمدادات.
كيف ستؤثّر الأحداث الراهنة على إنتاج النفط الإيراني؟ أمامنا 48 ساعة لتبيان النتائج. فإذا توسّعت الضربات العسكريّة، لتطال حقول النفط، ومنشآت التكرير والتصدير، وخطوط الإمداد، فستكون النتيجة اضطرابًا كبيرًا في الأسعار صبيحة يوم الإثنين. وعند اتخاذ هذا القرار، ستوازن الإدارة الأميركيّة بين عاملين: حرصها على عدم التسبب بارتفاعات مفاجئة في أسعار النفط العالميّة، واهتمامها بتجفيف مصادر تمويل النظام، التي تعتمد على إنتاج النفط وتصديره إلى حدٍ بعيد. مع الإشارة إلى أنّ إسرائيل والولايات المتحدة حاولتا تقليص أثر ضرباتهما عن معادلات إنتاج النفط خلال جولة الضربات السابقة، خوفًا من تأثير تطوّر كهذا على سوق النفط العالمي.
معادلة خطوط الإمداد
يتّسع نطاق التأثير المحتمل إذا ما أخذنا بالاعتبار معادلات خطوط الإمداد في المنطقة. ففي مضيق هرمز وحده، يمرّ يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط الخام، أي ما يوازي خُمس إمدادات النفط العالميّة. كما يمرّ من هناك نحو ثُلث إمدادات الغاز المُسال. وعبر مضيق باب المندب، يمر يوميًا نحو 4 مليون برميل النفط، أي نحو 4 بالمئة من إمدادات النفط العالميّة، مع العلم أنّ هذا الرقم كان يتجاوز الـ 8.8 مليون برميل قبل بدء التوتّرات في تلك المنطقة عقب عمليّة طوفان الأقصى عام 2023.
وهنا، تبرز من جديد قائمة الاحتمالات، التي ستُحسم خلال الفترة المقبلة. فإذا توسّعت الضربات المتبادلة، لتشمل أحداثًا أمنيّة في مياه منطقة الخليج العربي، فستكون خطوط إمدادات النفط والغاز المُسال -التي تمرّ عبر مضيق هرمز- تحت تأثير التصعيد الراهن. مع الإشارة إلى أنّ إيران قد تتعمّد الذهاب بهذا الاتجاه، رغم ضرره على صادراتها النفطيّة، بهدف الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. كما قد تذهب بهذا الاتجاه إذا خسرت القدرة على إنتاج وتكرير وتصدير النفط، في حال دخول التصعيد دائرة استهداف مصادر الطاقة الإيرانيّة.
أمّا بالنسبة إلى مضيق باب المندب، فالعيون ستكون شاخصة على الحوثيين، وعلى ما سيستجد من عمليّات أمنيّة في منطقة البحر الأحمر. مع العلم أنّ حصول التصعيد في تلك المنطقة لن يؤدّي إلى قطع الإمدادات النفطيّة التي تمر في تلك المنطقة، بل سيؤدّي إلى إجبار شحنات النفط إلى الاتجاه نحو الطريق الأطول الذي يلتف حول جنوب أفريقيا قبل الاتجاه إلى الأسواق الغربيّة. وهذا التطوّر سيؤثّر على الإمدادات، بسبب تقلّص قدرة أساطيل الشحن على نقل النفط، لكنّه لن يؤدّي إلى انقطاعها بالكامل.
في جميع الحالات، ما زال التصعيد الراهن في بداياته. وخلال الساعات الـ 48 المقبلة، قد يتّضح شيئًا فشيئًا نطاقه، كما ستتضّح قواعد الاشتباك التي ستحكم هذا التصعيد، إذا وجدت. وهذا ما سيبيّن للمتداولين تأثير الأحداث على إمدادات النفط العالميّة، قبل فتح الأسواق يوم الإثنين المقبل.




