في وقت تعلن فيه الدولة عجزها عن تمويل زيادات عادلة للموظفين، وفي ظل أزمة اقتصادية لا تزال تخيّم على لبنان، يبرز سؤال الأولويات مع مشاركة شركتي الخليوي Alfaو touch في مؤتمر Mobile World Congress 2026 المنعقد في Barcelona بين 2 و5 آذار.
وفق المعلومات، فإن الوزير شارل الحاج كان قد منع، بعد تسلّمه وزارة الاتصالات بأيام، مشاركة وفود لبنانية في المؤتمر العام الماضي، فيما سمح هذا العام بمشاركة نحو 20 موظفًا من شركتي الاتصالات، وعلى حساب المال العام.
300ألف دولار… وقد تلامس المليون
المؤتمر، الذي تنظّمه GSMA في مركز Fira Barcelona Gran Via، يُعدّ أكبر منصة عالمية لقطاع الاتصالات، إذ يجمع أكثر من 2900 عارض ونحو 109 آلاف مشارك، ويشهد إطلاقات للهواتف، ونقاشات حول الذكاء الاصطناعي والجيلين الخامس والسادس، إلى جانب منطقة الشركات الناشئة 4YFN. وهو، باختصار، بورصة سنوية تحدد اتجاهات الصناعة.
وتكشف مصادر من داخل شركتي الاتصالات أن كلفة مشاركة الوفد اللبناني تقدّر بنحو 300 ألف دولار في الحد الأدنى، إذا ما تم احتساب كلفة واقعية لا تقل عن 15 ألف دولار للفرد تشمل بطاقات الدخول، السفر، الإقامة، البدلات واللوجستيات. وتشير إلى أن الكلفة قد ترتفع لتلامس نصف المليون دولار، وهو رقم لا يمكن حسمه إلا بعد احتساب الكلفة النهائية عقب عودة الوفود.
في المقابل، تؤكد مصادر الحاج لـ"المدن" أنه لم يتم منع المشاركة العام الماضي بالمطلق، بل تم منع السفر على حساب البائعين، بحيث سافرت "ألفا" على نفقة البائعين، فيما لم تشارك "تاتش". وأوضحت المصادر أن الوزير وافق هذا العام على المشاركة لأن الشركتين مضطرتان إلى تطوير قدراتهما والانفتاح على المستجدات التكنولوجية، خصوصًا مع اقتراب مقاربة الجيل الخامس، في ظل تراجع لبنان تقنيًا. وأشارت إلى أنه تم التشديد على خفض الكلفة، والحجز في فنادق من فئة نجمتين، بحيث لا تتجاوز الكلفة 30 ألف دولار لكل شركة، مع إلزام كل مشارك بإعداد تقرير مفصل بعد العودة.
مؤتمر تقني… بوفود إدارية؟
المؤتمر تقني بامتياز: شبكات، بنية تحتية، حلول سحابية، طيف ترددي، أمن سيبراني. ما يثير التساؤل هو مشاركة مديرين ماليين وتجاريين ومديري مراكز بيع وخدمات، في حين يُفترض أن تكون المشاركة محصورة بالكوادر التقنية للاستفادة المباشرة من الخبرات العالمية.
وبخلاف الشركات العالمية التي تكشف عن منصات ذكاء اصطناعي أو تجارب 6G أو حلول Open RAN، لا تُعرف عن الشركتين اللبنانيتين منصات ابتكارية تُطلق من برشلونة. مشاركتهما، وفق التجارب السابقة، تتركز على اجتماعات مع مزوّدي معدات مثل Ericsson وNokia، ومناقشات حول تحديث الشبكات وتحسين الكفاءة والاطلاع على اتجاهات السوق. في النهاية، الشركتان تعملان في سوق محلية حصرية، ولا تقدمان منتجات أو تقنيات للتصدير.
مقارنة بالكلفة: الكبار والصغار
الشركات الكبرى مثل Samsung وHuawei وEricsson قد ترسل بين 80 و300 موظف، لأنها تمتلك أجنحة ضخمة وتنفق مئات آلاف اليوروهات، وتطلق منتجات عالمية.
الشركات المتوسطة ترسل بين 20 و70 موظفًا بجناح أصغر. أما الشركات الناشئة فتشارك بشخصين إلى عشرة، غالبًا ضمن أجنحة مشتركة، بكلفة إجمالية بين 10 و50 ألف يورو.
الفارق الجوهري أن تلك الشركات تبيع تقنيات للعالم أو تعلن ابتكارات، فيما في الحالة اللبنانية السوق محلية، والإنفاق من المال العام، ما يفرض أن يكون العائد محسوبًا بدقة.
بين الضرورة والشفافية
في الإدارة الرشيدة، تُقاس المشاركة بالعائد الفعلي المحقق، وبحجم الاستثمار الذي تم تأمينه، وبالاتفاقيات التي جرى توقيعها، وبالخطط الواضحة لخفض التكاليف وتحسين الشبكة، وبمدى انعكاس ذلك مباشرة على جودة الخدمة للمواطن.
يؤكد الوزير أن كل مشارك سيعد تقريرًا مفصلًا، لكن المطلوب يتجاوز التقارير الشكلية إلى شفافية كاملة في إعلان الكلفة الفعلية، وتحديد النتائج العملية.
المواطن الذي لا يزال يعيش في زمن الانهيار ينتظر تحسين التغطية وخفض التكاليف، لا صورًا من أروقة المؤتمرات. وإذا كانت المشاركة ضرورية فعلًا، فيفترض أن تأتي ضمن استراتيجية واضحة ومحددة الأهداف، وبعدد محدود من أصحاب الاختصاص القادرين على تحويل ما يُناقش في برشلونة إلى خطوات تنفيذية داخل لبنان. المطلوب شفافية كاملة في الكلفة الفعلية، وإعلان النتائج العملية للمشاركة بالأرقام، وربط أي إنفاق من المال العام بعائد مباشر على الشبكة وجودة الخدمة. فالمال العام ليس تفصيلًا، والمؤتمرات العالمية، مهما بلغت أهميتها، لا تعفي من واجب المحاسبة الصارمة.



