هل ينقذ العداد الذكي كهرباء دمشق المهدورة؟

دمشق - أحمد عليالاثنين 2026/02/23
a2.jpg
قطاع الكهرباء في سوريا منظومة متهالكة (ريشار سمور)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتداخل مسألة الكهرباء في دمشق بين الاقتصاد والعدالة اليومية، فقد قُدّمت تعرفة جديدة دخلت حيّز التنفيذ منذ أشهر قليلة بوصفها بداية إصلاح لمنظومة متهالكة، مع وعود بتركيب عدادات ذكية وخفض الهدر وتحسين التحصيل. في المقابل، واجه السكان فواتير مرتفعة في ظل تقنين طويل وقراءات يُنظر إليها أحياناً بوصفها غير دقيقة، فاندفع الجدل إلى الشارع وإلى مراكز الجباية. 

ووسط هذا الجدل، يطرح إعلان الحكومة عن استيراد عدادات أو "ساعات كهرباء" سؤالاً عملياً. ماذا يحدث عندما لا يدفع عدد كبير من الناس، وعندما تكون مناطق واسعة من دمشق غير منظمة ويصعب ضبط شبكاتها بالطريقة التقليدية؟

 

تعرفة مرتفعة وغضب علني

يحدد القرار الرسمي للاستهلاك المنزلي شريحتين، 600 ليرة للكيلوواط الساعي حتى 300 كيلوواط ساعي للدورة، و1400 ليرة لما يزيد على ذلك، مع شرح حكومي يعتبر الشريحة الأولى مدعومة بنسبة 60% من سعر التكلفة.  لكن في كانون الثاني 2026 كشفت الوقائع أن بعض فواتير دمشق تجاوزت مليوناً ونصف المليون ليرة، وبعضها أكثر من ذلك بكثير بحيث وصل إلى 4 ملايين ليرة سورية، بينما تتراوح رواتب موظفين بين 700 و900 ألف، مع شكاوى من غياب قراءات فعلية للعدادات. 

إثر ذلك، وفي نهاية الشهر الفائت 2026 تحديداً خرجت وقفة احتجاجية أمام مبنى وزارة الطاقة في كفرسوسة في دمشق. رفع المشاركون شعارات من نوع: "الكهرباء حق وليست رفاهية"، وبعضهم قال إن الفاتورة ارتفعت دون تحسن في التغذية، وحذر من أن استمرار الآلية سيدفع الناس إلى الامتناع عن الدفع. 

وعلى صالة الجباية المركزية في دمشق، رُصدت فواتير بين 600 ألف وأكثر من مليوني ليرة حتى لدى أسر تقلل الاستهلاك أو تغلق منازلها فترات. وفي مؤشر عملي على ضعف الامتثال، نُقل عن مصدر مسؤول في شركة كهرباء دمشق أن نسبة التحصيل لم تتجاوز 10% حتى 1 شباط 2026. 

 

حزام العشوائيات والعداد الغائب

يصبح الملف أكثر تعقيداً عند الحديث عن العشوائيات ومناطق المخالفات، لأن العشوائيات في دمشق وحولها ليس كلمة عابرة، فنحن نتحدث عن حزام من الأحياء غير المنظمة يحيط بدمشق، يمتد من برزة إلى القابون وجوبر شمالاً، ومن مخيم اليرموك إلى التضامن جنوباً وصولاً إلى سفح قاسيون غرباً، ويضم أكثر من 18 منطقة بمساحة تقارب 2000 هكتار وكان يقطنها قبل 2011 نحو 1.2 مليون نسمة، أمّا اليوم فالعدد أعلى بكثير من ذلك لكونها كانت الملجأ للمهجرين والمنكوبين خلال الحرب، ولا يوجد إحصائية دقيقة لعدد القاطنين فيها الآن.

وفي تصنيف تخطيطي سابق، قُسمت عشوائيات دمشق إلى مستويات، بينها أحياء مثل المزة 86 والتضامن ضمن "قيد التنظيم"، وأحياء أخرى مثل دف الشوك والعسالي ضمن مناطق تحتاج مخططات تفصيلية، ما يعكس تاريخاً من التأخر في التسويات التنظيمية. 

وفي متابعة الملف، تضع شهادات من محيط دمشق وجهاً إنسانياً للمشكلة، فقد وصف محمد الشوفي من غوطة دمشق منزله بأنه شبه مدمر ثم قال: "فليأتوا ويأخذوا شريط الكهرباء". بينما رمضان أحمد، وهو موظف يسكن في عشوائية قرب دمشق، قال إنه دفع ثمن العداد ولم يُركّب لغياب العدادات، وإن الانتظار حتى تأتي العدادات الذكية يعني دفع "افتراضي" لا يعرف مدته. 

وفي قراءة اقتصادية، قال الخبير عمار يوسف إن الفوترة التقديرية لمن لا يملكون عدادات تعني أن المواطن يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه، ودعا إلى الإسراع بتركيب العدادات وربط الفاتورة بالاستهلاك الفعلي. 

 

فاقد كهربائي يتوسع سريعاً

في تصريح له، قال مدير المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء إن نحو 40% من إجمالي الإنتاج يذهب هدراً بسبب الاعتداءات والسرقات، وإن الفاقد على شبكة التوزيع وصل في بعض المناطق إلى 35%. وفي دمشق، قالت شركة الكهرباء إن برنامج التقنين في 2025 كان خمس ساعات قطع مقابل ساعة ونصف وصل، وإنها نظمت 650 ضبط استجرار غير مشروع منذ بداية العام ذاته وبكمية تتجاوز 100 ألف كيلوواط ساعي.

لدى التفكير في الحلول، فإن الإطار القانوني يضع عقوبات، لكنه لا يحل أزمة التطبيق في الأحياء الهشة. فنص قانون 23 لعام 2012 يذكر عقوبة حبس لا تتجاوز ثلاثة أشهر وغرامة 15% من قيمة الطاقة المستجرة وبحد أدنى 5000 ليرة، مع إمكانية وقف الملاحقة إذا جرى السداد خلال مهلة. لكن في العشوائيات، يتقاطع ردع سرقات الكهرباء مع واقع السكن غير المنظم، ما يجعل الضبط الصرف أقل فعالية إذا لم يترافق بتسوية تدريجية للاشتراك. 

 

العدادات الذكية ومعضلة التنفيذ

أمام هذا الواقع، تضع الحكومة العدادات الذكية في قلب مسار الإصلاح، وتصف تركيب العدادات الذكية بوصفها جزء من إجراءات فنية وتنظيمية لتحسين التحصيل وخفض الفاقد. وفي تشرين الأول 2025 برز الحديث عن مناقصة رقم 2025/4 لاستيراد 6.5 مليون عداد ذكي مع بنية تحتية للقياس المتقدم. وأظهرت وثيقة رسمية مؤرشفة تمديداً وتعديلاً لشروط التوريد بحيث تبدأ الدفعة الأولى خلال أربعة أشهر ثم توريد شهري حتى ثلاث سنوات، مع تمديد موعد الإغلاق إلى 15 آذار 2026.

لكن مسار الاستيراد نفسه يظل حساساً، فالصفحة الرئيسية لموقع المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء أظهرت إشعاراً بعنوان إلغاء المناقصة 4-2025 بتاريخ 8 كانون الثاني 2026. ولهذا فإن أي تأخر أو إلغاء يعني استمرار الاعتماد على تقديرات أو قراءات متنازع عليها، وهي بيئة تزداد خطورة في دمشق عندما تتزامن مع رفع التسعيرة وضعف الثقة.

 

مسارات تنظيم واقعية ممكنة

في الأحياء المنظمة، يبدو الأمر أبسط، إذ يمكن أن يهدأ النزاع عبر تحسين دقة القراءة وتسريع الاعتراضات وربط الجباية بتحسن ملموس في ساعات التغذية، لأن الاحتجاجات نفسها تركز على الفجوة بين السعر والوصل. أما في العشوائيات، فإن التحدي يبدأ من الشبكة، والخطوة الأقرب للتطبيق عملياً هي قياس الفاقد قبل مطاردة الأسلاك، عبر عدادات على مخارج مراكز التحويل والمغذيات لمقارنة الطاقة الداخلة بما يُفوتر فعلاً، ثم توجيه فرق الضبط إلى نقاط أعلى خسارة بدل الحملات العامة. 

بعد ذلك تصبح ممكنة تسوية اشتراك قابلة للدفع عبر تخفيف الغرامات القديمة لمن يسجل اشتراكاً فعلياً وتركيب عداد بأقساط، مستفيداً من فكرة وقف الملاحقة عند السداد التي يقرها قانون 2012، مع إعطاء أولوية لعدادات أحادية الطور أو مسبقة الدفع في المناطق الأعلى فاقداً. ويظل شرط العدالة الاجتماعية حاسماً، لأن فرض رقم تقديري ثابت على بيت شبه مدمر كان أحد أكبر دوافع الغضب في الشهادات الميدانية. 

وفي الخلاصة لا بدّ من القول إن التنظيم بعد رفع التعرفة لن ينجح عبر حملات الضبط وحدها، ولا عبر العداد الذكي وحده، فوسيلة النجاح الأقرب هي مزيج من القياس الذكي للفاقد، وتسويات اشتراك في الحزام العشوائي، وتحسين تدريجي للتغذية يجعل الفاتورة مفهومة في نظر من يُطالب بها.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث