تلقّت المصارف التجاريّة اللبنانيّة تعميمًا صدر عن مصرف لبنان، لتنظيم عمليّة فتح الحسابات المصرفيّة، لمصلحة المرشّحين للانتخابات النيابيّة. كما هو معلوم، يفرض قانون الانتخابات على كلّ مرشّح وحملة انتخابيّة فتح حساب في مصرف يعمل في لبنان، يُسمّى "حساب الحملة الانتخابيّة"، على أن يُرفق بطلب الترشيح إفادة من المصرف تُثبت فتح هذا الحساب. ولا يخضع هذا الحساب لموجبات السريّة المصرفيّة، بل يعتبر المرشّح واللائحة متنازلين رسميًا عن السريّة المصرفيّة بمجرّد فتح الحساب. وبعد فتح الحساب، من المفترض إيداع جميع المساهمات والتبرّعات فيه، ودفع جميع النفقات الانتخابيّة منه.
إشكاليّة العقوبات الدوليّة
تعميم مصرف لبنان فرض على المصارف التجاريّة "عدم رفض فتح حسابات الحملة الانتخابيّة للمرشحين للانتخابات النيابيّة"، إلا لأسباب مشروعة. وفي إطار تحديد الأسباب المشروعة، التي يمكن عندها رفض فتح الحساب المصرفي، يشير تعميم المصرف إلى أحكام القانون رقم 44 تاريخ 24/11/2015، وهو القانون المتعلّق بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. كما يشير التعميم إلى قرار مصرف لبنان الأساسي رقم 7818، وهو القرار الذي ينظّم مراقبة العمليّات الماليّة والمصرفيّة، لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
مصادر مصرفيّة أفادت بأن إدارات المصارف اللبنانيّة عممت منذ يوم أمس الخميس تعليمات واضحة لفروعها، لتفسير التعميم الصادر عن مصرف لبنان. وبحسب المصادر، فسّرت المصارف مضمون التعميم على نحوٍ يوجب الامتناع عن فتح الحسابات المصرفيّة للشخصيّات المُعاقبة دوليًا، وإن كانت الحسابات بالليرة اللبنانيّة بهدف إدارة الحملة الانتخابيّة. وعلى هذا الأساس، لن تسمح المصارف بفتح حسابات لهذه الفئات، لتجنّب أي إشكاليّات في العلاقة مع المصارف المراسلة.
ومن بين أعضاء المجلس النيابي الحاليين، الخاضعين للعقوبات الدوليّة، يرد اسم النائب جبران باسيل، المُدرج على لوائح العقوبات الأميركيّة بالاستناد إلى قانون ماغنيتسكي، المخصّصة للأفراد المتورّطين في انتهاكات حقوق الإنسان أو "الفساد واستغلال السلطة". كما يرد اسم النائب جميل السيّد، المُعاقب أميركيًّا بموجب أمر تنفيذي، على خلفيّة "تقويض حكم القانون والفساد السياسي داخل لبنان". ويرد كذلك اسم النائب علي حسن خليل، المُعاقب أيضًا لأسباب مرتبطة بممارسة الفساد وتقديم "دعم مادي لجهات يعتبرها القانون الأميركي معيقة لسيادة القانون في لبنان".
ومن ناحية حزب الله، يرد على "القائمة السوداء للأشخاص المعنيين بالعقوبات" اسم النائبين أمين شرّي ومحمّد رعد، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، بسبب الانتماء لتنظيم تعتبره الولايات المتحدة منظمة إرهابيّة. مع الإشارة إلى أنّ ورود أي اسم على القائمة يفرض تجميد أصوله داخل الولايات المتحدة الأميركيّة، وهو ما ينطبق على الأموال التي تمرّ عبر النظام المالي الأميركي. وهذا ما يعني أنّ أي حسابات بالدولار الأميركي، في أي مصرف يتعامل مع المصارف الأميركيّة المراسلة، تخضع لهذه العقوبات.
بدائل للمرشحين
يبرز السؤال البديهي هنا: كيف سيتمكّن هؤلاء النوّاب من الترشّح مجددًا، إذا أرادوا ذلك، طالما أنهم ممنوعون من فتح حسابات مصرفيّة وفقاً لأحكام قانون الانتخابات؟
الإجابة على هذا السؤال، تكمن في المادّة 59 من قانون الانتخاب نفسه. إذ تنص هذه المادّة على إمكانيّة إيداع الأموال العائدة للحملة الانتخابيّة للمرشّح أو اللائحة "في صندوق عام ينشأ لدى وزارة الماليّة"، في حال "تعذّر فتح حساب مصرفي وتحريكه لأي مرشح أو لائحة لأسباب خارجة عن إرادة أي منهما". وفي هذه الحالة، يحل الصندوق العام، لدى وزارة الماليّة، مكان الحساب المصرفي في كل مندرجاته، ما يعني إيداع الأموال وإنفاقها من هذا الصندوق حصراً.
بهذا الشكل، ستكون الكرة الآن في ملعب وزارة الماليّة، لتنفيذ هذا الجانب من القانون بعد تعذّر فتح الحسابات المصرفيّة للمرشحين المعاقبين دوليًا. وهذا ما يطرح السؤال عن إمكانيّة تعرّض الوزارة لضغوط داخليّة أو خارجيّة، لتفادي فتح هذا النوع من الصناديق، تحت عنوان عدم التعرّض لمخاطر القيود أو العقوبات الدوليّة، خصوصًا أن أموال الوزارة أو أي صندوق سيُفتح لديها ستودع لدى مصرف لبنان، ما يربط هذه الأموال مجدداً بالنظام المالي اللبناني.
هذه الإشكاليّة تُذكّر بالسجال الناشئ عن القرارات السابقة لوزير العدل عادل نصّار. إذ كان نصّار قد أصدر خلال العام الماضي قراراً موجهاً لكتّاب العدل، وضع فيه اشتراطات جديدة عند تنظيم العقود، ومنها التثبّت من عدم ورود أسماء الأطراف المعنيّة بالعقود على لوائح العقوبات. يومها، أثار نصّار زوبعة من الاعتراضات الداخليّة، على اعتبار أنّه فرض قيوداً على الحق بالتصرّف بالأملاك، من دون سند تشريعي أو قانوني. في المقابل، برّر نصّار قراره من زاوية تفادي العزلة الماليّة، وإخراج لبنان من اللائحة الرماديّة لمجموعة العمل المالي.




