خراب طرابلس: المدينة التي لا مكان لها في موازنة الدولة

هاني عضاضةالخميس 2026/02/19
Image-1767972060
هناك نحو 700 بناء مهدد بالسقوط في مدينة طرابلس بحسب رئيس سابق للبلدية (جمال محيش)
حجم الخط
مشاركة عبر

نصف قرن من التهميش والفساد كان مجرد فصلٍ تمهيدي لرواية الخراب التي تكتمل اليوم في طرابلس، فما يحدث من انهيارات في البنى التحتية والسكنية ليس مجرد كارثة لحظية، بل هو نتاج طبيعي لعقود من السياسات التي جعلت من المدينة منطقة منكوبة بامتياز. لم تتمكّن المدينة التي هدم فيضان نهر أبو علي في كانون الأول/ديسمبر 1955 جزءًا من أحيائها ومساكنها وأسواقها وبناها التحتية، وتسبّب بمقتل 200 من أبنائها، من التقاط أنفاسها، حتى أتت الحرب الأهلية (1975-1990) لتلحق بها دمارًا هائلاً، بالإضافة إلى اشتباكات جبل محسن وباب التبانة التي استمرت منذ عام 1976 حتى 2015 رغم انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، وكانت جولاتها القتالية التي تجاوز عددها 15 جولة منذ عام 2008 حتى 2014 الأشد عنفًا وفتكًا. لقد تحوّلت طرابلس من مركز تجاري وثقافي متنوّع إلى مدينةٍ منكوبة اقتصاديًا واجتماعيًا ومهمّشة سياسيًا وإنمائيًا، حيث لا تزال آثار القذائف والرصاص في أحيائها الداخلية التي تعاني معظمها من الفقر الشديد وتفشّي البطالة.

 

الإنذارات منذ سنوات طويلة، ولكن...!

بحسب تقرير "الفقر في مدينة طرابلس" من إعداد الخبيرة في العلوم الاجتماعية أميمة جدع في عام 2010 (منذ 16 عامًا)، وهو الكتاب الثاني لـ "مشروع دراسة الفقر الحضري في البلدان العربية" في إطار التعاون بين بلدية طرابلس والمعهد العربي لإنماء المدن واللجنة الاقتصادية الاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، فإن المناطق الفقيرة في طرابلس، وأفقرها باب التبانة وجبل محسن والقبة، تعرّضت إلى دمارٍ شديد "وصل في بعض الأحيان إلى تدمير شبه كامل في المباني والمتاجر والبنى التحتية، أثناء الحرب الأهلية والصدامات الأمنية المتتالية"، التي لم تنتهِ حتى أربع سنوات من تاريخ نشر هذا التقرير.

ويضيف التقرير: "كما أن المساكن والأحياء في مناطق الأسواق القديمة والزاهرية والغرباء وباب الحديد وباب الرمل تعرّضت للتصدع والإهمال المزمنين منذ عقود، ولا يزال بعضها يعاني الاهتراء وهو مهدد بالسقوط. وتعاني بعض المساكن في الميناء، وخصوصًا في منطقة الترب والمساكن الشعبية، من الإهمال والرطوبة وعدم توفر الشروط الصحية للسكن".

هذا الإنذار وغيره منذ سنوات طويلة، لم يكن مجرد توثيق أكاديمي، بل كان تحذيرًا حقيقيًا من الكارثة التي نشهدها اليوم. المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة، فالحكومات المتعاقبة تتحمّل الجزء الأكبر عبر سياسات التهميش المنهجي لطرابلس وحرمانها من ميزانيات الصيانة والترميم وتعطيل التعيينات الإدارية في المرافق الأساسية، كما أن البلديات المتعاقبة تقاعست عن متابعة ملف الأبنية المتضرّرة ومراقبة وضبط مخالفات البناء بشكل حقيقي، ولم ترفع الصوت عاليًا بما فيه الكفاية لإنقاذ الأرواح ومنع الخسائر قبل وقوعها، والنخب السياسية الطرابلسية، ومن بينها وزراء ورؤساء، انشغلت بالمحاصصات وتقاسم المغانم والملفات الإقليمية، وسهّلت توزيع تراخيص البناء بدلاً من رفع الصوت عاليًا لوضع حدٍ لكرة الثلج المتدحرجة أمام أعينهم. كل هذه الأطراف كانت تملك المعلومات، وتدرك حجم الكارثة المنتظرة، لكن أحداً لم يتحرّك بشكل جادّ استباقًا لها.

في تحقيقٍ أجرته "المفكّرة القانونية" عام 2022 بعنوان "حبل مخالفات البناء على غاربه في طرابلس والمحيط: أبنية الرشى الانتخابية قنابل سكنية موقوتة"، يتّضح لدينا تورّط هذه النخب السياسية المحلية، وخصوصًا في فترات الانتخابات النيابية، في تقديم "رشى انتخابية" على شكل تغطية مخالفات البناء مقابل حصد أصوات الناخبين، مما أدّى إلى فورة عمرانية عبر إضافة طوابق غير مرخّصة، والبناء على أملاك عامة وخاصة ووقفية دون مراعاة معايير السلامة، حيث شيّدت مبانٍ كثيرة تفتقر إلى الإشراف الهندسي والأساسات القادرة على التحمّل، ما يهدّد بسقوطها خاصةً عند أي هزةٍ أرضية. وما يثير الريبة خلال الأزمة القائمة اليوم، هو احتمال أن تقوم تلك النخب بتحويلها إلى فرصةٍ لتنفيذ مشاريع عقارية على حساب غالبية المتضرّرين، الذين يمكن أن يتحمّلوا جزءًا من التكاليف عبر آليات تعويض غير منصفة تستغل حاجاتهم الأساسية في ظل غياب المسكن وضعف مداخيلهم في مدينةٍ تُعدّ من أفقر المدن على ساحل البحر المتوسط، فتضعهم أمام خيارين: القبول بشروطٍ مجحفة أو البقاء في العراء.

 

31 إلى 36 مليون دولار تكلفة الحل الشامل

وفي حديثٍ إلى "المدن"، أكّد عضو المجلس البلدي في مدينة طرابلس، بلال حسين، أن الهدف الأساسي الآن هو توضيح سير العملية للمواطنين، لأن الخوف يبقى مسيطرًا عليهم رغم محاولات الطمأنة، مشيرًا إلى أن "إخراج الناس من بيوتها ليس أمرًا سهلاً". وفي تفاصيل الخطّة المطروحة لاحتواء الأزمة، أوضح حسين أن الحكومة وعدت "بدل إيواء لمدة سنة للنازحين بقيمة 4000 دولار لكل عائلة"، مضيفًا أن المستأجرين ستحلّ مشكلتهم لمدة عامٍ واحد فقط. أما بالنسبة لأصحاب الممتلكات، فلفت إلى أن "كل من يخرج من منزله لديه حل من اثنين: هدمٌ أو تدعيم"، موضحًا أن "من سيعيد الإعمار هو صاحب الملك نفسه".

لكن المجلس البلدي، وفق حسين، يدرس آليات لدعم المالكين، حيث يعمل على "تحسين شروط العودة عبر رفع عامل الاستثمار في بعض المناطق ليتمكّن المالك مثلاً من بناء المزيد من الطوابق واستقطاب مستثمرين للعمل معه"، مما يؤدي إلى "رفع سعر العقار رغم هدم المبنى، ما يمكّنه من إعادة الإعمار بأسعار أعلى". وأضاف أن ذلك يتم عبر "الاتفاق مع مطوّرين عقاريين"، موضحًا أنه "إذا كانت قيمة العقار 30 ألف دولار ستصبح 100 ألف دولار، حسب رفع عامل الاستثمار".

وعن التمويل، أفاد حسين أن "الهيئة العليا للإغاثة هي التي ستتكفّل بتكاليف الهدم"، مشيرًا إلى أن هدم المبنى يكلّف متوسط 15 ألف دولار، وعدد المباني التي يجب أو من المحتمل هدمها لا يقلّ عن 100 ولا يتجاوز 200. وكشف أن التكلفة الإجمالية للعملية "ما بين بدل إيواء وهدم وتدعيم تكلّف بحدود 30 مليون دولار... و15 إلى 20 مليونًا للبنى التحتية". وبذلك، يبلغ متوسط مجموع تكاليف بدل الإيواء لمدّة سنة 8 ملايين دولار، والهدم 3 ملايين دولار، وإصلاح البنى التحتية 15-20 مليون دولار، وتدعيم المباني 5 ملايين دولار. أي أن العملية لتجاوز الأزمة بالكامل لا تتطلّب أكثر من 31 إلى 36 مليون دولار.

هذه الأرقام تظلّ في متناول الدولة إذا توفّرت الإرادة السياسية، وهو ما يلمّح إليه حسين بالقول إن المسألة في جوهرها "هي مسألة أولويات وليس ميزانية... الدولة غائبة عن طرابلس وليست من أولوياتها. نرى الدولة عبر مؤسسات الأمن والعسكر ولا نراها عبر الخدمات. هذه أول مرة تأتي الدولة عبر ملف الإعمار. نحن في كارثة لكننا نرى في الأمر فرصة لإعادة تحسين ظروف طرابلس".

وعلى الصعيد السياسي، أضاف حسين أن ما يحصل يحمل صبغة "شعبوية قبل الانتخابات النيابية... وهذا الأمر يخيفنا"، متسائلاً: "هل الوعود اليوم صادقة؟". واتهم "نواب المدينة" بالدخول في "البازار السياسي"، مشيرًا إلى أنه "أنهيت جولات القتال بخطة أمنية عام 2014... ولم نرَ خطة إنمائية ترافقها". وأعرب عن خشيته من "عرقلة" المسار الذي تقوم به بلدية طرابلس مع رئيس الحكومة نواف سلام من قبل السياسيين المحليين، مرجعًا ذلك إلى "هاجس النواب من خسارة رصيد انتخابي". كما لفت إلى معاناة المباني التراثية، قائلاً إنها "مبانٍ في حالة يرثى لها"، وأن البلدية طلبت سيولة للاهتمام بها. وأشار إلى أن الحكومة الحالية هي "أول حكومة تنصف المدينة عبر التعيينات" في مرافق حيوية مثل المنطقة الاقتصادية الخاصة، ومعرض رشيد كرامي، ومرفأ طرابلس لتعود الحركة إلى المدينة بشكل تدريجي.

 

غياب الإرادة، حلول ارتجالية، وتناقضات خطيرة

ما يقدّمه حسين من أرقام وحلول تقنية، يكشف عن مفارقة أساسية في مقاربة الأزمة: فبينما تقدّر كلفة الحل الشامل بـ 36 مليون دولار كحد أقصى، أي ما لا يتجاوز 0.7% من موازنة 2025 التي تبلغ نحو 4.97 مليارات دولار، يظلّ السؤال: لماذا لم تتدخل الدولة طوال السنوات لماضية، وخاصة قبل الانهيار المالي في 2019، إذا كانت الكلفة بهذا "التواضع"؟ هنا تكمن المفارقة الأكثر إيلامًا، فعند العودة إلى عام 2018، أي قبل الانهيار الاقتصادي، كانت الموازنة العامة قد بلغت 15 مليارًا و800 مليون دولار، مما يعني أن التكلفة كانت لا تشكل سوى 0.23% من موازنة ذلك العام. هذا الرمز الصغير في سلسلة الأرقام الكبيرة يؤكد أن الأمر لم يكن يومًا متعلقًا بتوفر التمويل، بل بإرادة سياسية معدومة.

لكن الأخطر من الغياب التاريخي هو طريقة الحضور الحالية للدولة، والحلول السريعة التي تختزل كارثة إنسانية وعمرانية في معادلة رياضية باردة: بدل إيواء لمدة عام، وهدم وتدعيم، ثم إعادة الإعمار على حساب المالك. هذا النموذج الفرداني في مواجهة كارثة بنيوية، يفتح الباب أمام المطوّرين العقاريين للدخول على الخط عبر "رفع عامل الاستثمار"، في إطار شراكة مع المالكين قد تؤدي، تحت ضغط الحاجة وغياب المسكن، إلى إعادة تشكيل اجتماعي للأحياء المتضررة. فالمالك المضطر للقبول بشروط المطوّر، والسكان المستأجرون المهدّدون بعدم القدرة على العودة بعد الترميم، كلاهما رهينة لمعادلة قد تخرجهم من دائرة الكارثة الطبيعية إلى دائرة الإزاحة القسرية. 

هكذا يمكن أن تتحوّل المحنة إلى فرصة استثمارية، ليس لإنقاذ طرابلس كما يتمنّى المجلس البلدي الذي يحاول التحرّك ضمن الإمكانات المتاحة، بل لإعادة إنتاج المدينة وفق منطق السوق المنفلت من أي ضوابط اجتماعية، عبر اختزال الأزمة في حلول تقنية واقتصادية بحتة دون معالجة جذورها. وفي النهاية، يبقى السؤال: كيف يمكن لإنقاذ مدينة تُعتبر العاصمة الثانية للبنان وتشكّل مركزًا حيويًا فيه أن يشكّل عبئًا لا تستطيع دولة تمويله، إن كان ثمنه أقل من 1% من ميزانيتها؟

وبينما تقدّر بلدية طرابلس عدد المباني المهدّدة بالسقوط بما لا يقل عن 100 ولا يتجاوز 200 مبنىً، يخرج رئيس البلدية السابق رياض يمق بأرقام مغايرة تمامًا، حيث يشير في تصريحات صحافية إلى وجود نحو 700 بناء مهدد بالسقوط في المدينة. هذا التناقض في الأرقام يكشف عن فوضى تقديرية لا تقلّ خطورة عن فوضى البناء نفسها. فكيف يمكن بناء خطة إنقاذ موثوقة على أساس إحصاءات غير متطابقة؟ الأكيد أن هذا الالتباس يمنح الجهات المسؤولة ذريعة إضافية للتلكؤ، وكل تأخير في حسم هذا الملف يعني أن أهالي المدينة وحدهم سيدفعون الثمن مجددًا.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث