تحويل القطاع العام السوري إلى شركات مساهمة: هذه هي المخاطر

محمد كساحالسبت 2026/02/14
سوريا (Getty)
لا يمكن تحويل مؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة قبل وجود دستور جديد (getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يأتي توجه الحكومة السورية لتحويل القطاع العام إلى شركات مساهمة ضمن سياق عام يهدف لإعادة هيكلة القطاعات العامة المتعثرة. لكن إشكاليات عديدة ترافق هذا المشروع، يتعلق بعضها بغياب المنظومة القانونية الملائمة. بينما يحذر الخبراء من المخاطر المترافقة مع هذا التوجه إذا جرى التعامل معه كحل تقني معزول، أو كبديل عن إصلاحات أعمق في بنية الدولة الاقتصادية. 

وكان وزير المالية محمد يسر برنية أشار إلى اقتراح مشروع قانون يلزم بتحويل جميع الشركات الحكومية إلى شركات مساهمة عامة تمتلك الدولة في بدايتها كامل أسهمها، بما يضمن تطبيق قواعد صارمة للحوكمة، وانتخاب مجالس إدارة مستقلة، وتشكيل لجان داخلية للمراجعة والمخاطر، وإلزامها بميزانيات وبيانات مالية مدققة وتقارير فصلية منشورة.

 

 

إيجابيات وسلبيات

من حيث المبدأ، يُعد تحويل الشركات العامة إلى شركات مساهمة، أحد الأدوات المعروفة دوليًا لإعادة هيكلة القطاعات العامة المتعثرة. الإيجابية الأساسية في هذا النموذج أنه يوفّر إطارًا قانونيًا يسمح بفصل الملكية عن الإدارة، ويُدخل منطق المحاسبة المالية والحوكمة المؤسسية إلى شركات كانت تعمل سابقًا بمنطق إداري مغلق. 

ويرى الباحث في شركة "كرم شعار للاستشارات" ملهم جزماتي، أن هذا النموذج لا يحمل بحد ذاته ضمانة للنجاح. فالتجارب المقارنة تُظهر أن تحويل الشكل القانوني للشركات العامة من دون تغيير البيئة المؤسسية التي تعمل ضمنها، غالبًا ما يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلات نفسها بصيغة مختلفة. 

ويضيف جزماتي في حديث لـ"المدن" أن المشروع يحمل مخاطر اجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. فإخضاع الشركات العامة لمنطق الربحية الصارم، في بيئة اقتصادية هشة، قد يدفع إداراتها إلى تقليص العمالة أو رفع أسعار الخدمات، ما ينقل كلفة الإصلاح من الدولة إلى المواطنين، بدل أن يعالج الخلل البنيوي في إدارة هذه المؤسسات.

وعليه، يمكن القول إن المشروع يحمل في طياته فرصة إصلاح إذا ترافق مع إصلاح مؤسسي أوسع يشمل الحوكمة، والرقابة، وتحييد القرار الاقتصادي عن الاعتبارات السياسية. لكنه في الوقت نفسه ينطوي على مخاطر حقيقية إذا جرى التعامل معه كحل تقني معزول، أو كبديل عن إصلاحات أعمق في بنية الدولة الاقتصادية. في هذه الحالة، قد لا يتجاوز التحول حدود تغيير الاسم والشكل القانوني، من دون أن ينعكس تحسنًا ملموسًا في أداء القطاع العام أو دوره التنموي.

 

 

مخاوف مشروعة

أثار الإعلان عن المشروع بعض الجدل بين الخبراء الاقتصاديين. حيث أعرب بعضهم عن خشيته من فتح الباب أمام صفقات واستحواذات قبل تعديل المنظومة القانونية.

ويرى جزماتي أن هذه المخاوف مشروعة، وتستند إلى تحذيرات دولية وتجارب سابقة. فصندوق النقد الدولي يحذر من أن تغيير الشكل القانوني للشركات العامة، دون إصلاح شامل للإطار المؤسسي والرقابي، قد يؤدي إلى نقل المخاطر بدل معالجتها. كما تشير منظمة الشفافية الدولية إلى أن تحويل الأصول العامة في بيئات ضعيفة الحوكمة غالبًا ما يفتح الباب أمام استحواذات غير تنافسية.

ويرى جزماتي أن الفارق الحقيقي بين إعادة الهيكلة والخصخصة لا يُقاس فقط بنسبة ما تملكه الدولة من الأسهم، بل بدرجة وضوح القرار العام ومن يملك القدرة على التأثير فيه. في الطرح الحالي، لا يكمن القلق الأساسي في مبدأ تحويل الشركات إلى مساهمة بحد ذاته، بل في غياب خريطة واضحة تُبيّن للجمهور ما الذي ستحتفظ به الدولة، وما الذي يمكن التنازل عنه، وعلى أي أساس، وفي أي توقيت.

 

 

خصخصة غير معلنة وضبابية

من جانبه، ينتقد الباحث ومدير منصة "اقتصادي" يونس الكريم الطرح الذي يقدّم تحويل مؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة بوصفه خطوة تحديثية. ويوضح الكريم في حديثه لـ"المدن" أن هذا التوجه ليس جديداً، إذ طُرح لأول مرة عام 2009 عبر نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الاقتصادية عبد الله الدردري، كآلية للحد من تضخم القطاع الحكومي وتوفير سيولة كبيرة للخزانة العامة، إضافة إلى تمهيد الطريق أمام التحول نحو اقتصاد رأسمالي أكثر انفتاحاً. ويشير الكريم إلى أن الفكرة قُدّمت آنذاك باعتبارها محاكاة للتجربة الفرنسية في إعادة هيكلة المؤسسات العامة .

ويقول الكريم إن الإعلان الأخير الصادر عن وزارة المالية يتسم بدرجة عالية من الضبابية، سواء لجهة عدم توضيح نسبة ملكية الحكومة في الشركات المزمع تحويلها، أو تحديد الفئات التي ستُطرح عليها الأسهم في المرحلة الأولى. كما لا يتضمن الإعلان أي رؤية حول مستقبل الخدمات العامة المقدّمة للمواطنين بعد هذا التحول. ويرى الكريم أن هذا الغموض يفتح الباب أمام مخاوف جدية من أن تكون الخطوة مقدمة لخصخصة غير معلنة للقطاع العام، بما قد يدفع الدولة إلى التخلي تدريجياً عن دورها الخدمي لصالح نموذج ربحي بحت.

ويرى الكريم أنه لا يمكن المضي في تحويل مؤسسات القطاع العام إلى شركات مساهمة قبل وجود دستور جديد يحدد بوضوح الإطار القانوني للملكية العامة، ومن ثم تعديل القوانين الناظمة لها بما ينسجم مع هذا الدستور. فغياب هذا الأساس الدستوري والقانوني قد يفتح الباب أمام صفقات بيع مشبوهة تمسّ أصول الدولة.

وانطلاقاً من ذلك، يدعو الكريم إلى تجميد أي عمليات بيع أو تنازل عن حصص الدولة إلى حين صدور قانون ملكية واضح يضع الضوابط اللازمة لهذه العملية. كما يشدد على ضرورة إخضاع عمليات الاكتتاب لقوانين دقيقة تحدد شكل الملكية وعدد الأسهم، وتُميّز بين المواطن والأجنبي، وبين الشخصيات الاعتبارية والحقيقية، وتوضح الهدف العام من هذا التحول.

ويؤكد الكريم أهمية وضع قوانين صارمة لنقل الملكيات أو التنازل عنها بأي صيغة كانت، بحيث تشمل الأجانب والمؤسسات والشخصيات الاعتبارية والبنوك، بما يضمن حماية الأصول العامة من أي استغلال أو التفاف قانوني. ويرى أن أي عملية إعادة هيكلة يجب أن تراعي حقوق المالكين، وأن تُوزّع أصول الدولة بشكل عادل ومنصف على المواطنين السوريين باعتبارهم أصحاب الحق الأصلي في هذه الملكية.

وفي هذا السياق، يحذّر الكريم من خطورة استحواذ الصندوق السيادي التابع لرئاسة الجمهورية على أسهم مؤسسات الدولة، إذ قد يجعل ذلك الدولة عملياً هي البائع والمشتري في الوقت نفسه، في محاولة للالتفاف على العقبات القانونية. ويرى أن هذا المسار قد يتيح لاحقاً التنازل عن جزء من الملكية لشركاء أجانب، مستفيداً من الصلاحيات الواسعة التي يمنحها الإعلان الدستوري المؤقت.

ويشير الكريم إلى أن لجوء الصندوق السيادي إلى شراء أصول الدولة تحت مسمى الاستثمار لا يوفّر تسهيلات حقيقية، بل يضيف تعقيدات جديدة إلى بنية الدولة، ويفتح المجال أمام تجاوز قوانين الملكية وآليات مراقبة حملة الأسهم. كما أن هذا النهج، برأيه، يهدد بغياب الشفافية عن أي عقود بيع قد تُبرم لاحقاً، ويجعل عملية نقل الملكية عرضة للالتفاف القانوني أو السياسي.

ويؤكد الكريم أن هذا المسار يُفرغ الهدف المعلن من تحويل المؤسسات إلى شركات مساهمة، وهو تأمين التمويل وتوسيع قاعدة الملكية، ليحوّله عملياً إلى إنشاء شركة خاصة ذات طابع ربحي، لكنها تتمتع بسلطات الدولة نفسها، وبعقود احتكارية وقدرة على تجاوز القانون، ما ينسف مبدأ المنافسة العادلة ويقوّض فكرة الإصلاح الاقتصادي من أساسها.

 

 

هل يُعاد الاعتبار للبرجوازية الوطنية؟

وتثير الخطة المعلَن عنها بشأن إعادة هيكلة القطاع العام تساؤلات حول ما إذا كانت تهدف إلى إعادة الاعتبار للبرجوازية الدمشقية والحلبية القديمة، تلك الطبقة التي تراجعت مكانتها بعد قرارات التأميم التي رافقت وصول حزب البعث إلى السلطة. غير أن الكريم يعتقد أن هذا الاحتمال غير وارد، إذ لا يمكن لمثل هذه الخطوات أن تُعيد إنتاج طبقة برجوازية حقيقية في ظل غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي، وانعدام تطبيق القانون بشكل صارم ومتساوٍ.

ويؤكد الكريم أن ما قد ينشأ عن هذه العملية ليس برجوازية وطنية مستقرة، بل قطاع خاص هشّ يفتقر إلى الشفافية والحوكمة، وتحيط به بيئة سياسية واقتصادية مضطربة. ويرى أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام بروز ملاك جدد مرتبطين بأجندات خارجية أو أمراء حرب يمتلكون رؤوس أموال ضخمة، بما يجعل عملية التحول فرصة مثالية لغسل الأموال وإعادة تدويرها داخل الاقتصاد الرسمي.

ويحذّر من أن هذا النموذج لا يعيد بناء طبقة اقتصادية وطنية منتجة، بل يخلق شبكة مصالح جديدة تتغذى على النفوذ السياسي والاحتكارات، ما قد يخرج الاقتصاد السوري عن مساره الوطني. وبدلاً من أن تكون إعادة الهيكلة وسيلة لإصلاح القطاع العام وتوسيع قاعدة الملكية، تتحول وفق هذا السيناريو إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي على حساب المصلحة العامة، بعيداً عن أي رؤية تنموية أو إنتاجية حقيقية.

 

أما جزماتي فيرى أن هذا التحول قد يكون مدخلًا مباشرًا لإعادة إنتاج الدور التقليدي للبرجوازية القديمة بقدر ما يشكّل إعادة ترتيب للمشهد الاقتصادي ككل. وفي ظل استمرار البنى السياسية والاقتصادية القائمة، تبقى احتمالات عودة تلك البرجوازية كقوة مستقلة ووازنة محدودة، مقابل ترجيح سيناريو تشكّل توازنات جديدة بين الدولة ورأس المال، تتحدد ملامحها وفق قواعد المرحلة المقبلة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث