اختتمت بعثة صندوق النقد الدولي، اليوم الجمعة، جولتها في لبنان، التي بدأت منذ يوم الثلاثاء الماضي. المصادر الحكوميّة المُتابعة للجولة، أشارت إلى أنّ الجانب الأهم من المحاثات تركّز على المسائل المرتبطة بالماليّة العامّة، وخصوصًا الإطار المالي المتوسّط الأجل. كما تناول البحث التعديلات التي يطلبها الصندوق على مشروع قانون الانتظام المالي (المعروف بمشروع قانون "الفجوة الماليّة")، الذي أقرّته الحكومة مؤخّرًا، وقانون إصلاح أوضاع المصارف، الذي أقرّه البرلمان في أواخر شهر تمّوز الماضي.
المصادر نفسها لفتت إلى أنّ المحادثات شهدت تقدمًا ملحوظًا، على مستوى تقريب وجهات النظر ما بين السلطات اللبنانيّة وبعثة الصندوق، غير أنّ هذا التقدّم لا يسمح -حتّى اللحظة- بتمكين لبنان من توقيع اتفاق مبدئي مع الصندوق. فحتّى الآن، ما زال هناك اختلافات في وجهات النظر بخصوص بعض مواد قانون الانتظام المالي، وخصوصًا لجهة كيفيّة تقدير حجم السيولة التي يمكن تأمينها على المدى القصير، لتسديد الودائع الصغيرة، فضلاً عن آليّات احتساب التزامات الدولة في إعادة رسملة المصرف المركزي.
الجلسة الختاميّة
وكانت بعثة الصندوق قد عقدت جلسة ختاميّة صباح اليوم الجمعة، مع وزير الماليّة ياسين جابر، وممثلين عن جمعيّة المصارف ومصرف لبنان ومجموعة من الدوائر المختصّة في مصرف لبنان ووزارة الماليّة. وبمجرّد انتهاء الجلسة الختاميّة، أفاد جابر بأنّ اجتماعات البعثة كانت "مكثّفة ومتواصلة من الصباح وحتّى المساء"، لمناقشة "مختلف التطوّرات الماليّة والنقديّة التي يشهدها لبنان". واعتبر جابر أنّ "الأجواء العامّة كانت إيجابيّة، والأمور تتطوّر نحو الأفضل من دون شك".
وذكّر جابر ببعض التطوّرات الإيجابيّة التي حققها لبنان مؤخراً، والتي يفترض أن تسهّل مسار الاتفاق مع صندوق، ومنها أن البلاد "لم تعد تسجّل عجزاً في الموازنة العامّة"، وأنّ الميزانيّة العامّة حققت خلال العام 2025 "فائضًا يؤشّر إلى مسار الانضباط المالي". وكشف جابر أنّ وزارته تمكّنت من الاتفاق مع الصندوق على العمل على خطة خمسية متوسطة المدى للنهوض الاقتصادي، و"من المتوقّع رفع الخطّة قريبًا إلى مجلس الوزراء لإقرارها".
وأعلن جابر أنّ "النقاشات شملت أيضًا قانون إصلاح القطاع المصرفي، بالإضافة إلى قانون الفجوة المالية، حيث عُقدت اجتماعات مطوّلة مع اختصاصيين في وزارة المالية لمناقشة هذا الملف". وأكّد جابر أن "البحث لا يزال مستمرًا، وأن مشروع القانون المطروح ليس نهائيًا، بل يخضع للنقاش والتعديل بهدف تحسينه وجعله أكثر فاعلية في معالجة الأزمة".
وعلى مستوى الخطوات المقبلة، أفاد جابر بأنّ "الوفد اللبناني سيجتمع مجددًا مع صندوق النقد في شهر نيسان خلال الاجتماعات الربيعية في واشنطن، على أن يكون لبنان قد أحرز تقدّمًا إضافيًا في اتخاذ إجراءات مالية وإدارية، ولا سيما في ما يتعلق بملف الرواتب وتأمين الموارد اللازمة لتغطية الزيادات، إلى جانب الإصلاحات الإدارية التي جرى بحثها مع الصندوق".
أمّا بالنسبة للنقاش الدائر حول إمكانيّة استخدام احتياطات الذهب الموجودة في مصرف لبنان، لإطفاء الفجوة، فذكّر جابر بأنّ هذه الاحتياطات ملك مصرف لبنان، وليس الحكومة. ولهذا السبب، "لا صلاحية للحكومة باستخدامها، وأي نقاش في هذا الشأن يعود حصراً إلى المجلس النيابي"، كما ذكّر جابر بأن "قانون الفجوة المالية نصّ بوضوح على عدم المسّ بالذهب".
وفي الوقت نفسه، أعاد جابر التذكير ببعض الإجراءات التي اتخذتها وزارة الماليّة، مثل إصدار أوامر تحصيل المتعلّقة بالمقالع والكسارات، وملاحقة عمليّات منصّة "صيرفة" لفرض الضرائب على الأرباح المحقّقة منها، بالإضافة إلى إطلاق تدقيق مشترك بين وزارة المالية ومصرف لبنان في ملف الدعم، بعد تلزيم شركة دولية كبرى لهذه المهمة. كما ذكّر جابر أيضًا ببعض الإجراءات التي قامت بها وزارات أخرى، مثل وزارة الأشغال العامة، لمعالجة ملف الأملاك البحرية ومكافحة التهريب عبر المنافذ البريّة والبحريّة والجويّة.
مجريات المحادثات
المصادر المتابعة للمحادثات أفادت بأنّ بعثة الصندوق طرحت تساؤلات حول إمكانيّة توفّر السيولة على المدى القصير، للبدء بتسديد الودائع خلال السنوات الأربع الأولى، وفق جدول الدفع المُقترح في مشروع قانون الفجوة الماليّة. فمن الناحية العمليّة، لا يتخذ الصندوق موقفًا يُنكر هذه القدرة، لكنّه يعتبر أنّ السلطات اللبنانيّة لم تقدّم جداول واضحة تبيّن الفرضيّات التي تم اعتمادها، لإعداد جداول الدفع. مع الإشارة إلى أنّ حاكم مصرف لبنان كريم سعيد عزّز شكوك فريق عمل الصندوق، حين أشار في بيانٍ سابق إلى أنّ جداول الدفع المُحدّدة تُعتبر طموحة "نوعًا ما"، مُطالبًا ببعض المرونة في عمليّة التسديد.
من ناحية الأخرى، ما زال الصندوق متحفّظًا على صياغة مشروع القانون، في الجزء المرتبط بعمليّة توزيع الخسائر. إذ يطالب الصندوق بصياغة واضحة تكفل احتساب هذه الخسائر، ثم تحديد موجبات إعادة الرسملة التي ستتحمّلها المصارف، قبل البدء بتخفيض قيمة الودائع، وفق مفهوم الأصول غير المنتظمة. وتفيد المصادر بأنّ الصندوق يعتبر هذا المطلب “Deal Breaker”، بمعنى أنّه لا يمكن توقيع اتفاق نهائي مع صندوق النقد ما لم يتم احترام قاعدة "توزيع الحقوق والمطالب"، التي تفرض تحميل المساهمين في المصارف الشريحة الأولى من الخسائر، قبل تحميل هذه الخسائر للمودعين.
أمّا مشكلة الصندوق الثالثة، مع الصيغة الحاليّة لمشروع القانون، فهي الجانب المتعلّق بمسؤوليّة الدولة في عمليّة إعادة الرسملة. فالمشروع لا يفرض أي ضوابط لالتزامات الدولة في إعادة رسملة المصرف المركزي، في حال حصول أي قصور في عمليّة تسديد الودائع خلال السنوات المقبلة. كما يترك الباب مفتوحاً على جميع الاحتمالات، بما يخص الديون العامّة المختلف على صحتها بين مصرف لبنان ووزارة الماليّة. وبهذا الشكل، يرى الصندوق أنّ المشروع يسمح برفع حجم الديون السياديّة، إلى مستويات غير قابلة للاستدامة.
أخيراً، أهم ما في المحادثات الأخيرة كان حصول تقدّم على مستوى مناقشة الإطار المالي المتوسّط الأجل. حيث يفترض أن تُنجز وزارة الماليّة، خلال الأشهر المقبلة، خطّة ماليّة للسنوات الخمس المقبلة، بما يشمل تحديد مستوى الإيرادات والنفقات والفوائض المتوقّعة خلال هذه الفترة الزمنيّة. ومن المرتقب أن تستند السلطات الماليّة إلى هذا الإطار المالي، للتفاوض مع حملة سندات اليوروبوند لاحقًا، عبر تأكيد قدرة الدولة على تسديد ديونها السياديّة بعد إعادة هيكلة هذه الديون. مع الإشارة إلى أنّ الفوائض التي حققتها الماليّة العامّة، خلال السنتين الماضيتين، تسمح بوضع توقّعات متفائلة للسنوات المقبلة.




