بالفيديو: "سوا بالصيام"... تخفيضات حقيقية أم عروض شكلية؟

فاطمة البسامالجمعة 2026/02/13
19.jpg
ترتفع أسعار السلع في رمضان وزمن الصوم في كل عام (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

مع اقتراب شهر رمضان المبارك والصوم الكبير، تعود مسألة الأسعار إلى واجهة الاهتمام الشعبي، في ظلّ خشية اللبنانيين من موجة غلاء جديدة تلامس المواد الغذائية الأكثر استهلاكاً في هذه الفترة. وبين الوعود بالتخفيف من الأعباء المعيشية، وتوجّس المواطنين من تكرار سيناريوهات سابقة، أطلقت وزارة الاقتصاد والتجارة، بالشراكة مع نقابة أصحاب السوبرماركت ونقابة مستوردي المواد الغذائية في لبنان، مبادرة "سوا بالصيام" كمحاولة لتنظيم السوق وضبط الأسعار، ولو مرحلياً.

والمبادرة تهدف إلى تخفيض أسعار سلّة من المواد الغذائية الأساسية، انطلاقاً من مسؤوليتها في حماية المستهلك وتخفيف الأعباء المعيشية خلال شهر رمضان المبارك وزمن الصوم الكبير.

 

 

سلّة من 21 سلعة

جاء الإعلان عن المبادرة في مؤتمر صحافي عقده وزير الاقتصاد والتجارة الدكتور عامر البساط، بحضور ممثلي النقابتين، في مبنى الوزارة. وأكد البساط في كلمته أن مكافحة الغلاء وتحسين الوضع المعيشي اليومي يشكّلان أولوية قصوى لدى الوزارة، مشيراً إلى خطوات عملية تتخذها، من بينها تكثيف زيارات المراقبين في مصلحة حماية المستهلك، وتفعيل قانون المنافسة، وتسهيل إجراءات الاستيراد بهدف خفض الكلفة.

وأوضح البساط لـ"المدن" أن المبادرة تشمل سلّة من 21 سلعة غذائية أساسية من الأكثر استهلاكاً، جرى تحديدها بالتنسيق مع الشركاء في القطاع الخاص، ضمن تفاهم واضح حول آلية التنفيذ والالتزام بالحد الأدنى من التخفيضات. ويشارك في المبادرة نحو 27 سوبرماركت على الأراضي اللبنانية تحت مظلة نقابة أصحاب السوبرماركت، في خطوة اعتبرها الوزير تعبيراً عن "حس عالٍ بالمسؤولية الوطنية وتكامل الأدوار بين الدولة والقطاع الخاص".

وأضاف أن الاجتماعات المتواصلة مع الشركاء أفضت إلى الاتفاق على تخفيضات تبدأ من 15 بالمئة كحد أدنى، على سلع مثل الزيوت والسكر والحبوب وغيرها، على أن ترتفع نسبة الحسم بحسب مبادرة كل متجر. وأشار إلى أن المبادرة تأتي في فترة معروفة بارتفاع الأسعار نتيجة زيادة الطلب خلال الصيام لدى الطوائف المسيحية والمسلمة، مؤكداً أن الهدف هو تسهيل هذه المرحلة على المواطنين.

وعن آلية الرقابة، شدد البساط على أن الوزارة ستواكب تنفيذ المبادرة عبر متابعة ميدانية منتظمة، حرصاً على حسن التطبيق وتعزيز الثقة. معتبراً أن "سوا بالصيام" ليست مجرد مبادرة ظرفية، بل خطوة أولى لمسار تعاون أوسع بين القطاعين العام والخاص.

ومن جهته، قال نقيب أصحاب السوبرماركت، نبيل فهد لـ"المدن" إن المتاجر هي من قدّمت العروض، وإن كل متجر يسعى إلى تنشيط مبيعاته خلال شهر رمضان. لافتاً النظر إلى أن المبادرة تعزّز مفهوم التنافس. وأضاف أنه "حتى لو كان فرق الأسعار بسيطاً، فهو بالنهاية يصنع فرقاً عند المواطن، لأن التوفير يتراكم". وأوضح أن التخفيضات لا تقتصر على علامة تجارية محددة، بل تشمل أصنافاً أساسية واسعة الاستهلاك خلال رمضان.

أما رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي، فاعتبر أن التاجر "يريد أن يبيع في نهاية المطاف"، مشيراً إلى أن البضائع الموسمية المرتبطة برمضان، مثل الجلاب والتمر وقمر الدين، لا يمكن تخزينها لفترات طويلة، ما يدفع التجار إلى ضبط الأسعار لتصريفها. وبرأيه، فإن آلية السوق تفرض نفسها، لأن أي مبالغة في الأسعار ستؤدي إلى كساد البضاعة.

 

 

تشكيك شعبي وهاجس الخضار

في المقابل، أظهر استطلاع مصغّر أجرته "المدن" أن شريحة واسعة من المواطنين لا تعوّل كثيراً على المبادرة، معتبرة أن الأسعار غالباً ما ترتفع قبيل الصيام، ليُصار لاحقاً إلى الإعلان عن "تخفيضات" شكلية. وعبّر كثر عن استيائهم من ارتفاع الأسعار مع اقتراب "شهر الخير"، مشيرين إلى أن هذه الفترة يفترض أن تعزّز التكافل لا المضاربة.

القلق الأكبر تمحور حول أسعار الخضار، إذ باتت كلفة تحضير طبق الفتوش، الحاضر يومياً على موائد رمضان، تتجاوز 500 ألف ليرة لبنانية، وفق ما أفاد به مواطنون. وهو رقم يعكس حجم الضغوط المعيشية على الأسر، لا سيما في ظل تراجع القدرة الشرائية.

وفي هذا السياق، دعا رئيس نقابة تجار الخضار والفاكهة سهيل المعبي إلى ضبط حركة التصدير خلال شهر رمضان، معتبراً أن تزامن الصيام لدى المسلمين والمسيحيين يرفع الطلب على الخضار، ما يستدعي إجراءات استثنائية. وأوضح لـ"المدن" أن زيادة التصدير تؤدي إلى انخفاض الكميات المعروضة في السوق المحلية، وبالتالي ارتفاع الأسعار.

واقترح المعبي التنسيق بين وزارات الاقتصاد والزراعة والداخلية، إلى جانب النقابات، لضبط الأسواق، وإنشاء أسواق شعبية منظّمة في مختلف المناطق، بما يحدّ من الفوضى والبيع العشوائي على الطرقات، ويساهم في ضبط الأسعار. كما أشار إلى إمكانية التفاهم مع تجار الجملة على تخفيضات قد تصل إلى 30 في المئة من سعر الخروج من السوق، شرط وجود آلية رقابية فعالة تضمن التزام الجميع.

 

 

بين المبادرة والإصلاح البنيوي

تفتح مبادرة "سوا بالصيام" باباً أمام تعاون مرحلي بين الدولة والقطاع الخاص، وقد تساهم فعلياً في تخفيف جزء من الأعباء عن المواطنين إذا اقترنت برقابة جدية وشفافية في التسعير. إلا أن التجربة اللبنانية مع المبادرات الظرفية تطرح سؤالاً أعمق: هل تكفي التخفيضات الموسمية لمعالجة اختلالات بنيوية في السوق، أم أن المطلوب إصلاحات أشمل تطال آليات الاستيراد، والتصدير، والرقابة، وتنظيم الأسواق؟

في ظل أزمة اقتصادية ممتدة، تبقى ثقة المواطن هي الرهان الأصعب. فالمبادرات مهما حسنت نياتها، تحتاج إلى ترجمة عملية ملموسة على رفوف المتاجر وأسعار الخضار، حتى لا يبقى "شهر الخير" موسماً للقلق بدل أن يكون فسحة للتكافل والطمأنينة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث