لم يمرّ قرار السلطات في دمشق الذي حصر نقل البضائع إلى داخل سوريا بواسطة الشاحنات السورية، من دون ارتدادات لبنانية. (راجع المدن)
ففي أول يوم عمل رسمي بعد عطلة نهاية الأسبوع التي أعقبها عيد مار مارون وما رافقها من عطلة رسمية في لبنان، حاول أصحاب الشاحنات اللبنانية التصدي للقرار بخطوات تصعيدية. فأقفلوا معبر المصنع الحدودي على كل الشاحنات، اللبنانية منها والسورية، المتجهة الى سوريا والآتية منها، وحتى على تلك المعدة لنقل الترانزيت.
ومع ذلك لم ينجح المحتجون في عرقلة قرار سوريا الرسمي، الذي دخل فعلًا حيز التنفيذ منذ أربعة أيام. و"لا نيّة لدى السلطات السورية للعودة عنه حتى الآن"، وفقًا لما نقل رئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البري في لبنان بسام طليس عن الاتصالات التي جرت مع الجانب السوري.
القرار للشارع
وكانت السلطات السورية قد باشرت منذ نهاية الأسبوع الماضي بتطبيق قرارها الذي استثنى شاحنات الترانزيت والبرّادات المتجهة الى بلدان عربية أخرى، ولكنه فرض على الشاحنات التي تشكل سوريا وجهتها الأخيرة، نقل البضائع من الشاحنات غير السورية إلى شاحنات سورية داخل الساحات الجمركية المخصصة، على أن يُمنع أي إجراء للتحميل أو التفريغ من دون الحصول على إيصال رسمي صادر عن وزارة النقل.
ومع أن القرار واجراءاته ليستت حكرًا على لبنان، بل شمل أيضًا دولًا أخرى ترتبط بسوريا بحدود برّية، إلا أن تداعياته على لبنان بدت أكثر حدّة، في ضوء الذاكرة الطويلة من الإشكالات الحدودية، ولكون لبنان عمليًا أسير منفذه البرّي الوحيد عبر سوريا، سواء للتصدير أو لعبور الترانزيت.
ومع ذلك، لم تبادر الدولة اللبنانية الى أي "ردة الفعل" في اتخاذ الموقف الرسمي، بل أبقت الباب مفتوحًا على الحوار مع الجانب السوري، حتى لو تُرك للشارع أن يتولى مهمة فرض التوازن المفقود. فنجح هذا الشارع بشلّ حركة عبور الشاحنات وبرادات الترانزيت المستثناة من القرار، واحتُجزت جميعها على طول الطريق المؤدي إلى عنبريّ الجمارك، صعودًا من لبنان ونزولًا إليه.
جاء ذلك بموازاة تكليف كل من نائب رئيس الحكومة طارق متري، ووزير الأشغال فايز رسامني والزراعة نزار الهاني بذل الجهود السياسية لحل الأمور، على أن تتخذ الحكومة اللبنانية في هذه الأثناء قرارًا بالإجراءات المفترضة. "فإما أن تطبق مبدأ المعاملة بالمثل، إستثنائيًا، الى حين عودة سوريا عن قرارها، والا، في حال لم تعد سوريا عن قرارها، يكون على الحكومة تأمين الإمكانات اللوجستية لتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل بشكل دائم"، وهو ما شرحه المدير العام لنقل البري والبحري أحمد تامر خلال لقائه مع أصحاب الشاحنات المعتصمين في المصنع، علمًا بأن هذا الإجراء أقر، وفقًا لتامر، بتوصية صدرت عن اجتماع موسع عقد في الوزارة مع ممثلي نقابات النقل والمصدّرين ووسطاء النقل وممثلين عن الوزارات المعنية، ورفعت الى الحكومة، التي أكد طليس الالتزام التام بقرارها، مع الاحتكام الى قرار الشارع في حال لم يصبّ في مصلحة من تمثلهم.
المعاملة بالمثل
ترجم تامر التوصية في المقابل بجولة ميدانية سريعة أجراها في الباحة الجمركية على حدود المصنع البرية، والتي أكد أنها "مؤهلة" لتفريغ الشاحنات السورية فيها، إذا ما قررت الحكومة تطبيق المعاملة بالمثل، علمًا أن هناك تجارب محدودة لمثل هذه العمليات تتكرر بالنسبة لشاحنات النقل الطويلة التي لا يسمح لها بدخول الأراضي اللبنانية.
في الأثناء، أعلن رئيس نقابة مالكي الشاحنات المبردة أحمد الحسين، أن سائقي الشاحنات ماضون بفرض "المعاملة بالمثل" بقوة الشارع، الى حين حسم الموقف من قبل الحكومة، حاصرًا الخيارات بإثنين: فإما أن يتم التوصل الى تسوية تستثني لبنان من القرار السوري، أو تتخذ السلطات اللبنانية قرارًا رسميًا مماثلًا بمنع الشاحنات السورية من دخول لبنان.
هذا في وقت بدا لسان حال سائقي الشاحنات وكأنه يقول: "رضينا بالهمّ والهمّ مش راضي فينا". فوفقاً لما شرحه السائقون، يسيطر أسطول الشاحنات السوري فعليًا على حركة التصدير والاستيراد بين البلدين، ليس بسبب ضعف أسطول الشاحنات اللبنانية، بل نتيجة خلل بنيوي في شروط المنافسة.
فبينما تشير الأرقام الرسمية الى أن حجم أسطول شاحنات النقل الخارجي اللبناني يصل الى 5000 شاحنة، قدّر الحسين عددها بنحو 3500 الى أربعة آلاف شاحنة، ذكر أن عشرين بالمئة منها مملوكة من سوريين، ومعظم سائقيها هم من السوريين أيضًا، بينما يصل حجم أسطول النقل البري في سوريا الى نحو 15 ألف، يدخل منها يوميًا الى لبنان نحو 150 الى مئتي شاحنة، بينما يخرج من لبنان 80 شاحنة، عشرون بالمئة منها تتابع طريقها الى بلدان عربية أخرى.
ولكن هذا التفاوت في حجم الأسطول لم يتسبب سابقًا بإرباك في عمليات النقل بين لبنان وسوريا، لا بل اعتبر تامر "أن لبنان كان ينظر الى الاسطول السوري كرأسمال له" خصوصًا بسبب الاتفاقية الموقعة بين البلدين منذ العام 1993، والتي توافق المدير العام للنقل البري وطليس على أنها كانت متوازنة تمامًا، لا بل قدّمت مصلحة أصحاب الشاحنات السوريين، حتى داخل الأراضي اللبنانية. ومع ذلك بقي لبنان يلتزم بحذافيرها لسنوات طويلة.
وانطلاقًا من هنا، بدا مستغربا للبنان، وفقًا لما نقله كل من طليس وتامر، أن تلجأ سوريا الى قرارها الأحادي، والذي ذكر طليس أن حتى بعض المسؤولين في سوريا لم يكونوا على اطلاع عليه. وشدد تامر في المقابل على أن لبنان كما سوريا "ليسا جزيرتين، بل هما دولتان مع حدود مشتركة، واقتصادهما متداخل، وهدفهما من أي خطة نقل يجب أن يكون تأمين البضائع بأسرع وقت وأقل كلفة، سواء للبنان أو لسوريا، خصوصًا أن من يدفع الثمن في النهاية هو المستهلك". وبالتالي شدد تامر على ضرورة الحوار والتعاون، للوصول الى درجة التكامل".
في المقابل يجمع المعنيون في القطاع على الانعكاسات السلبية للقرار الذي اتخذته سوريا، ليس فقط على أصحاب الشاحنات اللبنانيين وإنما السوريين أيضًا، وخصوصًا إذا طبق مبدأ المعاملة بالمثل، الذي قد يوجع السائق السوري أكثر من اللبناني.
فالشاحنة السورية، بحسب السائقين، تدخل إلى لبنان محمّلة بالبضائع، وتعود إلى سوريا محمّلة أيضًا، في حين لا تسمح السلطات السورية أساسًا للشاحنات اللبنانية بتحميل بضائع من أراضيها. فمن بين 200 شاحنة تدخل لبنان يوميًا، هناك مئة شاحنة تعود محملة بالبضائع من لبنان، بينما 10 بالمئة فقط من الشاحنات اللبنانية التي تدخل سوريا تخرج محملة بالبضائع. وهذا الواقع يرفع كلفة الشاحنة اللبنانية على المصدّر اللبناني، ويجعل أصحابها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بالشاحنة السورية، في ظل سوق غير متكافئة.
إلى ذلك، فإن المعاملة بالمثل من شأنها أن تؤخر انسياب البضائع السورية الى لبنان، كما حصل في سوريا منذ تطبيق قرارها بمنع دخول الشاحنات اللبنانية. وهذا ما يمكن أن ينعكس سلبًا، خصوصًا على المنتجات الزراعية المحكومة بصلاحية محدودة، علمًا بأن سوريا لا تستورد من إنتاج لبنان الزراعي، وفقًا لرئيس نقابة المزارعين والفلاحين في البقاع ابراهم الترشيشي، سوى الموز. وكلفة دخوله الى سوريا ارتفعت، وفقًا لترشيشي، منذ تطبيق القرار الأخير بمعدل 650 دولار على الشاحنة. بينما تصدر سوريا معظم إنتاجها الى لبنان، وهذا ما يمكن أن يترك تداعياته على المزارعين السوريين أيضًا.
لا ينفي المحتجون في المقابل أن من حق السلطات السورية اتخاذ قرارات تحمي العاملين في قطاع النقل، وفقًا لما جاء في تبريراتها للقرار، إلا أن الاقتصاد، وفقًا لتامر، يبنى على مجموعة من الدعائم، والنقل واحد منها، ولا يمكن أن نغلّب النقل على باقي القطاعات الاقتصادية والمصالح، وهذا ما لم يتنبه له القرار السوري الذي يتسبب برأيه باختلال في المصالح ولاتوازن بالنقل.
وانطلاقًا من هنا، استمرت الدعوات للجانب السوري من أجل فتح قنوات الحوار والتواصل الإيجابي لما يؤمنه من مصلحة لبنان وسوريا معًا. وإلا فإن أي إجراء أحادي ينفذ، وردة فعل تعقبه، وفقًا للمعنيين، سيخلفان تداعيات مستقبلية على القطاعات الإنتاجية عمومًا. وفي هذه الحالة تبدو المعاملة بالمثل أقل كلفة بالنسبة للبنان من القبول بقرار سوريا الأحادي، لأنها قد تتراوح بين ضغط سياسي متبادل، واحتمال تأثر حركة التصدير في المدى القصير، بينما كلفة لبنان ستكون باهظة على المدى المتوسط في حال الخضوع للقرار السوري من دون إجراءات مقابلة، وتتمثل في ضرب قطاع النقل البري، وتعميق العجز في ميزان الخدمات، وترك السوق رهينة ردود فعل، لا أحد يمكنه أن يتنبأ بعواقبها.




