رياض سلامة ونجيب ميقاتي وآخرون: تفاصيل قضيّة "بنك عودة"

علي نور الدينالاثنين 2026/02/09
Image-1770643964
ركزت الدعوى على العمليات المتبادلة بين شركات سلامة وميقاتي (إنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في أواخر الأسبوع الماضي، تلقّت النيابة العامّة الماليّة "شكوى مباشرة مع اتخاذ صفة الادعاء الشخصي"، من قبل مجموعة من الشخصيّات والمنظمات الحقوقيّة، ومن بينهم رابطة المودعين والنوّاب حليمة قعقور ومارك ضو وياسين ياسين. مضمون الملف دار حول ما يُعرف بـ "قضيّة بنك عودة"، وما تنطوي عليه من شبهات الاستفادة من أموال عامّة لتمليك بعض المستفيدين حصصًا في المصرف. والجرائم التي يتحدّث عنها الادّعاء تشمل "الاختلاس والإثراء غير المشروع وتبييض الأموال".

ومن المعلوم أنّ حاكم مصرف لبنان كريم سعيد كان قد قرّر اتخاذ صفة الادعاء باسم المصرف، ضد الحاكم السابق رياض سلامة والمدير السابق لبنك عودة سمير حنّا. غير أنّ أهميّة الادّعاء تكمن في توسيعه قائمة المُدّعى عليهم، لتشمل مستفيدين آخرين من القضيّة، مثل الأخوين ميقاتي، وشركة التدقيق Ernst & Young، وأعضاء سابقين في المجلس المركزي، بالإضافة إلى موظفين في مصرف لبنان وبنك عودة نفسه. كما فصّل الادّعاء الجديد تفاصيل العمليّات المشبوهة التي حصلت، والتي ربطت ما بين الشركات المملوكة من قبل عائلة سلامة، وتلك المملوكة من قبل الأخوين ميقاتي. 

 

في هذا المقال، تستند "المدن" إلى مضمون الادعاء لتفصّل العمليّات التي ارتبطت بهذه الشكوى.

 

شركات وهميّة وتفرّغ عن أسهم

تبدأ مجريات القضيّة، موضوع الادعاء، عام 2010، عندما ضغط المصرف المركزي على شركة EFG Hermes، لإتمام صفقة تقوم بموجبها الشركة ببيع أسهمها في المصرف، "لتجنّب المخاطر التي قد تلحق بسمعة البنك" إذا فشلت الصفقة. وبطبيعة الحال، لم يكن هناك -من الناحيتين الماليّة والاقتصاديّة- ما يبرّر تدخّل المصرف المركزي، للضغط باتجاه تنفيذ صفقة من هذا النوع.

أخذت الأمور منحى غير مألوف، حين قرّر المصرف المركزي نفسه تمويل عمليّة البيع، فسدّد ثمن الأسهم لشركة EFG Hermes، والتي تقارب نسبتها الـ 4.94 بالمئة من إجمالي أسهم المصرف، وبقيمة توازي 154 مليون دولار أميركي. ولأن قانون النقد والتسليف لا يسمح للمصرف المركزي بتملّك أسهم مصرف خاضع لإشرافه، جرى تسجيل الأسهم باسم شركة مُسجّلة في جزر كايمان، تحمل إسم Middle East Opportunities for Structured Finance Ltd، ويُشار إليها اختصارًا بإسم (MOSF)

بهذا الشكل، دفع المصرف المركزي ثمن أسهم لم يتملّكها فعلاً، بل كان المُستفيد من شركة واجهة مُسجّلة في جنّة ضريبيّة، تم تأسيسها خصّيصًا لاستيعاب هذه العمليّة. وبدل امتلاك الأسهم، تملّك مصرف لبنان "سندات" صادرة عن الشركة الغامضة، أي أوراق دين لا أكثر. أوراق صادرة عن شركة لا تملك موظفين أو ميزانيّة أو أنشطة تجاريّة حقيقيّة، وبلا أي أصول أساسيّة يمكن الاستناد عليها. ولم يقدّم رياض سلامة أي تبرير لهذه العمليّة.

من المستفيد من هذه العمليّة؟ ما جرى لاحقاً يمكن أن يفسّر، كما يُظهر الادعاء.

فبعد هذه العمليّة الغامضة، الممولة من مصرف لبنان، أخذت الأسهم تنتقل ما بين شركات غامضة أخرى: أولاً إلى شركة ليفانت فاينانس ليميتد، ثم إلى ليفانت فاينانس 2 ليميتد. والشركتان مسجّلتان في جزر كايمان أيضًا، ولهما نفس المدراء الصوريين. وهذا ما يؤشّر إلى أنّ هذه العمليّات كانت مجرّد أعمال تمويه لإخفاء المستفيد الحقيقي من العمليّة الأولى.

تبدأ الصورة بالاتضاح عند العودة إلى التحقيقات الجارية مع رجا سلامة (شقيق رياض سلامة)، والتي بيّنت أن سلامة يمتلك شركة بإسم مشابه لشركة ليفانت فاينانس، وهي شركة تم استخدامها لتلقّي تحويلات كبيرة من مصرف HSBC. ثم يتبيّن أن شركة ليفانت فاينانس 2 ليميتد، التي حطّت فيها الأسهم أخيراً، نقلت نصف أسهمها إلى شركة الاستثمار والأعمال القابضة ش.م.ل.، المملوكة من آل ميقاتي. ثم تمّت تصفية الشركة نهائيًا عام 2016.

 

صفقة أخرى شبيهة

بالتزامن مع تلك الصفقة المشبوهة، حصلت صفقة أخرى لا تقل غرابة. إذ خلال عام 2010 أيضاً، ظهرت شركة أخرى تُدعى Invest Finance Opportunities (IFO)، لتستحوذ على حصّة مماثلة، بنسبة 4.94 بالمئة من إجمالي أسهم المصرف. وما يؤكّد ترابط هذه العمليّة مع العمليّة السابقة، هو التزامن بينهما، وتطابق النسبة، والتشابه في تسجيل الشركتين لدى جزر كايمان، لإخفاء صاحب الحق الاقتصادي.

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا قد يتم تأسيس شركات وهميّة من هذا النوع، ومن ثم تقسيم عمليّة الشراء إلى عمليّتين مُتزامنتين، بهذه الطريقة؟ الإجابة تكمن في قانون النقد والتسليف، الذي يفرض إجراءات خاصّة عند تملّك أي طرف لأكثر من 5 بالمئة من أسهم مصرف معيّن. إذ يفرض القانون في هذه الحالة الحصول على ترخيص مسبق من مصرف لبنان، قبل تنفيذ الاستحواذ، بعد تبيان مصدر الأموال المُستخدمة وملاءة الجهة المشترية وسمعتها.

بهذا المعنى، تم تقسيم عمليّة الشراء على عمليّتين، لا تتجاوز نسبة كلّ منهما الـ 4.94 بالمئة من إجمالي أسهم المصرف، لتفادي التصريح عن هويّة الجهة المشترية، وتجنّب الحصول على ترخيص علني مسبق من مصرف لبنان. وهذا بالضبط ما سمح بإخفاء هويّة الجهة المشترية، عبر تنفيذ العمليّات بإسم شركات وهميّة مسجلّة في جزر كايمان. ولو تجاوزت نسبة أي عمليّة الـ 5 بالمئة، لكان على الجهة المُشترية أن تكشف هويّتها، وأن تصرّح عن عمليّة التمويل الغريبة -وغير القانونيّة- التي تمّت على حساب الأموال العامّة.

 

تحويلات مشبوهة أخرى

يُعدد الادعاء مجموعة من العمليّات التي توحي بوجود رابط ما بين عائلة ميقاتي من جهة، وصفقة الاستحواذ من جهة أخرى. ومنها على سبيل المثال تحويل إلى شركة ليفانت فاينانس 2 ليميتد، من شركة أم 1 كابيتال ليميتد، المملوكة من قبل الأخوين ميقاتي، وتحويل آخر إلى ليفانت فاينانس 2 ليميتد أيضاً، من شركة أم 1 إنفستمنت ليميتد، المملوكة من قبل الأخوين ميقاتي كذلك. كما يربط الادعاء ما بين تلقي شركة مملوكة من آل سلامة، لأسهم في بنك عودة، وتفرّغ شركة أخرى مملوكة من آل ميقاتي، لنفس القيمة من الأسهم، وفي التاريخ نفسه. 

يمضي الادعاء لاحقاً في تفصيل استفادة بنك عودة (ومساهميه) في مراحل لاحقة من عمليّات الهندسات الماليّة. فالمصرف حقق من هذه العمليّات أرباحًا بقيمة 1.6 مليار دولار أميركي، خلال العام 2016 وحده، قبل أن يحقق أرباحًا بقيمة 1.5 مليار دولار أميركي بين عاميّ 2017 و2019. وبهذا الشكل، وبحسب الادعاء، تمكن الأخوان ميقاتي من جني أكثر من 130 مليون دولار، كأرباح من مساهمتهما في المصرف، بين عامي 2012 و2019، (وهي الفترة التي تراكمت خلالها خسائر مصرف لبنان بالمناسبة). 

 

أهم ما في الادعاء، هو شموله لأطراف أخرى، غير تلك التي شملها ادعاء حاكم مصرف لبنان. ومنها شركة Ernst & Young، التي صادقت على بيانات ماليّة غير دقيقة، وبيار كنعان، مدير الشؤون القانونيّة السابق في مصرف لبنان، الذي وفّر عبر تعاميمه الغطاء لهذه العمليّات، بالإضافة إلى أعضاء المجلس المركزي في تلك المرحلة، وندي رياض سلامة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث