سوريا من ساحة صراع إلى محور استراتيجي للطاقة

دمشق - هناء غانمالجمعة 2026/02/06
سوريا بانياس.jpg
خط بانياس كركوك بوابة سوريا النفطية (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في الوقت الذي كانت فيه الأنظار مشدودة إلى الأحداث العسكرية والتطورات الميدانية في الجزيرة السورية، كانت التحولات الاقتصادية التي حدثت في خلفية المشهد تؤشر إلى تحول استراتيجي كبير. استعادة سوريا السيطرة على حقول النفط والغاز في الشرق السوري لم تكن مجرد انتصار سياسي أو ميداني، بل مثلت تحولًا اقتصاديًا حاسمًا قد يعيد تعريف دور سوريا في المنطقة، ويفتح لها أبوابًا جديدة للعب دور محوري في أمن الطاقة الإقليمي والدولي.

 

التحول من مستهلك إلى لاعب إقليمي

تواصلت "المدن" مع وزير الاقتصاد السابق في الحكومة الانتقالية،  د. عبد الحكيم حسين المصري، فأشار إلى أن استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز في الشرق السوري تمثل "تحولًا اقتصاديًا بالغ الأهمية". 

وأضاف: "هذه الخطوة ليست مجرد انتصار ميداني، بل هي إعادة تموضع سوريا على خريطة الطاقة العالمية، حيث تصبح البلاد من مستهلكة إلى لاعب قادر على التحكم في ممرات عبور النفط والغاز، مما يفتح آفاقًا جديدة لتطوير الاقتصاد السوري."

 

ركيزة إستراتيجية لنقل النفط

من أبرز المشاريع التي تحدث عنها الدكتور المصري في تصريحه، خط كركوك–بانياس، الذي يُعد من أقدم خطوط تصدير النفط في المنطقة. هذا الخط الممتد على 800 كيلومتر من حقول كركوك في العراق إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط يُعد حجر الزاوية في خطة سوريا للاستفادة من مكانها الاستراتيجي كممر طاقي رئيسي.

ويمتلك الخط العربي، كما كان يُسمى تاريخيًا، القدرة على نقل 300 ألف برميل يوميًا من النفط. وإذا تم تأهيله بالكامل، فإن سوريا ستتمكن من جني 150-200 مليون دولار سنويًا من رسوم العبور والخدمات اللوجستية، وهو دخل ثابت سيساهم في تخفيف العبء على الاقتصاد الوطني.

وأشار الدكتور المصري إلى أن تكلفة إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس تتراوح بين 300 و600 مليون دولار. لكن العوائد المنتظرة ستكون مجزية، حيث يُتوقع أن يُغطي المشروع تكاليفه في 3 إلى 4 سنوات فقط من الإيرادات الناتجة عن رسوم العبور. وأضاف: "هذه الاستثمارات تمثل خطوة استراتيجية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، وتخفيف الاعتماد على الاستيراد، ما سيوفر للدولة موارد كبيرة تُستخدم في تطوير مشروعات أخرى.

وأوضح أن "نقل النفط عبر الأنابيب يعتبر أكثر كفاءة اقتصاديًا من النقل البحري، إذ يوفر 30-40% من التكاليف. كما أنه يقلل من المخاطر المرتبطة بالتجارة البحرية، التي تأثرت كثيرًا في السنوات الأخيرة بسبب تصاعد تكاليف الشحن وازدياد المخاطر في الممرات البحرية.

 

دور خط كركوك–بانياس في الأمن الإقليمي

ولفت المصري أيضًا إلى الأبعاد الإقليمية لهذا المشروع، حيث قال: "خط كركوك–بانياس يُعتبر ممرًا طاقيًا بالغ الأهمية للعراق، إذ يُوفر له مسارًا بديلًا وآمنًا لنقل النفط إلى الأسواق الأوروبية." فمن خلال هذا الخط، ستكون سوريا في قلب شبكات الطاقة الإقليمية، مما يقلص بشكل غير مباشر من هيمنة روسيا على سوق الغاز الأوروبي، ويوفر خيارات بديلة للمستوردين.

وفي هذا السياق، أشار المصري إلى توسعة خط الغاز العربي الذي يربط مصر بالدول المشرقية وصولًا إلى سوريا والبحر المتوسط، كأداة مهمة لدعم أمن الطاقة الأوروبي.

 

تحويل الجغرافيا السورية إلى قاعدة صناعية

وفي إطار رؤية استراتيجية لمستقبل سوريا في قطاع الطاقة، يبدو أن الخطط المطروحة لتحويل منطقة الجزيرة السورية إلى قاعدة للصناعات الاستخراجية، تعزز القيمة المضافة لهذه الموارد وتساهم في رفع مستوى الاستثمار الداخلي.

وتساهم هذه الخطوة في تحقيق الاستفادة الاقتصادية المثلى من الثروات الطبيعية في المنطقة.

وبحسب الخبير فإن تحويل الجغرافيا السورية من ساحة صراع إلى عقدة مصالح دولية واستراتيجية سيغير قواعد اللعبة في المنطقة، ويجعل من سوريا نقطة ارتكاز رئيسية في شبكة الطاقة الإقليمية والدولية.

ومن المهم الاشارة الى أن  سوريا تستمر في تعزيز مكانتها كداعم رئيسي لأمن الطاقة الإقليمي والدولي، من خلال استعادة السيطرة على الموارد الطبيعية وتطوير البنية التحتية الطاقية. وكما أكد الدكتور عبد الحكيم حسين المصري في تصريحاته، يمثل هذا التحول خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتنمية المستدامة، مع فتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي والدولي في مجال الطاقة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث