دفعت التغيّرات السياسية في المنطقة إلى إعادة النظر في الكثير من العلاقات بين الدول ذات المصالح، ومنها المملكة العربية السعودية وتركيا، وخصوصاً في ظل التحوّلات التي شهدتها سوريا وتشهدها إيران في الوقت الراهن، ناهيك بانفلاش النفوذ الإسرائيلي الذي بدوره يهدّد النفوذ التركي، في حين تسعى السعودية إلى تأكيد دورها العربي. ونقاط التلاقي السعودية - التركية دفعت البلدين إلى تعزيز تعاونهما الاقتصادي كانعكاس للعلاقة السياسية التي تهدف إلى إحقاق "السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة"، وفق ما أكّده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
الاستثمارات بين الرياض وأنقرة
يزور أردوغان السعودية بدعوة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتأتي الدعوة في أعقاب انطلاق منتدى الاستثمار السعودي التركي في الرياض، أمس الثلاثاء. (راجع المدن)
ويشكّل المنتدى مدخلاً لإبرام اتفاقيات اقتصادية تستهدف زيادة حجم التبادل التجاري وتعزيز الاستثمارات بين البلدين وتعميق الشراكة بين قطاعات الأعمال التركية والسعودية. على أنّ الجانب الاقتصادي للزيارة لا يلغي الجانب السياسي، إذ تهدف الزيارة أيضاً لتوسيع المشاورات في ما يتعلّق بالقضايا الإقليمية، لا سيّما المتعلّقة بغزّة وسوريا.
وفي سياق التعاون الاقتصادي، فإنّ حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 8 مليارات دولار في العام 2025، وفق وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح. أمّا الاستثمارات التركية المباشرة في السعودية فتجاوزت قيمتها 2 مليار دولار، وتتركز في قطاعات التصنيع، العقارات، البناء والتشييد، الزراعة والتجارة. كما أنّ قيمة المشاريع التي نفّذها المقاولون الأتراك في السعودية تجاوزت 32 مليار دولار، بحسب ما قاله وزير التجارة التركي عمر بولاط، في كلمة ألقاها في المنتدى، حيث أشار إلى أنّ أنقرة والرياض "تستهدفان رفع حجم التجارة البينية إلى 30 مليار دولار على المدى المتوسط، في ظل تنامٍ ملحوظ في الشراكات الاقتصادية وفرص التعاون الاستثماري بين البلدين".
ولأنّ للعلاقة بين المملكة وتركيا بُعداً سياسياً يطال مصالحهما الإقليمية، فإنّ التعاون انسحب على الصناعات الدفاعية، إذ تسعى المملكة إلى أن يصل مستوى التوطين ونقل التقنية في هذه الصناعات إلى أكثر من 50 بالمئة.
توازنات النفط والغاز
للنفط والغاز صفحة خاصة في ملفّ التعاون بين البلدين. وتزداد أهمية التعاون في هذا المجال في أعقاب إعادة هندسة التحالفات الاقتصادية في المنطقة والعالم على وقع المتغيّرات التي أصابت النفط الروسي والسيطرة الأميركية على النفط الفنزويلي بعد التغيير الذي حصل في فنزويلا بعد اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
فالتقييد الدولي لحركة النفط الروسي والتهديد الذي تفرضه الولايات المتحدة على الدول والشركات التي تتعاون مع روسيا أو تشتري نفطها، والسيطرة الأميركية على النفط الفنزويلي، وسَّع سيطرة واشنطن على سوق النفط، ما دفع تركيا إلى تسريع توسيع تعاونها مع السعودية، لا سيّما في مجال النفط والغاز. وفي ذلك مصلحة للبلدين لضمان استقرار التوريد وحماية مساراته، وفي الوقت عينه، ضمان عدم الوقوع في قبضة الهيمنة الأميركية على النفط. وعليه، فإنّ تقارب الرياض وأنقرة على صعيد النفط والغاز، يعزّز دور السعودية كمنتج ومورّد آمن ومستقر للنفط، بعيداً من التوتّر بين روسيا وأميركا. وتالياً، ينعكس استقرار الإنتاج والتوريد على استقرار الأسعار، وهذا ما يشجّع تركيا على توطيد علاقتها بمورّد آمن للطاقة، فتضمن إنتاجاً وأسعاراً أكثر استقراراً من تلك التي قد تجدها في السوق، خصوصاً وأنّها كانت تعتمد كثيراً على النفط الروسي الذي بات مشبوهاً وملاحقاً.
ومع تراجع الاعتماد الأوروبي على النفط الروسي، يمكن لتركيا أن تلعب دوراً في تعزيز حضور النفط السعودي في أوروبا، عبر زيادة مستوى تخزين النفط السعودي على أبواب أوروبا، إلى جانب توسيع شبكة مشاريع الصناعات البتروكيماوية بين البلدين.
بالتوازي، وبما أنّ المملكة لديها سادس أكبر احتياطي غاز في العالم، يُقدّر بأكثر من 324 تريليون قدم مكعبة قياسية، فإنّ تشديد الخناق الأميركي على توريد الغاز الروسي إلى أوروبا يجعل من الغاز السعودي بديلاً أكثر جاذبية في ظل البحث الأوروبي عن بديل لواردات الغاز الأميركي، إذ حذّرت مفوضة المنافسة في الاتحاد الأوروبي، تيريزا ريبيرا، قبل أسبوع، من الاعتماد "المفرط" على واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة.
ووسط ذلك، تتطلّع تركيا إلى لعب دور المحور في توريد الغاز السعودي إلى أوروبا، خصوصاً أنّ لديها بنية تحتية وموانىء وخطوط أنابيب متطوّرة وملائمة للعب هذا الدور. في حين أنّ السعودية تسعى لزيادة إنتاج الغاز بنسبة تتجاوز الـ60 بالمئة بحلول العام 2030، للوصول إلى أكثر من 21 مليار قدم مكعبة يومياً لتلبية الطلب المحلي والتصدير. كما أنّ المملكة تعزّز استثماراتها في الطاقة المتجدّدة عبر تصدير الهيدروجين الأخضر إلى جانب الغاز. ويبرز في هذا المجال، مشروع "نيوم" للهيدروجين الأخضر، قيمتة 8.4 مليار دولار، ويهدف إلى إنتاج 600 طن يومياً من الهيدروجين الخالي من الكربون بحلول العام 2027. فضلاً عن مشروع "ينبع" الذي يقع على ساحل البحر الأحمر، ويهدف إلى إنتاج حوالي 400 ألف طن من الهيدروجين المتجدد سنوياً.
إنّ أبعاد التعاون بين البلدين تتخطّى العلاقات الاقتصادية لتطال توازنات النفط والغاز. ومن هذا الباب، ترسل السعودية رسائل سياسية تفيد بأنّها منتِج موثوق للنفط والغاز خارج الاصطفافات والتوتّرات السياسية والأمنية التي تغرق فيها المنطقة والعالم في الوقت الحالي، وبالتالي هي لاعب قويّ ومؤثّر على المستويين الاقتصادي والسياسي. وكذلك، تقوّي تركيا حضورها السياسي وتعزّزه بنشاط اقتصادي مع سَنَد قويّ في المنطقة، هو السعودية. علماً أنّ البلدين غير بعيدين عن التعاون في مجال الطاقة، إذ جرى توقيع مذكرة تفاهم في تموز 2023 حول التعاون في مجال الطاقة، يشمل تعزيز التعاون في مجال الربط الكهربائي وتبادل الخبرات في مجالات التوليد والنقل والتوزيع والشبكات الذكية. إلى جانب التعاون في مجال الهيدروجين والتعاون في مجال البحث والتطوير لتعزيز استخدامه في مجال الطاقة.
