من الدوحة… قطر تعيد ضبط قواعد سوق الغاز العالمي

جاد هانيالثلاثاء 2026/02/03
Image-1770133850
الدوحة تعيد رسم سوق الغاز (العربي الجديد)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يكن انطلاق أعمال مؤتمر ومعرض الغاز الطّبيعيّ المسال (LNG2026) أمس في الدوحة، "ملتقًى قطاعيًّا" بالمعنى التّقليديّ، بل كان أقرب إلى "جسّ نبضٍ" تقاس فيه شهيّة العالم للطّاقة، وتختبر فيه قدرة المنتجين على فرض شروطهم في سوقٍ تتقلّب بين سرديّتين متعارضتين: تخمةٍ معروضةٍ على الورق خلال الأعوام المقبلة، ونقصٍ محتملٍ إذا سبق الطّلب التّوسّعات أو تعطّلت سلاسل الإمداد. وما يجعل المؤتمر هذا العام مختلفًا أنّ الأسئلة لم تعد تقنيّةً، من يضمن الإمداد عندما تصبح الجغرافيا السّياسيّة جزءًا من فاتورة الشّحن؟ ومن يدفع ثمن "الكربون" حين يتحوّل من شعارٍ مناخيٍّ إلى شرط تمويلٍ وتأمينٍ وعقدٍ؟

ضمن هذه المعادلة، تدخل قطر إلى قاعة المؤتمر من موقعٍ لا يشبه موقع "مصدّرٍ كبيرٍ" فحسب، بل موقع لاعبٍ يحدّد شكل السّوق نفسه. التّوسّعات القطريّة ليست مجرّد زيادة إنتاجٍ، بل إعادة كتابةٍ لميزان القوّة بين العقود الطّويلة والأسعار الفوريّة، وبين أمن الطّاقة وقيود الامتثال المناخيّ. لذلك يبدأ الحديث عن قطر اليوم من المؤتمر، لكنّه لا يتوقّف عنده، بل يمتدّ إلى حقل الشّمال، وإلى رأس لفّان، وإلى أسطول النّاقلات الذي يعامل كأداة تسعيرٍ بقدر ما هو وسيلة نقلٍ، وإلى شبكة عقودٍ تعيد ترتيب العلاقة بين المنتج والمشتري في زمنٍ يضيق فيه هامش الخطأ. ومن اللافت أنّ المؤتمر بدأ بإشاراتٍ عمليّةٍ على هذا الدّور، صفقة توريدٍ طويلةٌ مع "جيرا"، ثلاثة ملايين طنٍّ سنويًّا لمدّة 27 عامًا، بما يشبه عودةً قطريّةً إلى السّوق اليابانيّة عبر عقدٍ طويلٍ، لا عبر مزادٍ فوريّ.

 

من قاعة المؤتمر إلى دفتر العقود

اللافت في صفقة "جيرا" ليس حجمها فقط، بل طول أمدها، وما يعنيه في سوقٍ كان يقال إنّ المشترين فيها انتصروا نهائيًّا عبر العقود القصيرة والوجهات المفتوحة. في الخلفيّة، كانت حصّة قطر من الصّادرات إلى اليابان قد تراجعت خلال السّنوات الأخيرة مع احتدام المنافسة وتفضيل المشترين عقودًا أقلّ تقييدًا، فيما تصرّ الدّوحة تقليديًّا على ضوابط الوجهة وحزمٍ تعاقديّةٍ طويلةٍ تؤمّن تمويل المشاريع العملاقة. وستساعد الاتفاقيّة على تعزيز مكانة قطر في السّوق اليابانيّة، في ظلّ اشتداد المنافسة مع الولايات المتّحدة، ومع الإمارات وعمان.

وقد سيطرت قطر على السّوق اليابانيّة في الماضي، وكانت من بين أكبر ثلاثة مورّدين للغاز الطّبيعيّ المسال إلى اليابان قبل عقدٍ، إذ شحنت ما بين 15 و16 مليون طنٍّ سنويًّا إلى البلد الآسيويّ بين عامي 2012 و2014. وفي عام 2025، بلغت صادرات قطر من الغاز الطّبيعيّ المسال إلى اليابان 3.59 ملايين طنٍّ.

صفقة اليوم تبدو وكأنّها امتحان لمدى قابليّة المشترين للعودة إلى "الأمن التّعاقديّ" عندما تتزايد ضغوط الطّلب، من مراكز البيانات والذّكاء الاصطناعيّ، إلى التّحوّل الأوروبيّ بعد الغاز الرّوسيّ.

هنا يبرز الفرق بين منتجٍ يعتمد على دوراتٍ استثماريّةٍ قصيرةٍ نسبيًّا، ومنتجٍ يبني قدرته التّنافسيّة على وفورات الحجم وانخفاض الكلفة الحدّيّة والتّكامل الكامل بين الحقل والميناء والأسطول. قطر، تاريخيًّا، تفضّل أن تربح مرّتين، مرّةً حين تبيع الغاز، ومرّةً حين تضمن استمرار تشغيل أصولها لعقودٍ، بما يبرّر التّوسّعات ويحسّن شروط الاقتراض والتّأمين. والمؤتمر، عمليًّا، هو المكان الذي تتحوّل فيه هذه الفلسفة إلى عقودٍ "تربط" المشترين بخريطة الإمداد القطريّة، بدلًا من أن تطارد قطر المشترين في سوقٍ متقلّبة.

 

اقتصاد الحجم يسبق اقتصاد السّياسة

يستند الوزن القطريّ إلى قاعدةٍ إنتاجيّةٍ يعاد تكبيرها بسرعةٍ، توسعة حقل الشّمال هي العمود الفقريّ لخطّة رفع الطّاقة من 77 مليون طنٍّ سنويًّا إلى 126 مليونًا بحلول 2027، مع بدء إنتاج التّوسعة في النّصف الثاني من 2026، ثم الوصول إلى 142 مليون طنٍّ سنويًّا قبل نهاية العقد عبر المرحلة اللاحقة. هذه ليست أرقامًا تقنيّةً بحتةً، إنّها تعريفٌ جديدٌ لحدود المنافسة، كلّما ارتفعت القدرة القطريّة منخفضة الكلفة، ازدادت صعوبة دخول مشاريع أعلى كلفةً إلى السّوق من دون حمايةٍ بعقودٍ طويلةٍ أو دعمٍ سياسيٍّ، ماليّ.

في المقابل، تظهر التّقديرات الدّوليّة أنّ موجة التّسييل العالميّة حتى 2030 تقودها دولتان أساسًا، الولايات المتّحدة وقطر. تقرير وكالة الطّاقة الدّوليّة يضعهما معًا عند نحو 70% من القدرة الجديدة المتوقّعة حتى 2030، ما يعني أنّ "سعر السّوق" وشروطه سيتأثّران عمليًّا بإيقاع هاتين الكتلتين، ما يبنى، وما يتأخّر، وكيف تموّل المشاريع، وبأيّ شروطٍ تباع.

 

الأسطول كأداة تسعيرٍ، لا كوسيلة نقلٍ

وإذا كان الغاز المسال تجارة مسافاتٍ، فالناقلات جزءٌ من معادلة التّسعير بقدر ما هي جزءٌ من اللوجستيات. قطر قرأت ذلك مبكّرًا، وتوسّع اليوم ذراعها البحريّة على نحوٍ يشبه "احتكارًا إيجابيًّا" لسلسلة الإمداد، طلبات بناءٍ تلامس 128 ناقلةً ضمن برنامج توسعة الأسطول، بينها ناقلاتٌ عملاقةٌ من طراز QC-Max بسعةٍ قياسيّةٍ تقارب 271 ألف مترٍ مكعّبٍ، مع تسليماتٍ تمتدّ من 2028 إلى 2031. في سوقٍ ترتفع فيه كلفة الشّحن والتّأمين مع التّوتّرات الجيوسياسيّة، تصبح القدرة على توفير السّفينة والجدول والحمولة في الوقت ذاته ميزةً تنافسيّةً تترجم مباشرةً في سعر العقد وهامش الرّبح.

بهذا المعنى، لا تراهن الدّوحة على زيادة الإنتاج فقط، بل على تقليل "احتكاك" السّلسلة كاملةً، من التّسييل في رأس لفّان إلى الشّحن، إلى إعادة التّوجيه عند الحاجة. لكنّ المرونة هنا "محكومةٌ"، فهي تدار ضمن عقودٍ طويلةٍ تبقي المشتري داخل شبكة الإمداد القطريّة، بدلًا من أن تمنحه حرّيّةً مطلقةً قد تضعف قدرة قطر على التّخطيط الاستثماريّ.

 

أوروبا، سوقٌ يريد الغاز، ويعقّد شروطه

تدرك قطر أنّ الاتّحاد الأوروبيّ ليس زبونًا عاديًّا، هو سوقٌ كبيرٌ، لكنّه مثقلٌ بتشريعاتٍ مناخيّةٍ وسلاسل تدقيقٍ وقيود امتثالٍ تتحوّل إلى مخاطر قانونيّةٍ على المورّدين. خلال الأشهر الماضية، تصاعد التّوتّر حول تشريعات الاستدامة الأوروبيّة وإمكان فرض غراماتٍ على الشّركات غير الممتثلة، إلى حدٍّ أنّ الدّوحة لوّحت بإعادة النّظر في الإمدادات إذا لم تؤخذ مخاوفها بجدّيّةٍ. وفي مؤتمر الدّوحة نفسه، برزت نبرةٌ نقديّةٌ من قادة شركاتٍ كبرى للقيود الأوروبيّة، مع تأكيدٍ قطريٍّ على ضرورة "واقعيّة" السياسات التي ترفع كلفة الطّاقة على المستهلك النهائيّ.

النّتيجة أنّ أوروبا قد تنتهي إلى معادلةٍ متناقضةٍ، تريد عقودًا تضمن أمن الإمداد، لكنها تضيف طبقات امتثالٍ تجعل التّعاقد أصعب. وقطر، من جهتها، تحاول أن تحوّل هذه القيود إلى فرصةٍ، كلّما ارتفعت كلفة الامتثال، ازدادت أفضليّة المنتج منخفض الكلفة القادر على الاستثمار في خفض الانبعاثات وشراء "شرعيّةٍ كربونيّةٍ" تسهّل التّمويل والتّأمين.

 

الكربون ليس هامشًا، بل شرط سوقٍ

في السّنوات الأخيرة، لم يعد التّنافس في الغاز المسال يدور حول السّعر وحده، بل حول "بصمة" كلّ طنٍّ، انبعاثات الميثان، وكثافة الكربون، وبرامج الالتقاط والتّخزين. قطر تعلن توجّهًا لتوسيع قدرات التقاط الكربون في رأس لفّان إلى 7، 9 ملايين طنٍّ سنويًّا بحلول 2030، وأكثر من 11 مليونًا بحلول 2035، فيما تقدّم مشاريع خفض الانبعاثات بوصفها جزءًا من حزمة التّوسعة، لا ملحقًا لها.

وفي المسار نفسه، يظهر الاستثمار في منتجاتٍ مرتبطةٍ بسلسلة الغاز مثل "الأمونيا الزّرقاء"، مع مشروع إنتاجٍ بقدرة 1.2 مليون طنٍّ سنويًّا يفترض أن يبدأ التشغيل في 2026، وفق تغطيةٍ صحفيّةٍ. الرّسالة هنا واضحةٌ، قطر لا تريد فقط بيع الغاز، بل بيع "غازٍ قابلٍ للبيع" في أسواقٍ تحاسب الكربون.

 

رهان 2030، وفرةٌ مؤقّتةٌ أم فجوةٌ جديدةٌ؟

الجدل الذي يرافق LNG2026 اليوم ليس حول ما إذا كانت قدراتٌ جديدةٌ ستدخل السّوق، بل حول ما إذا كان الطّلب سيبتلعها سريعًا. بعض التحليلات تحذّر من تخمةٍ مع دخول موجاتٍ أميركيّةٍ وقطريّةٍ بين 2026 و2029، فيما يذهب الخطاب القطريّ، المسنود بحديثٍ متزايدٍ عن طلب الذّكاء الاصطناعيّ ومراكز البيانات، إلى احتمال انقلاب "التّخمة" إلى نقصٍ مع حلول 2030 إذا تأخّرت مشاريع أو تسارع الطّلب الآسيويّ.

في كلتا الحالتين، تبدو قطر مستفيدةً، إن حصلت وفرةٌ، تفوز الأقلّ كلفةً، وتخرج المشاريع الأعلى كلفةً تدريجيًّا من سباق العقود. وإن حصل نقصٌ، تصبح القدرة الفائضة القطريّة أداة توازنٍ للسّوق. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث