في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن إطلاق ميزة جديدة في تطبيق "شام كاش" تتيح التحويل بين الدولار والليرة السورية الجديدة، لا يزال التطبيق يواجه انتقادات تتعلق بمحدودية استخدامه ووضعه القانوني، واحتمالات تعرّضه لعقوبات أو قيود دولية.
كما تبرز إشكاليات تقنية وأمنية جدّية تحيط به، تتعلق بحماية البيانات الحساسة والبنية التحتية الرقمية المشغّلة له، ما يضيف طبقة جديدة من القلق لدى المستخدمين.
تجارب متباينة في السوق
مدير إحدى شركات الحوالات والصرافة في دمشق وحلب فضّل عدم ذكر اسمه قال لـ"المدن"، إن شركته تعتمد على "شام كاش"، وهو يؤدي دوراً جيداً في المرحلة الحالية.
وأوضح أن الأجور تُستوفى حالياً على التحويلات بالليرة السورية فقط، في حين تُنفّذ تحويلات الدولار من دون رسوم، مشيراً إلى أن هناك وعوداً بفرض أجور لحوالات الدولار في وقت قريب.
ويقول محدثنا إن التطبيق يتيح له تسليم واستلام مبالغ كبيرة مهما كانت قيمتها، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود مكاتب تفرض عمولات تتراوح بين 1 و2 في المئة، وهي عمولات غير قانونية حالياً، لكنها باتت، بحسب وصفه، أمراً شائعاً ومقبولاً في السوق.
وبرّر ذلك بأن المكتب الذي يسلّم حوالة يضطر أحياناً إلى تعويض نقص السيولة لديه عبر تحويل رصيده إلى التطبيق، ما يحمّله أعباء إضافية ينقلها بدوره إلى الزبائن.
من جهته يقول إياد، وهو عامل في شركة تقدّم خدمات الشحن في دمشق، إن الشركة لم تنشئ حتى الآن حساباً خاصاً بها على "شام كاش"، وتعتمد بشكل أساسي على الحوالات البنكية، ولا سيما أنها تتعامل مع شركات خارج سوريا، وهو ما لا يدعمه التطبيق.
ويضيف لـِ "المدن" أن بعض الزبائن يصرّون أحياناً على الدفع عبر "شام كاش". وفي هذه الحالات يتم الاستلام عبر حساب شخصي يعود لأحد الموظفين القدامى في الشركة.
ويشير إياد إلى أن الطلب على التعامل عبر التطبيق لا يزال محدوداً، رغم تعدد خدماته، مثل تحويل الرصيد، دفع الفواتير، ورسوم المعاملات الرسمية كالتعليم ووزارتي التربية والتعليم العالي، مرجعاً ذلك إلى أن شريحة واسعة من الناس لم تعتد بعد على هذا النمط من التعاملات.
قدرة تشغيلية محدودة
من جهته، يرى الباحث ومدير منصة الاقتصادي يونس الكريم، أن تطبيق "شام كاش" بدأ يكتسب دوراً متنامياً في السوق، كنتيجة مباشرة لحالة النقص الحاد في السيولة. هذا الواقع حوّله إلى أداة تنفيذ أساسية للعمليات المالية اليومية، من تسليم الرواتب إلى الشراء والبيع والحوالات، ليغدو بديلاً شبه إلزامي في التعاملات الصغيرة، على حساب التداول النقدي بالليرة السورية.
ويؤكد الكريم خلال حديثه لـ"المدن" أن الجدل المحيط بالتطبيق، سواء لجهة عدم حصوله على ترخيص رسمي داخل سوريا، أو ارتباطه بالمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، أو المخاوف من إمكانية تعرّضه لعقوبات دولية مرتبطة بغسيل الأموال، لا يمثّل جوهر المشكلة الفعلية، وأن المشكلة الأساسية، وفق تقديره، تكمن في محدودية القدرة التشغيلية للتطبيق.
وبالرغم من أن "شام كاش" قادر نظرياً على استقبال مبالغ كبيرة، إلا أن الواقع يكشف عن عجز الأفراد والشركات عن تمرير مبالغ مرتفعة عبره، سواء بسبب نقص السيولة لدى الجهة المنفّذة، أو لغياب بنية تقنية قادرة على استيعاب حجم أكبر من الحركة المالية. كما أن تنفيذ عمليات ضخمة عبره قد يثير الانتباه إليه كأداة محتملة لغسيل الأموال.
ويحذّر الكريم من الرهان على التطبيق كحل لأزمة السيولة، معتبراً أنه غير قادر فعلياً على تعويض غياب النقد، بل قد يؤدي الاعتماد عليه إلى تعقيد المشهد النقدي بدلاً من معالجته.
توجّه رسمي لتقنين الاستخدام
ويوضح الكريم أن المصرف المركزي يتجه إلى تقنين استخدام الشركات للتطبيق، عبر تحويله من أداة مصرفية محدودة إلى أداة تحويل شعبية، أقرب إلى خدمات شركات الاتصالات.
ويأتي هذا التوجّه - بحسب الكريم - في محاولة للالتفاف على الانتقادات الموجّهة إلى التطبيق، وإلى غياب منظومة قوانين مصرفية واضحة للامتثال والتحقق.
وبناء على ذلك، يُرجّح أن يبقى "شام كاش" محصوراً بالتعاملات الداخلية ورواتب الموظفين، ضمن نظام عمليات مغلق، يعمل كعملة إلكترونية سورية للاستخدام المحلي فقط. في المقابل، يعمل المصرف المركزي على تطوير تطبيق آخر مخصّص للحوالات الخارجية، وهي خدمة لا يوفرها "شام كاش" حالياً.
مخاوف أمنية وتجارب مقلقة
تقول هبة، وهي موظفة في وزارة التربية، إنها باتت تحوّل راتبها فور تقاضيه، ولا تترك أي رصيد على "شام كاش"، بسبب عدم ثقتها بالتطبيق وخوفها من توقفه المفاجئ أو تعطل هاتفها.
وتضيف أنها سمعت عن حالات فقد فيها مستخدمون القدرة على الدخول إلى حساباتهم بعد التحديثات الأخيرة. ورغم أن ذلك لم يحدث معها شخصياً، إلا أن القلق لا يزال حاضراً.
وتلفت هبة إلى وجود ثغرات واضحة في آلية إنشاء الحسابات، موضحة أنها استطاعت فتح حساب دون إدخال اسم الأب الحقيقي أو الرقم الوطني الصحيح، بعد استخدام الرقم الوطني الخاص بوالدتها بسبب ضياع هويتها، ومع ذلك تم تفعيل الحساب دون عوائق.
شكاوى بلا ردود
وبحسب ما رصدت "المدن"، فإن الصفحة الرسمية لـ"شام كاش" مليئة بتعليقات تشتكي من أخطاء في التسجيل، أو التحويل، أو الخروج المفاجئ من الحسابات، وغالبية هذه الشكاوى لا تلقى أي رد.
كما حاولت "المدن" التواصل مع خدمة العملاء عبر التطبيق، وكذلك عبر "ماسنجر"، وهما القناتان المتاحتان للتواصل، من دون أن تتلقى أي رد حتى لحظة كتابة هذه السطور، سواء لتوضيح الميزات المضافة أو للإجابة عن تساؤلات المستخدمين.
تحذيرات رقمية
وفي تقرير صادر عن المركز السوري للأمن الرقمي في حزيران 2025، أُشير إلى أن التطبيق غير متاح عبر المتاجر الرسمية مثل Google Play أو App Store، ما يعني أنه لم يخضع لفحوص الأمان القياسية، رغم تعامله مع بيانات شخصية ومالية حساسة، من دون سياسة خصوصية معلنة أو إطار قانوني واضح ينظم ذلك.
وتشير معطيات تقنية إلى أن أجزاء من البنية التحتية للتطبيق، بما فيها لوحات الإدارة، تعتمد أنظمة مصادقة ضعيفة، إضافة إلى رصد ثغرات تتعلق بالتشفير وإدارة المفاتيح الرقمية، تتيح نظرياً الوصول إلى محتوى الاتصالات المالية.
والأخطر، وفق التقرير، أن ملف تثبيت للتطبيق جرى تداوله خارج القنوات الرسمية، وصُنّف من قبل منصات فحص أمنية على أنه ملف خبيث عالي الخطورة، ما يفتح الباب أمام مخاطر تصيّد واختراق واسع النطاق.
