أزمة الرواتب: السلطة تحاول تفتيت الصفوف والعين على الأساتذة

خضر حسانالاثنين 2026/02/02
5.jpg
تحاول السلطة تفتيت الصفوف وأخذ كل قطاع بشكل منفرد (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

أقرّ مجلس النواب قانون موازنة عام 2026 من دون الاكتراث لمطلب موظفي ومتقاعدي القطاع العام بتصحيح رواتبهم. وعلى مستوى الحكومة، جاءت الأمور ضبابية ومتشابكة. إذ نُقِلَ عن لسان رئيس الحكومة نواف سلام أنّه رفض تصحيح الرواتب بحجّة عدم توفّر المال، ولاحقاً أكّد المكتب الإعلامي لسلام أنّه "وَعَدَ باستكمال النقاش مع الروابط، كما التزم بأن يتم البدء بتصحيح الأجور والرواتب قبل نهاية شهر شباط". في حين أكّد وزير المالية ياسين جابر أنّه "لا يستطيع الالتزام بشيء، وطلب مهلة حتى شهر شباط للاطّلاع على البيانات"، وفق ما نقله العميد المتقاعد شامل روكز.

وانطلاقاً من ذلك، بقي الموظّفون والمتقاعدون بانتظار الفترة بين 15 شباط الجاري ونهايته. إلاّ أنّ تبايناً ظهرَ في مواقف الجهات الممثِّلة للموظفين، وتحديداً بين الأساتذة وموظفي الإدارات العامة. فالأساتذة يتّجهون نحو الإضراب المتقطّع وإفساح المجال أمام التفاوض مع السلطة السياسية، فيما موظفو الإدارات العامة أعلنوا الإضراب المفتوح. وهذا ما يمكن أن تبني عليه السلطة لاستمرار الدفع نحو خرق وحدة الصفّ النقابي، لا سيّما وأنّها استهلَّت تصويتها على الموازنة، بمحاولة استمالة العسكريين المتقاعدين وإعطائهم وعوداً بتحقيق مطالبهم، وذلك بصورة أحادية لفكّ ارتباطهم مع موظفي الإدارات العامة والأساتذة.

 

تباين حول الإضراب

تمكّن العسكريون المتقاعدون من انتزاع وعدٍ بإيجاد حلّ لرواتبهم قبل نهاية شباط، وفق ما أكّده نائب رئيس مجلس النواب، النائب إلياس بو صعب، الذي أشار عقب اجتماع مع العسكريين المتقاعدين، إلى أنّ رئيس الحكومة "جدّد التزامه بإقرار حلّ عادل لرواتب العسكريين، بالإضافة إلى المساعدات المدرسيّة للعامَين 2025 و2026 والتعويضات العائليّة، وذلك قبل نهاية شباط". وانتزاع الوعد أخرَجَ العسكريين من الشوارع وأبقاهم في حالة ترقّب بعيداً عن الإضرابات والتصعيد.

لكن في المقابل، لم يستكن موظّفو الإدارات العامة إلى تلك الوعود، خصوصاً في ظلّ توجّه السلطة للانفراد بالعسكريين المتقاعدين عبر إعطائهم الوعود بفصلهم عن باقي أصحاب الحقوق. ولذلك، أصدرت الهيئة الإدارية لرابطة موظفي الإدارة العامة، اليوم الإثنين، بياناً أكّدت فيه "الالتزام بتصعيد الإضراب في كل الإدارات وذلك أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء". وأشارت إلى أنّ الالتزام الكامل هو "دفاع عن كرامتنا ولقمة عيشنا. وأي تراجع هو شراكة في سرقة حقوقنا". واعتبرت الرابطة أنّ "الإضراب ليس خياراً بل واجب. والتخاذل يطيل الذل ويكافىء من اعتدى علينا بالهراوات وبالموازنات الظالمة".

إلى ذلك، للأساتذة وجهة نظر تقوم على الإضراب المتقطّع، بصيغة يومين كل أسبوع، لإعطاء فرصة أمام السلطة لإقرار تصحيح الرواتب، لا سيّما أنّها وعدت بتحقيق ذلك منتصف الشهر الجاري.

 

وحدة الصف

الخيارات الثلاثة لمكوّنات تلتقي تحت مظلّة تجمّع روابط القطاع العام، عسكريين ومدنيين، لا يعني بالضرورة وجود شرخ، وفق ما يُجمع عليه أهل تلك المكوّنات. ويظهر ذلك من خلال رسالة من المحاربين القدامى إلى العاملين في القطاع العام والهيئة التعليمية، التي أكّدوا فيها أنّ "تجمّع روابط القطاع العام، عسكريين ومدنيين، وُلد ليكون السدّ المنيع في وجه أي اعتداء على كرامتنا وحقوقنا. ورغم محاولات السلطة استدعاء كل قطاع على حدة، إلا أن كلمتنا واحدة، ومطالبنا مشتركة بين جميع القطاعات". وجاء في الرسالة أنّ "لعبة السلطة القائمة على تفتيت الصفوف وأخذ كل قطاع بالقطعة أو بشكل منفرد، هدفها واضح: ضرب وحدة هذا التجمّع ومنع حضوره المطلبي الجامع. لذلك ندعو جميع مكوّنات التجمّع إلى المزيد من الاتحاد والتضامن، لأن قوتنا في وحدتنا".

بالتوازي، يقابل موظّفو الإدارات العامة ومتقاعدوها صلابة العسكريين المتقاعدين بصلابة موازية تحثّ على وحدة الصف. فأكّد عضو التيار النقابي المستقلّ، محمود حيدر، أنّ "كل الجهات واعية لمحاولات السلطة تفتيت الصفوف، ولذلك، الشرذمة غير واردة". وأشار حيدر في حديث لـ"المدن"، إلى أنّ "سياسة التفريق التي تعتمدها السلطة ليست جديدة". ورأى أنّ التخبّط الذي حصل على مستوى الإعلان تارة عن عدم توفّر المال لتصحيح الرواتب، وتارة أخرى عن إعطاء وعود لمنتصف الشهر أو نهايته، مردّه إلى أنّ القرار ليس بيد وزير المالية أو رئيس الحكومة أو الحكومة مجتمعة، بل لدى مَن يدير اللعبة من الخارج، أي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فهما يريدان ضرب القطاع العام، وخصوصاً النظام التقاعدي. وللأسف، استجاب مجلس الخدمة المدنية للمطالب، عبر موضوع خفض الراتب التقاعدي من 85 بالمئة إلى 70 بالمئة، علماً أنّ هناك أصواتاً تطالب بخفضه إلى 60 بالمئة".

وليس سرّاً، أنّ بعض التراخي التُمِسَ من ناحية رابطة التعليم الثانوي، إذ رغم تمسّكهم بوحدة الصفّ والإصرار على تحقيق المطالب، إلاّ أنّ صيغة الإضراب المتقطّع والقبول بزيادة 12 بالمئة على الرواتب وليس 50 بالمئة في المرحلة الأولى، يُنذر باحتمال تطوّر التراخي إلى شرخ، طالما تظهر الرابطة أنّها خاصرة رخوة. وعلمت "المدن" وجود تباين في الرأي داخل الرابطة، بين مَن يصرّ على وحدة الموقف والمطالب والتحرّكات مع رابطة موظفي الإدارة العامة، وبين مَن يريد التوصّل إلى صيغة توافقية مع السلطة السياسية. وهذا أمر متوقَّع طالما أنّ الرأي الغالب بين الأساتذة، يلتزم بما تقرّره أحزاب السلطة، ويُتَرجّم بنتائج التصويت في الهيئات العامة للأساتذة.

 

الخاصرة الرخوة

تصدّر الأساتذة مشهد التحرّكات يوم إقرار موازنة 2026، إثر تعرّضهم للضرب على يد القوى الأمنية، وبدل أن يزيدهم ذلك إصراراً على المطالب ورفع السقف، على الأقل للمطالبة بـ50 بالمئة من الرواتب التي كانت قبل العام 2019، يذهب الأساتذة نحو خفض السقف، بدءاً من طرح الحصول على 12 راتب. علماً أنّ هذا السقف غير مضمون، إذ أكّد عضو هيئة إدارية في رابطة التعليم الثانوي، علي طفيلي أنّه "رغم طرحنا المطلب على القوى السياسية وتجاوبها معنا، إلاّ أنّ لا نية لدى الدولة بإعطاء شيء للأساتذة، وظهر ذلك من خلال إقرار الموازنة بلا زيادات والتعرّض للأساتذة بالضرب". واعتبر طفيلي في حديث لـ"المدن" أنّ ما حصل "كان يجب أن يكون سبباً لإعلان الإضراب المفتوح، خصوصاً بعد 4 أشهر من التسويف. لكن الهيئات الإدارية لروابط الأساتذة، ارتأت التوجّه نحو الإضراب التصاعدي، وهو ما يحال إلى الهيئات العامة للتصويت عليه". لكن يبقى أنّه في حال "لم يقرّ مجلس الوزراء بحقوقنا، فسنذهب للتصعيد وصولاً إلى الإضراب المفتوح".

لكن الإضراب المتقطّع، بنظر حيدر، هو فرصة للسلطة لتفتيت الصفوف، لذلك "على روابط التعليم الذهاب نحو التصعيد لتقرّر الحكومة إعطاء المطالب تحت الضغط. فمن أعراف العمل النقابي هو رفع السقف بالمطالبة بكامل الحقوق وترك الحلّ عند الحكومة لتقترح ما لديها بحسب امكاناتها".

 

حتى اللحظة، لا يزال الموقف صلباً رغم التباين في طريقة التعبير عن الموقف، إمّا بانتظار منتصف الشهر الجاري أو الإضراب المتقطّع كتسجيل موقف غير صدامي مع السلطة. لكن مفترق الطرق يظهر بين 15 و28 شباط، فحينها ستقرّر الروابط الممثّلة للموظفين والمتقاعدين، ما ستؤول إليه الأحوال، فإمّا التصعيد وفق سقف مرتفع عماده الـ50 بالمئة أو التشتّت تبعاً لما يرتضيه كل طرف لنفسه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث