لم تكن خطابات الزعماء الأوروبيين في منتدى دافوس مجرّد دعوات للتعاون الاقتصادي الدولي، كما هي العادة في هذا النوع من المناسبات. بل عبّرت الكلمات عن قلق أوروبي عميق، إزاء عالم يتفكّك، ما يفرض إعادة النظر في موقع القارّة بين القوى الكبرى. ولذا جاءت الكلمات مُحمّلة بهواجس الجغرافيا السياسيّة، حيث تداخلت حسابات الأمن بالصراع على سلاسل التوريد والإمداد، فباتت السياسات الاقتصاديّة امتداداً لاستراتيجيّات السيطرة. ولم يكن قادة أوروبا يخاطبون المستثمرين هنا، بل باتت رسائلهم موجهة إلى عالمٍ مأزوم، بالنزاعات والحروب التجاريّة والحمائيّة، وتراجع القيم الليبراليّة التي حكمت العقود السابقة.
"المدن" تترجم وتعرض كلمة رئيسة المفوضيّة الأوروبيّة أورسولا فون دير لايين، التي كانت الأكثر تعبيراً عن هواجس ومخاوف أوروبا إزاء التحوّلات العالميّة الراهنة. إذ جاء خطابها أشبه ببيان سياسي، معلنًا نهاية مرحلة وبداية أخرى في التفكير الاستراتيجي الأوروبي. وإذا كان هناك من سمة أساسيّة لتلك الكلمة، فهي التشديد الصريح على الاستقلاليّة الأوروبيّة، وانتهاء زمن التبعيّة للمظلّة الأميركيّة.
من صدمة نيكسون إلى صدمة ترامب
عادت فون دير لايين بالزمان إلى العام 1971، الذي يُذكر بـ "صدمة نيكسون"، وقرار فك ارتباط الدولار الأميركي عن الذهب. في لحظة واحدة، انهارت -يومها- أسس نظام بريتون وودز والنظام الاقتصادي العالمي، الذي أُقيم بعد الحرب العالميّة الثانية. لكن ذلك الحدث قدّم لأوروبا درساً حاداً، حول ضرورة تعزيز قوتها الاقتصادية والسياسية. وكان ذلك تحذيراً بوجوب تقليص اعتمادها -في تلك الحقبة- على عملة أجنبية (وهي الدولار).
قد يكون العالم اليوم مختلفًا جدًا عن تلك المرحلة، بلا شك. لكنّ فون دير لايين تعتبر أنّ الدرس ما زال نفسه إلى حدٍ كبير. فالصدمات الجيوسياسيّة الراهنة يمكن، بل ويجب، أن تكون فرصة لأوروبا. ومن وجهة نظرها، إن التحوّل الذي يمرّ به العالم اليوم هو ضرورة لبناء شكل جديد من الاستقلال الأوروبي. لقد كان هذا الاستقلال حاجة بنيويّة منذ فترة طويلة، وجاءت هذه الأحداث اليوم لتدفع بهذا الاتجاه. ولتؤكّد على هذه النقطة، تستعيد فون دير لايين ردود الفعل المشكّكة التي واجهتها، حين طرحت مصطلح "الاستقلال الأوروبي" قبل نحو عام، فيما بات هناك إجماع حقيقي حول هذا المفهوم الآن، بعد كل الأحداث التي جرت.
وفي خطابها، تمضي فون دير لايين في تعداد الأمثلة التي تؤكّد على اتجاه أوروبا لتنويع شركائها التجاريين، والابتعاد التبعيّة للولايات المتحدة الأميركيّة، وخصوصًا بعد الخضات الأخيرة التي سببها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فقبل أيام قليلة، كانت فون دير لايين في البراغواي، لتوقيع اتفاقيّة التجارة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة "ميركوسور". وبهذه الاتفاقية، أنشأ الاتحاد الأوروبي وأميركا اللاتينية معاً أكبر منطقة تجارة حرة في العالم، حيث ستمثّل هذه السوق أكثر من 20 بالمئة من الناتج المحلّي الإجمالي العالمي.
ولن يتوقف هذا التوجّه عند أميركا اللاتينية. في العام الماضي، توصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاقيات تجاريّة جديدة مع المكسيك وإندونيسيا وسويسرا، وهو يعمل الآن على اتفاق مماثل مع أستراليا، كما يحرز تقدماً في المفاوضات مع الفلبين وتايلاند وماليزيا والإمارات العربية المتحدة. وبعد منتدى دافوس مباشرة، ستمضي فون دير لايين إلى الهند، لمواصلة العمل على "أم جميع الصفقات"، أي اتفاقيّة التجارة الحرّة المنتظرة بين الاتحاد الأوروبي والهند. هذه الصفقة وحدها، من شأنها أن تنشئ سوقاً يضم ملياري شخص، وقرابة ربع الناتج المحلّي الإجمالي العالمي.
المزايا التنافسيّة
تعكس كل تلك الصفقات، بحسب فون دير لايين، امتلاك أوروبا لجميع المقومات التي تحتاجها لجذب الاستثمارات: المدخرات، والمهارات، والابتكار، مع المصانع العملاقة والتطبيقات الضروريّة لتطوير الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، ثمّة حاجة للمزيد من الخطوات لتعبئة الإمكانات الأوروبيّة الجماعيّة، واستغلالها إلى أقصى إمكاناتها.
الخطوة الضروريّة الأولى، هي إنشاء بيئة تنظيميّة مؤاتية وقابلة للتنبؤ. فنحن نعيش في عصر يمكن فيه لرؤوس الأموال والبيانات أن تعبر أوروبا في ثانية واحدة، ويجب على الشركات أن تكون قادرة على التحرّك بالسهولة نفسها. وتكمن المشكلة حالياً في اضطرار بعض الشركات الأوروبيّة إلى البحث عن النمو خارج أوروبا، لأنها تواجه مجموعات من القواعد المعقّدة عند محاولة التوسّع إلى دول أعضاء جديدة داخل الاتحاد الأوروبي.
ولذا، تحتاج أوروبا إلى نهج جديد في التعامل مع الشركات. ولهذه الغاية، سيقدّم الاتحاد الأوروبي نظامًا جديدًا، لتطبيق مجموعة موحدة من القواعد التنظيميّة على الشركات الأوروبيّة، في جميع أنحاء الاتحاد. وهذا ما سيسمح للشركات من العمل عبر الدول الأعضاء بسهولة أكبر، كما سيتمكّن روّاد الأعمال والشركات المُبتكرة من تسجيل الشركات في أي دولة عضو في الاتحاد خلال 48 ساعة، عبر الإنترنت. وهذا ما سيجعل الاتحاد الأوروبي سوقًا استثماريّة ورأسماليّة موحدة، تماماً كحال الولايات المتحدة الأميركيّة والصين.
أمن الطاقة والدفاع
بعد الحديث عن السوق الاستثماريّة الموحدة، تنتقل فون دير لايين لتحديد أولويّات الاتحاد في مجال الطاقة. فالطاقة تمثّل حاليًا عنق الزجاجة في الاقتصاد الأوروبي، حيث تحتاج أوروبا إلى خطّة تجمع كل أجزاء شبكة الطاقة على امتداد دول الاتحاد. ولهذا السبب، تستثمر أوروبا حالياً بكثافة في أمنها الطاقوي، عبر ربط الشبكات بين دول الاتحاد، مع خفض الأسعار وضع حد لتقلّبها. ورغم وجود هذه الجهود حالياً، من المهم تسريع هذا الانتقال، لأن الطاقة المحليّة والموثوقة والمرنة والرخيصة ستقود أوروبا إلى النمو الاقتصادي، وستؤمّن استقلاليّتها.
وفي مجال الدفاع، فعلت أوروبا خلال العام الماضي أكثر مما فعلته في عقود. فأوروبا بدأت طفرة في الإنفاق الدفاعي، بقيمة تصل إلى أكثر من 800 مليار يورو خلال السنوات الممتدة حتى العام 2030. وساعد هذا الواقع على مضاعفة القيمة السوقيّة لشركات الصناعات الدفاعيّة الأوروبي، بنحو ثلاث مرّات، منذ العام 2022. كل ذلك كان من غير المتخيَّل حتى قبل بضع سنوات، وهذا يُظهر مدى ترابط الاقتصاد والأمن القومي اليوم أكثر من أي وقت مضى. كما يُظهر -بحسب فون دير لايين- ما يمكن إنجازه عندما "يمتلك الأوروبيون الإرادة لمجاراة الطموح".
أمن القارّة
بعد استطرادها في الحديث عن الاستقلال الأوروبي، تبدأ فون دير لايين بالحدث عن الأمن، وتحديداً في قضيّة غرينلاند. فعندما يتعلّق الأمر بأمن المنطقة القطبيّة الشماليّة، "ستكون أوروبا ملتزمة بالكامل". ولذا، تعمل أوروبا على رزمة دعم لأمن القطب الشمالي، انطلاقًا من مبدأ التضامن الكامل مع غرينلاند ومملكة الدنمارك، إذ أن سيادة أراضيهما ووحدتها غير قابلة للتفاوض. وفي الوقت نفسه، يعمل الاتحاد الأوروبي على دفعة استثمارية ضخمة في غرينلاند، إلى جانب التنسيق مع الدنمارك لبحث سبل دعم الاقتصاد المحلّي والبنية التحتيّة هناك بشكلٍ أكبر.
وتنهي فون دير لايين كلمتها، مشيرةً إلى أنّها عندما بدأت التحضير لخطاب هذا العام، "لم يكن أمن الشمال العالي هو الموضوع الرئيسي". لكنه، من نواحٍ عديدة، "يصب في النقطة الأوسع التي بدأتُ بها اليوم: على أوروبا أن تسرّع مسارها نحو الاستقلال، من الأمن إلى الاقتصاد، ومن الدفاع إلى الديمقراطية". وهذا يستلزم "الانخراط في الحوار مع أصدقائنا وشركائنا، وحتى مع الخصوم إذا لزم الأمر. فالعالم قد تغيّر بشكل دائم. وعلينا أن نتغير معه".
