في ساحة رياض الصلح، التقت اليوم فئات مختلفة جمعها وجع واحد: المستأجرون القدامى، موظفو الإدارة العامة والمتعاقدون في القطاع العام، والعسكريون المتقاعدون. لم يأتوا بشعارات متناقضة، ولا بمطالب متفرقة، بل بحزمة واحدة من الهموم المعيشية، بالتزامن مع انعقاد جلسة مجلس النواب لإقرار الموازنة، التي يعتبرونها موازنةتتجاوزهم، وتضعهم خارج الحسابات.
من الشمال إلى بيروت: شارع مفتوح على التصعيد
من شمال لبنان إلى قلب بيروت، نفّذ العسكريون المتقاعدون سلسلة اعتصامات، تحرّك تصعيدي بدأ مساء أمس مع نصب خيم احتجاجية، حيث تزايدت أعداد المشاركين اليوم. تحرّك منظّم، لكنه مشحون بالغضب، حاول خلاله المعتصمون اعتراض وصول النواب إلى البرلمان، ومنع سياراتهم من العبور.
لم يتوقف التصعيد عند هذا الحد. لوّح المعتصمون بنصب خيام على الطرقات المؤدية إلى مجلس النواب، في رسالة مباشرة مفادها أن الشارع مفتوح على خيارات تصعيدية، رفضاً لمشروع الموازنة الذي وصفوه بالمجحف بحقوقهم، وبأنه استمرار لسياسة تحميل الفئات الأضعف كلفة الانهيار.
كاسترو عبد الله، رئيس الاتحاد الوطني للنقابات، يقول لـ"المدن": "سنبقى في الشارع، لأن السلطة لا آذان صاغية لها لمطالب الشعب، ولا جدية في الحلول، بل هناك فرض إملاءات". ويضيف "إذا لم تتراجع الدولة، وتذهب إلى إصلاح حقيقي يحفظ الضمان وحقوق المتقاعدين، ويؤمّن زيادة الأجور وإقرار خطة سكنية، فنحن ذاهبون إلى ثورة اجتماعية بدأت، وستستكمل في كل حي".
"بثلاثمئة دولار لا يُبنى جيش"
ويؤكد العسكريون المتقاعدون أن تحرّكهم "سلمي"، لكنهم لا يخفون التلويح بخيارات تصعيدية إضافية في حال استمرار التجاهل الرسمي، مذكّرين بأنهم كانوا في طليعة من حموا الدولة ومؤسساتها، ويجدون أنفسهم اليوم خارج أولوياتها.
أحدهم يختصر المشهد بمرارة قائلاً: "نطلب فقط أن نعيش حياة كريمة، كما جيوش العالم. نعيش اليوم على الهبات، ولم نعد قادرين على التحمّل".
يقاطعه متقاعد آخر: "تركوا الناس لمصيرهم، فيما هم رتّبوا أوضاعهم".
ويضيف عسكري ثالث: "هكذا لا يُكافأ من حمى المواطن والبلد. الجيش الوطني لا يُبنى براتب ثلاثمئة وخمسين دولاراً".
ولم تكن ساحة رياض الصلح حكراً على العسكريين. مستأجر قديم شارك في الاعتصام يقول لـ"المدن": "وجودي هنا للاعتراض على الظلم الذي نتعرّض له. نريد قوانين عادلة للجميع. المالك مظلوم، والمستأجر مظلوم، والدولة غائبة عن دورها".
مشهد ساحة رياض الصلح لم يكن مجرد تحرّك احتجاجي عابر، بل صورة مكثفة عن بلد تتقاطع فيه الأزمات، وتتشابك الحقوق المسلوبة. فئات مختلفة، لكن المطلب واحد: دولة تسمع، وتخطط وتحاسب، بدل أن تكتفي بإقرار موازنات على قياس الانهيار، وتترك الشارع مفتوحاً على المجهول.
