قمح الجزيرة يعود إلى دمشق: هل تنتهي فاتورة الاستيراد؟

دمشق - أحمد عليالاثنين 2026/01/26
GettyImages-2219168712.jpg
عودة قطاع القمح إلى السلطة المركزية في سوريا (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

لطالما وُصفت سهول الجزيرة السورية بأنها سلة غذاء للبلاد، وبالعودة إلى سنوات ما قبل عام 2011، نجد أن محافظات الجزيرة (الحسكة ودير الزور والرقة) ساهمت في تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح لسوريا، بل وتصدير الفائض في بعض المواسم. كانت أراضي هذه المحافظات الخصبة تنتج ملايين الأطنان سنوياً، فوفرت أكثر من نصف حاجة البلاد من القمح، إلى جانب إنتاج معظم القطن والشعير الذي يدعم الثروة الحيوانية. 

ولم تكن تلك الأرقام مجرد إحصاءات زراعية، بل شكلت عصب الأمن الغذائي واستقرار سعر الرغيف، لكن الحرب غيّرت المشهد رأساً على عقب، ودفع السوريون ثمن ذلك كثيراً وصولاً إلى لحظات باتت تستورد فيها البلاد القمح لإنتاج الخبز.

 

سلة القمح السورية تعود

على امتداد عقد مضى، خرجت منطقة الجزيرة السورية عن سيطرة الدولة المركزية، حيث بسطت قوات سوريا الديمقراطية نفوذها على حقول القمح ومشاريع الري الكبرى هناك. وهذا الواقع حرم دمشق من الجزء الأكبر من خيرات تلك المنطقة، فتراجعت كميات القمح التي تصل إلى صوامع الدولة إلى مستويات هزيلة. 

ومع غياب الدعم الحكومي عن الفلاحين وتهالك البنية التحتية الزراعية وتكرار موجات الجفاف، انخفض الإنتاج بشكل حاد. وتشير المعطيات إلى أن محصول القمح في شرق سوريا خلال سنوات سيطرة قسد لم يتجاوز بضع مئات الآلاف من الأطنان سنوياً، مقارنة بملايين الأطنان قبل الحرب. وبنتيجة ذلك، فُقدت قدرة البلاد على إدارة دورة اقتصادية متكاملة تشمل الإنتاج والتخزين والتسعير والدعم، واضطرت سوريا لتعويض النقص عبر الاستيراد المكلف.

اليوم، بعد التطورات الأخيرة وانسحاب قسد من مساحات شاسعة شرق الفرات، عادت سلة القمح الشرقية إلى حضن الدولة المركزية. وأثارت استعادة الحكومة السورية السيطرة على هذه المناطق، بما فيها مشاريع ري حيوية وأراضٍ كانت خارج الخدمة لسنوات، موجة تفاؤل حذر. فمع عودة تلك السهول الخصبة، يعود الأمل بأن تستعيد سوريا قدرتها على زراعة ما يكفي لتأمين خبز أبنائها وتقليص اعتمادها على الأسواق الخارجية. 

في حديث له، وصف المدير التنفيذي في شركة "أكمافيد" العاملة في حقل الإنتاج والتصنيع الزراعي هذه المناطق بأنها كانت القلب النابض للزراعة السورية قبل الأزمة، إذ كانت الحسكة وحدها تنتج ثلث القمح المحلي وتساهم بوفرة في محاصيل أخرى. الآن، وهذا القلب يعود للنبض تحت إشراف دمشق، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ستتمكن الدولة من ترجمة هذا المكسب الجغرافي إلى مكاسب اقتصادية ملموسة؟

 

الأمن الغذائي بين الاكتفاء والاستيراد

رغم أهمية عودة جزيرة الفرات، يواجه تحقيق الاكتفاء الذاتي مجدداً تحديات عميقة، فسنوات الحرب والعقوبات أنهكت الاقتصاد وأضعفت القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي. تشير بيانات منظمة "الفاو" إلى أن إنتاج القمح في سوريا عام 2022 سجل نحو مليون طن فقط، أي أقل بكثير من مستويات ما قبل 2011. 

في المقابل، تحتاج البلاد إلى حوالي 4 ملايين طن سنوياً لتلبية حاجات سكانها من القمح، ما يعني أن الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك قاربت 80% في ذروة الأزمة. وهذا العجز الهائل سدّته الحكومة عبر الاستيراد المكثف للحبوب، فتحولت سوريا من مُصدِّر للقمح قبل الحرب إلى مستورد رئيسي له بعدها.

وبحسب المعطيات، تكبدت الخزينة السورية فاتورة استيراد قمح سنوية تصل إلى نحو 550 مليون دولار في السنوات الأخيرة، بل قُدّر أنها قد تبلغ مليار دولار لتأمين الحاجة لعام كامل إذا استمرت الفجوة الراهنة. واضطرت دمشق للاعتماد شبه الكلي على واردات القمح الروسية من خلال عقود حكومية، كما لجأت في بعض الأحيان لشراء القمح من مناطق سيطرة قسد بالليرة السورية حين تعذّر نقل المحصول إلى الصوامع الحكومية.

إن تأمين الخبز اليومي للمواطن بات مرهوناً بتقلبات السوق العالمية وظروف التسديد بالقطع الأجنبي، ما شكّل ضغطاً هائلاً على الاقتصاد الوطني. يرى الخبير الاقتصادي أيمن ديوب في استعادة الشرق السوري بصيص أمل لإنقاذ البلاد من دوامة "اقتصاد الطوارئ" الذي فرضته سنوات الانقسام. فهو يعتبر أن استرجاع حقول القمح إذا أُحسن استثمارها سيخفف تلقائياً من فاتورة الاستيراد الغذائية، ويحسّن إدارة ملف الدعم الحكومي، ويعزز الأمن الغذائي الداخلي. 

وهذه العوامل المترابطة من شأنها كبح التضخم ودعم استقرار الليرة السورية على المدى الطويل. كذلك تؤكد الحكومة السورية على أهمية هذا التحول؛ إذ صرّح وزير المالية محمد يسار برنية أن عودة منطقة الجزيرة بما فيها من ثروات زراعية ستنعكس مباشرة على الموازنة العامة للدولة، عبر توفير موارد إضافية تسمح بزيادة الإنفاق الاستثماري وتحسين الواقع المعيشي. 

 

عبء الاستيراد ودعم الخبز

حافظت الحكومات المتعاقبة على دعم سعر الخبز لعقود، حتى في أحلك الظروف، ومع تفاقم كلفة الاستيراد وشح الإنتاج المحلي، وجدت الحكومات السورية نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات صعبة لضبط الإنفاق على الدعم. فخلال العامين الأخيرين، رُفع سعر ربطة الخبز المدعوم عدة مرات، وتقلص وزنها القياسي، في محاولة لتخفيف العبء عن الموازنة. فبعدما كانت الربطة تباع بـ 400 ليرة قبل سنوات قليلة، ارتفع السعر الرسمي إلى 1000 ليرة ثم إلى 2000 ليرة، وصولاً إلى 3000 ليرة نهاية 2025، مع تقليل عدد الأرغفة أو وزنها في كل مرة. 

واستهدفت هذه الزيادات تقليص الخسائر الناجمة عن بيع الخبز بأقل من تكلفته الحقيقية، خاصة بعد ارتفاع أسعار القمح المستورد عالمياً وانخفاض قيمة الليرة.

ورغم ذلك، بقي الخبز -حسب المعلن- مدعوماً من الدولة ويباع للمواطنين بسعر رمزي مقارنة بسعر تكلفته، ما يعني استمرار تحمل الخزينة لفاتورة الدعم. ومع عودة حقول القمح الشرقية، يأمل صناع القرار بأن يسهم ارتفاع الإنتاج المحلي في تخفيف العبء المالي لدعم الرغيف. لكن المؤشرات الحالية تنبئ بأن طريق التحرر من الاستيراد ما زال طويلاً. فحتى مع تحسن التوريد المحلي المتوقع، لن تغطي المحاصيل فوراً كامل الطلب المحلي المتزايد. وأمام الحكومة خياران أحلاهما مر، فإما زيادة الإنفاق على الاستيراد لضمان وفرة الخبز المدعوم، أو إعادة هيكلة الدعم ذاته. 

وقد بدأت بالفعل نقاشات رسمية حول توجيه دعم الخبز إلى مستحقيه فقط، بدل إبقائه شاملاً للجميع. إذ يدرس صانعو القرار سيناريوهات تحرير تدريجي لسعر الخبز وتعويض الأسر الأشد فقراً مالياً، بحيث تصل المساعدة لمستحقيها دون أن تُستنزف موارد الدولة بشدة. لكن يحذر بعض الاقتصاديين من أن أي رفع ملموس لسعر الخبز دون مرافقة ذلك بزيادة الرواتب وشبكات حماية اجتماعية سيكون ضربة قاسية لمعيشة السوريين، إذ يعيش نحو 90% منهم تحت خط الفقر وانعدام الأمن الغذائي وفق تقارير الأمم المتحدة. 

من هنا، تراهن الحكومة على أن تستعيد سنابل الجزيرة بريقها سريعاً لتجني ثمارها مالياً واجتماعياً، فكل طن قمح محلي إضافي قد يعني وفراً بالعملة الصعبة وخطوة إضافية للإبقاء على رغيف الخبز في متناول الجميع.

 

تحديات ومكاسب مؤجلة

على الرغم من الأهمية الإستراتيجية لاستعادة حقول القمح الشرقية، إلا أن ثمار هذا التحول لن تُقطف بين ليلة وضحاها، إذ يحتاج القطاع الزراعي إلى فترة زمنية لإعادة التأهيل بعد ما أصابه من أضرار. فمشاريع الري الكبيرة - مثل مشروع ري القطاع السادس في دير الزور - تتطلب صيانة وإعادة تشغيل قبل أن تعود لضخ الحياة في الأراضي العطشى. 

كما أن عودة المزارعين إلى حقولهم التي هجروها لسنوات ليست تلقائية، فالكثيرون منهم خسروا آلاتهم وبذورهم أو تركوا الزراعة تحت وطأة الخسائر. 

لكن بدأت الحكومة السورية الآن خطوات على الأرض لدعم الفلاحين وتشجيعهم على زراعة القمح مجدداً، عبر توفير مستلزمات الإنتاج من بذار وأسمدة بأسعار مدعومة وقروض ميسرة. وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الزراعة برنامج "القرض الحسن" الذي يزوّد المزارعين بالبذار والسماد دون فوائد، على أن تُسترد كلفة الدعم بعد الحصاد. وتستهدف هذه المبادرة زراعة 300 ألف هكتار إضافية، أملاً في إنتاج يتجاوز مليون طن قمح في الموسم المقبل، ما قد يغطي نحو ثلث احتياجات البلاد.

ورغم أن الأرقام واعدة، تبقى رهينة عوامل عديدة مثل توفر الأمطار أو مياه الري الكافية، وتحسن الخدمات في المناطق الريفية التي عانت تهميشاً طويلاً.

 

الطبيعة تواجه الاكتفاء

التحدي الأكبر الذي يواجه تحقيق الاكتفاء القمحي هو الطبيعة نفسها، فمواسم الجفاف المتكررة والتغيرات المناخية أصبحت واقعاً يقلق المزارعين وخبراء الاقتصاد معاً. خلال العامين الماضيين، ضرب جفاف قاسٍ مناطق زراعة الحبوب في سوريا هو الأسوأ منذ عقود، مما أتلف مساحات شاسعة من محصولي القمح والشعير. وفي حال استمرار شح المطر هذا الموسم، قد لا تكفي كل الجهود الحكومية لتعويض الفاقد لكن من الملاحظ لدى العامة أن الأمطار وفيرة هذا العام ما قد يترك أثراً إيجابياً على العملية برمتها. 

ومع هذا، يشدد مختصون على ضرورة إدارة الموارد المائية بكفاءة وإعادة تأهيل السدود وشبكات الري سريعاً، بالتوازي مع إدخال أصناف قمح محسّنة مقاومة للجفاف. 

كذلك يتطلب الأمر دعم خدمات الإرشاد الزراعي لإرشاد الفلاحين إلى ممارسات حديثة تقلل استهلاك المياه وتحسّن غلة الدونم الواحد، فدون هذه الخطوات، قد يبقى الإنتاج دون المأمول حتى لو أصبحت الأرض تحت سيطرة الدولة المركزية.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال أهمية إعادة بناء الثقة مع المزارعين، فسنوات من الأسعار غير المجزية التي حُددت رسمياً لاستلام القمح دفعت كثيرين لترك زراعته والانتقال لمحاصيل بديلة أقل مخاطرة وربحاً أسرع. فعلى سبيل المثال، شهدت مواسم ماضية ابتعاد الفلاحين عن زراعة القمح نحو محاصيل مثل الكمون واليانسون التي تباع بسعر السوق الحر وتحقق دخلاً فورياً. لهذا، فإن تقديم أسعار تشجيعية هذا الموسم لشراء القمح من الفلاحين، وضمان تسويق المحصول دون تعقيدات، سيكون اختباراً مهماً لمدى الجدية في إعادة إحياء الذهب الأصفر. 

كما أن تأهيل صوامع الحبوب الضخمة في الشمال الشرقي – التي تبلغ سعتها التخزينية نحو مليوني طن – سيوفر قدرة على استيعاب فائض الإنتاج إن تحقق، ويحول دون تلفه أو تهريبه.

 

عودة القمح بارقة أمل

في المحصلة، عودة قمح الجزيرة إلى دمشق هي بارقة أمل حقيقية للخروج من نفق أزمة القمح الطويلة في سوريا، لكنها أشبه ببذرة واعدة تتطلب الكثير من الرعاية والصبر قبل أن تُنبت سنابل مكتنزة تفيض بخيرها على كل بيت. 

ولا شك أن فاتورة استيراد القمح التي أثقلت كاهل الاقتصاد السوري لن تنتهي بين يوم وليلة؛ فمن المبكر الحديث عن توقف تام لشراء الحبوب من الخارج في ظل الواقع الراهن، إنما المؤكد أن استعادة هذه المناطق الزراعية تشكل نقطة تحول إيجابية تتيح لسوريا أن تخفف اعتمادها على قمح الآخرين تدريجياً. وبحال نجحت الدولة في حسن إدارة هذا المورد الإستراتيجي، ودعم المزارعين لمضاعفة الإنتاج، فقد نشهد خلال سنوات قليلة انخفاضاً كبيراً - وربما اختفاءً - لفاتورة استيراد القمح التي استنزفت خزينة البلاد. وحتى ذلك الحين، يبقى الرهان قائماً على موسم خير قادم، يثبت أن سنابل الجزيرة عادت حقاً لتملأ صوامع دمشق وتغلق باب أزمة الرغيف إلى غير رجعة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث