تشهد مدينة داريا في ريف دمشق تحولاً جذرياً على الصعيد الاستثماري منذ سقوط النظام، تشمل خطوطه العريضة، الإقبال غير المسبوق على افتتاح المطاعم والمحال التجارية ومكاتب بيع السيارات وصولاً إلى النشاط في قطاع المقاولات، بحسب ما رصدته "المدن".
ففي كل حي تقريباً من أحياء هذه المدينة المصنفة في عداد المناطق المنكوبة سابقاً، يندر أن يشاهد المار نشاطاً استثمارياً ما، بين متجر لبيع الطعام الجاهز أو بناء طابقي يتم تشييده بأوقات قياسية، أو سوبر ماركت لبيع مواد التجزئة، أو ورشة صناعية للموبيليا وغيرها.
رساميل واستثمارات
يوضح أحد العاملين في مجال المقاولات أبو هيثم خلال حديث لـ"المدن" أن هذا النشاط غير المسبوق الذي تشهده المدينة بدأ في الأشهر القليلة التي تلت سقوط النظام البائد، لافتاً إلى عودة عشرات الفاعلين الاقتصاديين إلى داريا منذ ذلك التاريخ، حيث شرعوا بتأسيس استثمارات صغيرة ومتوسطة الحجم، وسط عودة موسعة لآلاف السكان المهاجرين والنازحين الذين غادروا المدينة في ظروف حصار امتد لأربع سنوات بين عامي 2012 و2016.
ويشير أبو هيثم إلى أن كل هذه المعطيات أدت إلى انتعاش المدينة اقتصادياً، الأمر الذي حفز سوق العقارات بيعاً وشراءً وإيجاراً، حيث سجلت العقارات ارتفاعات هائلة في هذه الفترة بسبب حجم الطلب الكبير من قبل العائدين خصوصاً اللاجئين الذين قدموا وبحوزتهم مدخرات سنوات طويلة من العمل في بلدان اللجوء.
من جهته أبو بسام وهو تاجر تجزئة تمكن بعد عودته من إدلب بعد تهجير طويل من افتتاح محل تجاري للبزورية والبقوليات وسط المدينة. كان الشارع الذي افتتح فيه متجره بالقرب من شارع الثورة وسط المدينة خالياً تماماً من السكان والمتاجر قبل سنة، لكنه اليوم غدا ممتلئاً بعشرات المحال التجارية والمطاعم والبقاليات مع عودة كبيرة للسكان الذين قاموا بترميم منازلهم على نفقتهم الخاصة، بحسب حديث أبو بسام لـ"المدن".
الفرقة الرابعة وقتصاد المدينة
وبالعودة إلى فترة ما بعد حصار المدينة بين عامي 2016 وحتى 2018 بقيت داريا فارغة تماماً من سكانها، وتعرضت خلال تلك الفترة لحملات تعفيش وسرقات موسعة طاولت ممتلكات وأثاث المدنيين وتسببت بسرقة معظم ما يمت للنية التحتية بصلة، الأمر الذي حول المنطقة إلى مدينة أشباح.
جمال أحد السكان الذين عادوا إلى المدينة في العام 2019 أكد لـ"المدن" أن الطرقات كانت مغلقة بسبب تراكم الإنقاض، فضلاً عن تهاوي البنية التحتية من كهرباء ومياه وصرف صحي واتصالات. وأضاف أن المدينة تحولت منذ انتهاء المعارك وحتى سقوط النظام إلى حديقة خلفية للفرقة الرابعة التي تمركزت حواجزها في محيط المدينة وشرعت بتلقي الرشاوي بعد السماح بعودة تدريجية للسكان منذ العام 2018.
وفي داخل المدينة حيث شرع السكان إلى إزالة الإنقاض وتنظيف الشوارع وترميم بعض المنازل السكنية وإعادة افتتاح قسم من المحال التجارية كانت كل فعالية اقتصادية مهما صغرت تتم تحت إشراف ومراقبة متنفذين يعملون لصالح الفرقة الرابعة.
ويؤكد عدد كبير من السكان الذين تحدثت "المدن" إليهم أن الفرقة الرابعة كانت تتلقى الرشاوي والإتاوات عن كل متجر يفتتح أو منزل يتم ترميمه أو عقار طابقي يتم البدء بتشييده، وسط قبضة أمنية مشددة أسفرت عن جمود تجاري واستثماري كبير في السوق وتسببت بضغوط كبيرة للقاطنين العائدين.
أما الإنقاض والعقارات التي تعود ملكيتها للمهجرين واللاجئين، فتؤكد المصادر الأهلية أنها كانت مشاعاً للفرقة الرابعة ولجان التعفيش والتعدين الذين سرقوا المحتويات والأثاث ثم قاموا على مدار سنوات طويلة بتهديم أسقف المنازل واستخراج الحديدة منها بهدف إعادة تدويره في مصانع كان يمتلكها رجل الأعمال المقرب من النظام البائد، محمد حمشو.
وتلفت المصادر إلى أن عدم منح رخص البناء لتجار المقاولات في تلك الفترة إلا بعد دفع رشاوي كبيرة للفرقة الرابعة، تسبب بجمود في القطاع العقاري رغم حاجة المدينة المنكوبة الماسة إلى تنشيط هذا القطاع. بينما يختلف الواقع اليوم بشكل واضح وملموس في ظل حصول عشرات المقاولين على الرخص اللازمة وإقدامهم على تشييد عشرات الأبنية الطابقية، وسط نشاط كبير متزامن في معظم القطاعات الاقتصادية المرشح لمزيد من الازدهار، بحسب حديث المصادر.
الخدمات لا تزال خجولة
وفي سياق متصل، يقول مصدر حكومي طلب عدم الكشف عن اسمه كونه غير مخول بالتصريح أن المدينة على الصعيد الخدمي لا تزال تعاني من تحديات كبيرة جداً تتمثل بتدهور البنى التحتية نتيجة المعارك وحملات التعفيش التي تلتها، ويضيف لـ"المدن" أنه رغم عودة المدينة إلى نشاطها الكبير إلا أن الخدمات في قطاعات الكهرباء والاتصالات والمياه والصرف الصحي تعتبر خجولة.
ويعزو المصدر حدوث هذه التحديات إلى تضرر البنى التحتية سابقاً بالتزامن مع السياسة التي اتبعتها بلدية داريا تحت إشراف الفرقة الرابعة من تركيز الخدمات في قطاع محدد جعل القطاعات الأخرى بدون خدمات، في ظل عدم السماح لسكان الأحياء الأخرى بالإقامة فيها.
