بينما كانت العيون تتجه نحو الخرائط الميدانية في الجزيرة السورية، كان خبراء الاقتصاد يقرأون في "الخارطة التحتية" لغةً مختلفة تماماً، لغة الأرقام التي لا تجامل. اليوم، لم يعد الحديث عن استعادة السيادة على حقول النفط والغاز في الشرق مجرد "نصر سياسي" أو عسكري، بل هو استرداد لـِ "رأس المال السيادي" الذي يمتلك القدرة على قلب موازين العجز المالي، وتحويل سوريا من بلد يرهقه استيراد المشتقات النفطية إلى "موزع إقليمي" يمسك بمفاتيح العبور.
طفرة المليون برميل ودخول "شيفرون"
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف، أن عملية تحرير شمال شرق سوريا ستحدث "طفرة نوعية" في الاقتصاد الوطني. وفي حديثه مع "المدن"، يوضح يوسف أن "التركيز الأساسي حالياً ينصب على آبار النفط. فسوريا التي كانت تنتج 350 ألف برميل يومياً قبل 2011، واجهت تدميراً ممنهجاً، حوّل الآبار من نقاط إنتاج إلى ركام يحتاج إلى صيانة ضخمة وإعادة استثمار جذري".
ويكشف يوسف عن تحول استراتيجي في إدارة هذا القطاع، مشيراً إلى أن النظام البائد كان يعتمد معدات قديمة وغير مجدية، بينما تتجه الخطط الحكومية الحالية لإعادة تأهيل الآبار بتقنيات حديثة وعبر شراكات مع شركات غربية كبرى، وفي مقدمتها شركة "شيفرون" الأميركية. ويتوقع يوسف دخول هذه الشركات خلال الأسابيع أو الأشهر القليلة المقبلة، ليس فقط لإصلاح الآبار المتضررة، بل لسبر وحفر آبار جديدة في مناطق لم يتم استثمارها بالشكل الأمثل سابقاً.
أما عن سقف التوقعات، فيطرح يوسف أرقاماً "ثورية"، إذ يتوقع أن يتجاوز الإنتاج مليون برميل يومياً. ومع حاجة سوريا الفعلية التي لا تتخطى 150 ألف برميل، سنكون أمام فائض تصديري ضخم يصل لـ 850 ألف برميل. هذا الفائض لن يقلل فاتورة استيراد الطاقة إلى حدها الأدنى فحسب، بل سيحقق اكتفاءً ذاتياً كاملاً قد يؤدي لتخفيض أسعار الطاقة للمواطنين. كما يؤكد يوسف أن التحرير سيحيي خط "كركوك-بانياس" التاريخي، وهذا ما يمهد لتصدير النفط العراقي، وربما الإيراني لاحقاً، عبر الأراضي السورية إلى العالم.
استعادة القرار الاقتصادي وضرب "شبكات الظل"
من جانبه، يضع خبير التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات مهند الزنبركجي استعادة الجزيرة في إطار "انقلاب موازين القوى الجذري". ويرى أن أهم مكسب هو استعادة الدولة لقرارها الاقتصادي الذي صودر لسنوات، والقضاء النهائي على شبكات استخراج النفط البدائية التي كانت تبيعه بأسعار بخسة.
ويضيف الزنبركجي لـِ "المدن": "التحرير يعني تجفيف منابع وسطاء الظل والميليشيات الذين جنوا مليارات الدولارات من التجارة السوداء". وبحسب رؤيته، فإن هذا التحول سيُمّكن الدولة من تمويل المشاريع الحكومية دون اللجوء لـِ "التمويل بالعجز"، وسيساهم في احتواء التضخم التراكمي الذي وصل إلى 170 ضعفاً منذ 2011، بل وتخفيضه تدريجياً.
ويؤكد الزنبركجي أن استقرار العملة أمام الدولار سينعكس على أسعار المواد الأولية والاستهلاكية، التي عانت تذبذباً قاتلاً طوال 14 عاماً، وهو ما يحسن القدرة الشرائية ويرفع الأجور. أما زراعياً، فيرى أن عودة إنتاج القطن والقمح ستنهي تبعية الاستيراد، وستشجع أهالي الجزيرة على العودة إلى مدنهم، وهذا ما يحقق توازناً تنموياً ويخفف الضغط عن المدن الكبرى.
الليرة تترجم "تفاؤل الميدان"
في السياق، لم يتأخر مفعول "أخبار الشرق" في الوصول إلى شاشات الصرافة بدمشق. فقبل الإعلان عن استعادة أغلب الحقول، وتحديداً في 17 كانون الثاني 2026، كان الدولار يتأرجح بين مستويات 12100 و12170 ليرة. لكن مع حلول 20 كانون الثاني، سجلت الليرة تحسناً ملحوظاً، إذ هبط الدولار إلى مستويات 11450 – 11500 ليرة.
هذا التحسن، الذي بلغت نسبته قرابة 4.5%، يقرأه الخبراء على أنه "تسعير للأمل"، إذ دخلت السوق في حالة تماسك ناتجة عن توقعات بانخفاض ضغط الطلب على الدولار المخصص لاستيراد الطاقة، وآمال بتحسن التغذية الكهربائية. ورغم أن هذا التعافي يغلب عليه الطابع النفسي بانتظار بدء الإنتاج الفعلي، إلا أنه أعطى إشارة قوية إلى قدرة الموارد الوطنية على لجم المضاربات.
شروط النجاح: الربط الرقمي والحوكمة
وفي ما يخص تحويل ثروات الجزيرة إلى محرك لشبكات الربط الرقمي والطاقي مع الخليج والعراق، يرى الزنبركجي أن الموارد كافية تماماً، لكنه يرهن النجاح بشروط حاسمة: الاستقرار الأمني المستدام، نفاذ قانون رفع العقوبات، والأهم من ذلك، إرساء نظام "حوكمة اقتصادي مستقل" يديره قضاة مختصون في القانون الدولي لضمان شفافية هذه المشاريع الاستراتيجية العابرة للحدود.
أما الدكتور عمار يوسف، فيختم بملف الزراعة، مشيراً إلى أن العودة للاكتفاء الذاتي بالقمح والقطن تتطلب خطط ري حديثة لمواجهة الجفاف وقطع الإمدادات التركية، وهو مشروع يحتاج من 4 إلى 5 سنوات من العمل الجاد لإعادة تأهيل الأراضي السورية لتكون "سلة الغذاء" من جديد.
ما وراء "بئر النفط"
في كواليس الاجتماعات الحكومية في دمشق مع مطلع العام 2026، لم تكن النقاشات تكتفي بعدّ البراميل المستخرجة، بل تركزت على تحويل منطقة الجزيرة إلى "قاعدة للصناعات الاستخراجية". التصريحات الأهم التي لم تأخذ حيزها الكافي هي ما كشف عنه فنيون حول "الغاز الحر" المصاحب؛ إذ يعني تحرير هذه الموارد ببساطة إعادة الحياة لمحطات التوليد الكهربائي المعطلة بوقود محلي رخيص، وهو ما يصفه الصناعيون في حلب ودمشق بـِ "الحلقة المفقودة" لخفض كلف الإنتاج.
وبعيداً عن العناوين المستهلكة، برزت معطيات تقنية تشير إلى تحول جذري في إدارة الثروة: ففي قطاع النفط تمحورت تصريحات سابقة لنائب الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول أحمد قبه جي حول "مفاوضات تقنية" متقدمة لإعادة تأهيل خط كركوك-بانياس، حيث تتجاوز الجدوى الاقتصادية لهذا الخط اليوم 2 مليار دولار سنوياً كعوائد عبور وخدمات لوجستية، وهو رقم كفيل بتغطية ميزانيات وزارات خدمية بالكامل دون الحاجة لقروض.
وفي قطاع المالية، تؤكد المؤشرات أن استعادة موارد الشرق هي "برقية ثقة" موجهة للمستثمر الخارجي، لأن استقرار العملة الوطنية بات يرتبط اليوم بحجم "الاحتياطي الطاقي" الذي تسيطر عليه الدولة مباشرة، وليس فقط بالتدخلات النقدية.
دبلوماسية الأنابيب.. لماذا سوريا الآن؟
الزاوية التي تغفلها الكثير من التحليلات، هي أن سوريا بدأت تفرض نفسها كـَ "صمام أمان" لطاقة المنطقة. إذ يوفر تفعيل "خط الغاز العربي" وربطه بالشبكة السورية وصولاً إلى المتوسط على دول الجوار تكاليف نقل باهظة ومخاطر تأمين في الممرات المائية المزدحمة. هذا الواقع يحوّل الجغرافيا السورية من ساحة لتصادم القوى إلى "نقطة التقاء مصالح" دولية، حيث يصبح استقرار دمشق ضرورة لضمان تدفق الطاقة نحو أوروبا.
وخلاصة القول، أنّ ما يشهده الشرق السوري اليوم هو عملية "إعادة ضبط" شاملة لمستقبل البلاد. سوريا لا تبحث عن "معونات" مؤقتة، بل تفعّل أصولها الجيوسياسية المعطلة لتعود "عصباً" حيوياً في خارطة الاقتصاد العالمي الجديد.
