بين "البرميل" ولحظة التصعيد العسكريّ، تقف إيران في قلب معادلة النفط العالميّة. لاعبٌ متوسّط الحجم نظريًّا، لكنّه شديد الوقع في السّياسة والسوق معًا. فحين يتشابك إنتاجٌ يوميٌّ بحدود 3.3 ملايين برميلٍ مع عقوباتٍ عمرها عقودٌ، ومع ممرٍّ بحريٍّ هو الأهمّ على الإطلاق، تصبح أيّ شرارةٍ عسكريّةٍ، خصوصًا إذا كانت أميركيّة، قادرةً على نقل الأسعار من منطقة التوازن إلى منطقة الذّعر خلال ساعات.
إيران داخل "أوبك": 12% قد تقلب التسعير
الخبير اللبنانيّ في شؤون الطاقة الدكتور رودي بارودي يختصر الفكرة من مدخلٍ رقميٍّ واضحٍ: إيران، رغم أزمتها الداخليّة، تنتج اليوم نحو 3.3 ملايين برميلٍ يوميًّا، فيما يبلغ إنتاج النفط العالميّ قرابة 108 ملايين برميلٍ يوميًّا، وإنتاج "أوبك" يقارب 26 مليون برميلٍ يوميًّا. ويضيف بارودي أنّ الصين تبتلع تقريبًا 90% من صادرات النفط الإيرانيّ، ما يجعل "وجهة البرميل الإيرانيّ" أكثر تركّزًا من أيّ وقتٍ مضى، ويحوّل العلاقة النفطيّة بين طهران وبكين إلى ما يشبه شريانًا ماليًّا وسياسيًّا في آنٍ.
هذه المركزيّة الصينيّة لم تعد تفصيلًا هامشيًّا في السوق. ففي مطلع 2026، أشارت تقارير إلى أنّ مشتريات الصين من الخام الإيرانيّ ظلّت كبيرةً رغم العقوبات، مع اعتماد أساليب التفافٍ،
مثل إعادة توصيف المنشأ، أو استخدام شبكات شحنٍ غير شفّافةٍ، فيما لوحظ أيضًا ارتفاع المخزونات الإيرانيّة العائمة كإشارةٍ احترازيّةٍ، أو انعكاسٍ لتعقيدات التسليم.
جيوستراتيجيًّا، يرى بارودي في حديثه إلى "المدن" أنّ ثقل إيران النفطيّ داخل "أوبك" يتجلّى في نقطتين أساسيتين، أولاهما أنّها تمثّل نحو 12% من إجمالي إنتاج المنظمة. وهذه النسبة، برأيه، تعني أنّ أيّ خفضٍ أو زيادةٍ في إنتاج إيران "عاملٌ يضع أسعار النفط العالميّة على المحكّ ويعرّضها للخطر". فالسوق لا تتعامل مع إيران كبلدٍ منتجٍ فحسب، بل كبلدٍ "قابلٍ لإحداث المفاجأة"، مفاجأة تراجع الإمدادات أو مفاجأة عودتها، وكلاهما يسعّر مسبقًا عبر علاوة مخاطرٍ.
وعن العقوبات النفطيّة المفروضة، يوضح بارودي أنّ أقسى العقوبات لا تلغي الوزن الإيرانيّ بالكامل. فحتّى حين تحاصر الصادرات، يبقى إنتاج إيران، الذي يذكّر بأنّه "نحو ثلاثة أضعاف إنتاج فنزويلا"، جزءًا مؤثّرًا من إجمالي "أوبك". العقوبات تحدّ من الكميّات التي تستطيع إيران بيعها في السوق المفتوحة، لكنّها تواصل الإنتاج للاستهلاك المحليّ بنحو 1.8 مليون برميلٍ يوميًّا، فيما تسخّر "أساطيل ظلٍّ" لنقل الكميّة المتبقّية إلى وجهاتها، وعلى رأسها الصين.
لكنّ بارودي لا يفصل إيران عن الصورة الأوسع للعرض العالميّ. إذ يلفت إلى أنّ كميّاتٍ جديدةً تدخل السوق من الولايات المتحدة وغيانا، وأنّ تحالف "أوبك+" بدأ التراجع عن التخفيضات الطوعيّة التي يبلغ مجموعها قرابة 4 ملايين برميلٍ يوميًّا. وفي الخلفيّة، هناك توقّعات وكالة الطاقة الدوليّة بأن يتجاوز العرض الطلب بما يصل إلى مليوني برميلٍ يوميًّا في عام 2026، وهي نقطةٌ تعني اقتصاديًّا أنّ أساسيّات السوق قد تميل نحو الفائض، حتّى لو بقيت الجغرافيا السياسيّة قادرةً على إشعال قفزاتٍ مؤقّتة.
مضيق هرمز غير قابلٍ للإغلاق بسهولة
في كلّ حديثٍ عن ضربةٍ محتملةٍ لإيران، يعود سؤال "هرمز" كأنّه اختبار أعصابٍ للسوق. هنا يقدّم بارودي توصيفًا بالغ الدقّة. المضيق، بعرض 20 إلى 30 ميلًا، "ليس ممرًّا يمكن لأيّ طرفٍ إغلاقه بسهولة"، رغم كونه "أهمّ ممرٍّ لعبور النفط في العالم". لكنّ الخطورة لا تكمن فقط في فكرة الإغلاق الكامل، بل في "التعطيل". ضربةٌ أو اشتباكٌ أو تهديد ملاحةٍ يكفي لتشديد أقساط التأمين، وإبطاء الشحن، ورفع كلفة البرميل.
ويقدّر بارودي أنّ نحو 20% إلى 25% من ناقلات النفط وسفن الغاز الطبيعيّ المسال (LNG) المتّجهة إلى أوروبا والأسواق الآسيويّة تمرّ من هذه النقطة. والأهمّ في رأيه، "لا توجد طاقةٌ فائضةٌ في العالم، لا في النفط ولا في الغاز، يمكنها سدّ الفجوة أو التعويض" عن تعطّل هذا الممر. لذلك، فإنّ أيّ اضطرابٍ كبيرٍ سيصيب الجميع، إيران والعراق والكويت والسعوديّة والبحرين وقطر والإمارات وعمان... "ممرٌّ بحريٌّ بالغ الحساسيّة لهذه المنطقة وللعالم"، كما يحذّر.
سيناريو الضربة، أين تصاب السوق؟
يقول بارودي إنّ الحديث عن هجومٍ أميركيٍّ إسرائيليٍّ على إيران يفتح "سيناريوهاتٍ مختلفةً تبعًا لطبيعة الأهداف". فهناك منشآت نفطٍ وغازٍ داخليّةٌ وبحريّةٌ، وبعضها شديد الرمزيّة والسوقيّة. ويذكر ضمن المواقع الاستراتيجيّة المهمّة: الأهواز، آبادان، جزيرة خرج (Kharg Island)، و"پداراباس" (Padarabas). استهدافٌ من هذا النوع، وفق بارودي، "قد يؤثّر قطعًا في أسعار النفط العالميّة"، إلى درجة أنّ "لا شيء قد يمنع الأسعار من التحليق فوق 100 دولارٍ للبرميل".
في المقابل، يطرح سيناريو آخر لا يقلّ أهميّةً، وهو أن تستثنى المنشآت النفطيّة والمصافي من أيّ هجوم. هنا يصبح تأثير الضربة، إن وقعت، أقرب إلى "علاوة مخاطرٍ" سياسيّةٍ في الأسعار بدل أن يتحوّل إلى صدمة إمداداتٍ مباشرةٍ. وهذا التفريق أساسيٌّ للقرّاء الاقتصاديّين. الأسواق لا تسعّر الحرب كعنوانٍ، بل تسعّر نوع الضرر واحتمالات تمدّده إلى الشحن والإنتاج والبنية التحتيّة.
وتظهر حساسيّة السوق لأيّ تلميحٍ تصعيديٍّ في تقلّبات بداية 2026، إذ شهدت الأسعار تذبذبًا على وقع مؤشّرات التهدئة أو التصعيد المرتبط بإيران.
الداخل الإيراني: عملةٌ منهارةٌ وتضخّمٌ يتصاعد
اقتصاديًّا، يربط بارودي قابليّة إيران للمغامرة أو الصمود بوضعها الداخليّ الذي يصفه بأنّه "مأزومٌ إلى حدٍّ كبير" (راجع "المدن"). فإيران، تعاني "مشكلةً اقتصاديّةً وماليّةً حادّةً"، وقد فاقم انهيار العملة الوطنيّة الأزمة الماليّة بشكلٍ ملحوظ. وإلى جانب ذلك، فإنّ "أزمة الطاقة، مع العقوبات أو بدونها"، تدفع التضخّم السنويّ إلى الارتفاع عامًا بعد عام، حتّى إنّ بعض الخبراء، كما ينقل بارودي، يقدّرون أن يصل التضخّم إلى نحو 30% في مطلع 2026.
ويذكّر بأنّ العقوبات الأميركيّة على إيران عمرها قرابة 45 عامًا منذ 1979. لكن ما يلفت هنا، وفق بارودي، هو وزن "الحزمة الأحدث". فالعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة في خريف 2025 شديدة الأهميّة لأنّها تستهدف صادرات الطاقة الإيرانيّة عبر التجارة، وتشمل كامل طيف كيانات صناعة النفط والبتروكيماويات و"أسطول الظلّ"، ما يجعلها "ضربةً اقتصاديّةً وماليّةً كبيرةً" للبلاد. وإلى جانب واشنطن، يضيف أنّ "إجراءاتٍ عقابيّةً أخرى من المملكة المتحدة وأوروبا" تعدّ عاملًا مهمًّا يؤثّر في الاقتصاد الإيرانيّ.
"الخطر الأكبر": 9 ملايين برميل خارج السوق
أما الأخطر في حديث بارودي فيتعلّق بما قد يحدث إذا خرجت المواجهة عن إطارها المحدود، خصوصًا إذا تداخلت مع ملفّ هرمز. فهو يشير إلى أنّه "إذا تناولت الموضوع في سياق إغلاق مضيق هرمز"، فإنّ اندلاع حربٍ في "هذه المنطقة العالميّة الخاصّة بالهيدروكربونات" قد يقود إلى احتمالٍ خطرٍ: خروج ما بين 8 و9 ملايين برميلٍ يوميًّا من السوق. وقد يحدث ذلك، كما يحذّر، نتيجة إجراءاتٍ انتقاميّةٍ من إيران ضد منشآت دول الخليج.
وهنا تتبدّى المعضلة العالميّة، حتّى لو كانت توقّعات 2026 تميل إلى فائض عرضٍ وفق سيناريوهاتٍ مؤسّساتيّةٍ، فإنّ "فائض الورق" لا يصمد أمام "صدمة الممرّات والبنى التحتيّة". أي إنّ سوقًا قد تبدو مرتاحةً حسابيًّا، يمكن أن تتحوّل فجأةً إلى سوقٍ مذعورةٍ إذا أصيب الشحن أو الإنتاج الخليجيّ، أو تعطّلت قناة هرمز ولو جزئيًّا.
خلاصة المشهد أنّ إيران ليست مجرّد رقمٍ في معادلة الإنتاج، بل عقدةٌ تربط الداخل بالحدود، والعقوبات بالالتفاف، وهرمز بسعر البرميل العالميّ. وكما يرى بارودي، فإنّ وزن إيران داخل "أوبك"، واعتماد صادراتها على الصين، ومرونة "أساطيل الظلّ"، تقابلها هشاشةٌ اقتصاديّةٌ داخليّةٌ تتعمّق مع انهيار العملة والتضخّم. أمّا إذا وقع الأسوأ عسكريًّا، فالفارق بين ضربةٍ "محدودةٍ" وضربةٍ "تمسّ الطاقة" هو الفارق بين تقلّباتٍ قابلةٍ للاحتواء وقفزةٍ قد تحلّق بالأسعار فوق 100 دولارٍ، أو تتسبّب بصدمة إمداداتٍ أوسع إذا تمدّدت إلى الخليج وهرمز.
