الصدي يفتح ملفات الكهرباء: هكذا يُدار الفساد

خضر حسانالثلاثاء 2026/01/20
GJ0B0240 copy.jpg
يتم سرقة 30 بالمئة من إنتاج الكهرباء (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

أكثر من 40 مليار دولار صُرِفَت على قطاع الكهرباء لتكن النتيجة 4 ساعات تغذية بالحد الأقصى، وتهديد متكرّر بالعتمة الشاملة ما لم يؤمَّن الفيول أو الغاز أويل للمعامل. ورغم ذلك، لم تعرف المحاسبة طريقها إلى القطاع، لا على مستوى المسؤولين السياسيين ولا على مستوى كبار المخالفين. وعليه، لا يزال القطاع غارقاً في مستنقع كبير يغطّيه الفساد الذي لم تنفع معه حتى الآن عمليات الكشف عن ملفّات الهدر والسرقات التي بات معظمها معروفاً وفي أدراج النيابات العامة. ويحاول وزير الطاقة جو الصدي ترك بصمته في القطاع خلال فترة تولّيه الوزارة، ومع أنّه "حرَّكَ" بعض الملفّات العالقة، إلاّ أنّ "تعافي القطاع" لا يزال حلماً بعيداً، ذلك أنّ "المَرَض" مستعصٍ، ومَن يملكون الدواء، هم من يغذّون المَرَض.

 

فتح الملفّات

يُسَجَّل للصدي أنّه لم يرفع سقف وعوده عند استلامه حقيبة وزارة الطاقة، ولم يطلب من الحكومة تمويل ورقة إصلاحية أو بواخر طاقة، بل انطلق من الواقع ليعمل وفق إمكانيات الوزارة ومؤسسة كهرباء لبنان، وساعده المناخ العام الذي تشكّلت ضمنه الحكومة الحالية وجاء إثره رئيس الجمهورية جوزاف عون، وهو مناخ بشعار إصلاحي.

آثرَ الصدي في مؤتمر صحافي عقده اليوم الثلاثاء، فتح ملفّات الكهرباء لتبيان ما تمّ إنجازه وما الذي بقي عالقاً، فأعلن "العمل على تعافي قطاع الكهرباء وفق خريطة طريق محدّدة"، علّ التعافي يجذب المستثمرين، إذ أكّد قائلاً:"يهمّنا أن يشعر المستثمرون بأنّ القطاع فعّال".

وترافق انطلاق العمل في الوزارة مع تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، إلاّ أنّه وفق الصدي، لا تزال "بلا ميزانية ولا مكاتب ولا رواتب، ورغم ذلك، بدأت الهيئة بالعمل مع البنك الدولي على وضع استراتيجية لقطاع التوزيع، ومن المفترض أن تطلق الدراسة في الربيع المقبل، فضلاً عن العمل على وضع لائحة أكلاف ومخطط توجيهي لاحتياجات القطاع من ناحية الإنتاج والشبكة". بالإضافية إلى العمل على "النظام الإداري وعلى التعاقد الذي سيكون بين المنتجين والموزّعين للكهرباء". ويحصل ذلك عبر مؤسسة كهرباء لبنان "بدعم مالي من الدولة الفرنسية". وبالتوازي، أعاد الصدي تحريك ملفّ تراخيص محطات الطاقة الشمسية التي كانت عالقة في أدراج الوزارة.

 

لكن حسابات الحقل لا تتطابق دائماً مع حسابات البيدر، فنوايا الإصلاح كثيرة، لكن العبرة في التطبيق. وواقع القطاع يجعل الخطوات ثقيلة جداً، ذلك أنّ التنفيذ لا يحتاج إلى أكثر من النوايا. والأهم، يحتاج قراراً سياسياً متكاملاً تشارك فيه مختلف القوى السياسية، فضلاً عن شرط أساسي، وهو التمويل. وفي السياق، فإنّ تعافي القطاع يحتاج إلى "معملين في الزهراني ودير عمار، وكلفتهما 2 مليار دولار"، تعمل الوزارة بحسب الصدي على تأمين التمويل "من الدول الخارجية ومجموعة البنك الدولي". كما تعمل الوزارة على "إعادة تأهيل محطة نهر البارد وثلاث محطات كهرمائية على الليطاني، ونقل القطاع للعمل على الغاز الطبيعي مع تنويع المصادر". ولم ينسَ الصدي مشروع "الربط الكهربائي مع قبرص، الذي سيموّل البنك الدولي دراسته".

 

الفساد أعمق

استراح الصدي إلى أنّ "معدّل التغذية الكهربائية في العام 2025 لم ينخفض"، وإلى أنّ أولويّته في الأشهر الأولى من توليه الوزارة "كانت التركيز على إعداد الأرضية المناسبة للقطاع للإتيان بالمستثمرين"، إلاّ أنّ هؤلاء لن ياتوا إلى قطاع "يُسرَق فيه 30 بالمئة من إنتاج الكهرباء". ولفت الصدي النظر إلى أنّ كلفة هذه النسبة وفق معدّل تغذية 4 ساعات يومياً، هي "200 مليون دولار". وفي محاولة إصلاحية "تواصلنا مع الجهات الأمنية والقضائية لملاحقة كبار المعتدين على الشبكة". وفي الإطار عينه، دعا الصدي المدعي العام المالي إلى ملاحقة هؤلاء لأنّ ما يسرقونه بتعدياتهم هو مال عام. أمّا الجانب الآخر من الهدر غير المقرون بالسرقة، فهو مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان على الدولة. ونوّه الصدي إلى أنّه "تم الاتفاق مع وزير المالية، وأقرّ ذلك في مجلس الوزراء، على أن تدفع مؤسسات الدولة 80 بالمئة من متأخراتها بالدولار النقدي لتستعملها مؤسسة الكهرباء لشراء الفيول، تذهب الـ20 بالمئة المتبقية مقاصىة لديون المؤسسة على الدولة".

الدخول في آتون التعديات وعدم دفع المستحقات، يفضي إلى الإطلالة على الفساد المتجذّر في القطاع، والذي يعكس الفساد الأعمق في بنية الدولة. وبحسب مصادر متابعة لملفّ الكهرباء، فإنّ "ما يحاول الصدي فعله لا يعدو كونه إزالة بعض الغبار عن واقع الفساد. وهذه الإزالة تفيد تسليط الضوء على الواقع، لكنها لا تقوى على تغييره، لأنّ مَن يُطلَب منهم التحقيق في ملفات الفساد وإجراء المحاسبة ووقف التعديات والهدر، هم انفسهم حماته". ولذلك، فإنّ ما يطالب به الصدي من إجراء تدقيق جنائي في الوزارات، استناداً إلى البيان الوزاري "هو سقف مرتفع لمكافحة الفساد، على أمل أن ينجح بدءاً من وزارة الطاقة ومؤسسة الكهرباء. فالوزير حين يؤكّد أنه بالإمكان زيادة التغذية إلى 10 ساعات متى توفّرت الجباية فهو "بشكل غير مباشر يؤكّد على عمق الأزمة المرتبطة بهدر المال وتجذّر الفساد في القطاع". علماً أنّ الصدي أكّد في المؤتمر الصحافي أنّ "ملاحقة كبار المعتدين على الشبكة وتحويلهم إلى القضاء، لا يتم بعصا سحرية". على أنّ مدخل الحل يكون "بتلزيم التوزيع للقطاع الخاص، إذ يكون المستثمر هو المسؤول عن الجباية".

لا توافق المصادر على أنّ الحلول التي يطرحها الوزير يمكن تحقيقها "خصوصاً في مسألة وقف التعديات ومحاسبة كبار المعتدين. لأنّ هذا المسار يشكّل باباً لضمان الولاء السياسي الذي تستعمله الأحزاب الحاكمة كلٌّ في منطقتها. ورغم أنّ نسب التعديات تختلف من منطقة وأخرى، إلاّ أنّ الحديث عن كبار المعتدين، يطال جميع المناطق وجميع القوى السياسية". وتضيف المصادر أنّه "لو أنّ أحداً من كبار المعتدين لم يكن يحظى بغطاء سياسي أو يدرك أنّ المسّ به سيستتبع إجراءه اتصالات بمرجعيات سياسية لحلّ الموضوع، لما أقدم على التعدّي".

ولأنّ الفساد "ضارب في جذور القطاع"، برأي المصادر، فإنّ "مشروع شركات مقدّمي الخدمات يشكّل دليلاً صارخاً على استحالة اقتلاع الفساد. فالمشروع يطال مختلف القوى السياسية إمّا عن طريق تلزيم الشركات الأساسية، أو الشركات الفرعية. والخطوة الأولى في حلّ هذه المعضلة، تبدأ من تدقيق الوزير بكل الملفّات المتعلّقة بمشروع مقدمي الخدمات، وإحالة المخالفات إلى القضاء، والتحضير لوقف فوري للمشروع وإعادة المهام كاملة إلى مؤسسة الكهرباء، لا سيّما وأنّ الوزير يقرّ بفشل المشروع".

 

العناوين كثيرة وكبيرة، وفي الوقت عينه، الحمل ثقيل. فكيف يمكن إعادة تأهيل شبكة الكهرباء في وقت سريع، فيما كلفة إعادة التأهيل "لا تقل عن نصف مليار دولار"، بحسب الوزير. وكيف يمكن القفز فوق الحماية السياسية في قطاع ليس ملوّثاً بالفساد فحسب، بل يُدار بالفساد؟. وهنا، تتمنّى المصادر على الوزير "أن يبدأ بإحالة بعض الملفّات إلى القضاء ومتابعتها في القضاء وفي مجلس الوزراء، وأن يخرج إلى الإعلام دورياً، ليطلع الرأي العام على أسماء المعتدين وعن مسار الملفّات حين تحال إلى القضاء".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث