السوريون والليرة الجديدة: اختبار الثقة قبل الحساب

دمشق - رهام عليالثلاثاء 2026/01/13
Image-1768299679
السوريون يحاولون التكيف مع الليرة الجديدة (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في شوارع المحافظات السورية ثمة صمت يسبق الحساب، المواطن يقلّب في يده ورقة نقدية جديدة "منزوعة الأصفار"، يحاول عقله أن يحذف "خانتين" اعتاد عليهما طوال سنوات، بينما عيناه تترقبان "جبر الكسور" من البائع.

هذا المشهد ليس مجرد تبادل مالي، بل هو اختبار حقيقي لفك الارتباط بين الذاكرة المثقلة بالتضخم وبين ليرة جديدة ولدت من رحم الأزمة.

 

وداعاً لـ"أكياس النقود"

يصف الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي هذه الخطوة بأنها "علاج جراحي" لكتلة نقدية ضخمة أرهقت السوق السوري، وبحسب قوله فإن السوريين الذين اعتادوا حمل رزم نقدية مهترئة في "أكياس" لقضاء أبسط حوائجهم، يواجهون اليوم تغييراً تقنياً طال انتظاره.

ويقول قضيماتي في حديث لـ"المدن": إن حذف الأصفار ليس مجرد إجراء تجميلي، بل هو حل لمعضلة "الكسور" التي كانت ترهق البائع والمستهلك، فعندما كانت التكلفة 1200 ليرة مثلاً، كان البائع يعجز عن إرجاع "الفكة" للزبون، أما اليوم فالفئات الجديدة (10 و25 ليرة) ستمنح دقة وأريحية في التسعير.

ويؤكد قضيماتي أن "هذا التحول يسهل إجراءات النقل والتخزين ويحمي جودة النقد من التهالك، وهو مكسب لقطاع مصرفي وصناعي كان يختنق تحت وطأة "تضخم الورق" والاحتياطيات الضخمة التي كانت تُخزن بشكل سيء".

 

فخ "الفكة" وكبار السن

على الضفة الأخرى، يبدو "الخوف من الاستغلال" هو العنوان الأبرز للأثر الاجتماعي، ويرى الأكاديمي والباحث في علم الاجتماع الدكتور طلال مصطفى، أن خلف هذه الأرقام المختصرة "اغتراباً" يطارد الفئات الضعيفة.

ويشرح مصطفى لـ"المدن" مصطلح "الوهم الحسابي"، حيث يواجه كبار السن وغير المتعلمين صعوبة في التقدير الذهني للأسعار الحقيقية، ما يولد شعوراً بالارتباك النفسي.

ويظهر هذا الارتباك جلياً في أسواق دمشق، حيث يتساءل المسنون بمرارة عن كيفية دفع "الكسور" الجديدة، مما يجعلهم عرضة لـ"الاستغلال الصامت" من قِبل بعض التجار تحت غطاء التقريب الرياضي، وهو ما يراه الخبراء تآكلاً مستتراً في القوة الشرائية لمواطن يعيش أصلاً على حافة الكفاف.

 

إدلب.. "السيادة" من بوابة النقد

في السياق، يُعدّ دخول الليرة الجديدة الحدث الأبرز في الشمال السوري، التعاطي معها في إدلب لم يأتِ كعملية استبدال فني، بل كـ"خطوة سيادية" بامتياز.

يرى مصطفى أن التعامل مع العملة الجديدة هناك يعد اعترافاً بشرعية السلطة السورية وقدرتها على إدارة الاقتصاد، ومحاولة لاستعادة "الخيال السياسي الجمعي" عبر الرمز المادي الأكثر تداولاً.

ويؤكد مصطفى لـ"المدن" أن نجاح هذا الفرض النقدي في إدلب يرتكز على ثلاث ركائز: أولاً، الثقة بالمؤسسات ومدى قدرة الدولة على ضمان التبادل دون خسارة. ثانياً، التدرج في التنفيذ لتجنب المقاومة الشعبية. ثالثاً، الاستقرار، حيث لن تكون العملة وحدها كافية لترميم الرابط الرمزي دون إجراءات مكملة لحماية السكان الذين عانوا من انقطاع نقدي طويل.

 

أزمة الثقة.. هل تكفي "الهوية البصرية"؟

يحاول المصرف المركزي ترويج العملة الجديدة كفرصة لبناء "ثقافة مالية"، لكن مصطفى يرى أن هذه الثقافة لا تُبنى في غرف العمليات المصرفية، بل في الثقة المتبادلة، "فنقص العملات الصغيرة "الفكة" يؤدي إلى إحباط يومي وفقدان للاستقلالية الاقتصادية، ما قد يدفع الناس نحو الاقتصاد غير الرسمي".

وهنا يكمن الخوف من "الوهم النفسي"، فرغم أن الحذف تقني، إلا أن رؤية الراتب يتلخص من مئات الآلاف إلى بضع مئات يولد شعوراً بالانكماش المالي.

وعليه، فإننا اجتماعياً أمام سيناريوهين، إما نجاح تدريجي يمتص الاحتقان، أو انزلاق نحو احتكاكات يومية قد تتطور إلى احتجاجات مطلبية إذا ما رافق هذا الاستبدال ارتفاع "مستتر" في الأسعار تحت غطاء التقريب النقدي.

 

ترميم النفوس

وما بين "أريحية التسعير" التي ينشدها قضيماتي، و"ترميم الثقة" الذي يطالب به مصطفى، يقف السوري في "برزخ" مالي، فالليرة الجديدة قد تنجح في إنقاذ الخزائن من ثقل الورق، لكن التحدي الأكبر يظل في "ترميم النفوس".

إن نجاح هذه "الجراحة النقدية" لا يُقاس بمدى سهولة حمل العملة في المحافظ، بل بمدى قدرتها على إنهاء "الوهم الحسابي" وشعور السوريين بأن تعبهم لم يذهب سدى، فالثقة بالعملة لا تأتي بحذف الأصفار، بل بشعور المواطن -في إدلب كما في دمشق- أن هذه الليرة قادرة على حماية "خبزه وكرامته".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث