لم يكن مشروع قانون الفجوة الماليّة، بصيغته الراهنة، المحاولة الأولى لتوزيع خسائر القطاع المصرفي. فمن خطّة لازارد، إلى الخطط المتعاقبة أيّام حكومة ميقاتي، توالت المحاولات التي سقطت الواحدة تلو الأخرى. كان لتلك الخطط السابقة ثغراتها التقنيّة. وكان طرحها يُحدث دائمًا سجالًا حاميًا ومفهومًا، لكونها -وبصريح العبارة- عمليّة توزيع للخسائر. وكيفما توزّعت الخسائر، سيكون هناك من يدفع، ومن يعترض. غير أنّ المشكلة الأساسيّة في تلك الخطط كانت سياسيّة: لم يكن هناك من يبدي الاستعداد لحملها وتحمّل مسؤوليّتها، ومناقشتها وتطويرها، وقيادة مسار الحلّ المالي بحلوه ومرّه. كانت الخُطط تُترك لقيطة في الساحة.
أهمّ ما اختلف هذه المرّة، وبمعزل عن رأينا بالحل المقترح، هو أنّ هناك من قرّر أن يحمل كرة نار المشروع. "لهذا المشروع أمّ وأب"، كما قالها بصريح العبارة رئيس الحكومة نوّاف سلام، مساء يوم أمس الخميس، من على منبر برنامج "صار الوقت". ويصحّ القول بأنّ تلك المقابلة يمكن أن تشكّل نقطة تحوّل، في مسار مناقشة مشروع قانون الفجوة الماليّة، لما تضمّنه الحوار من تعمّق صريح وتقني في مقاربات القانون، بعيداً عن العناوين العامّة والشعارات الفضفاضة. والكثير مما قدّمه سلام ليلة أمس، كان كفيلاً بتفنيد بعض المُغالطات، التي جرى ترويجها بسبب قلّة الإلمام بمقاربات القانون. وهذا ما يمهّد لفتح حوار أكثر جديّة، حول كيفيّة تعديل وتطوير المشروع عند مناقشته في البرلمان، من دون الزعم أنّ المطروح حالياً مثالي كما هو.
معالجة إشكاليّة التمويل
منذ طرح المشروع، شكّكت جمعيّة المصارف بواقعيّة مقارباته، وخصوصًا لجهة توفّر التمويل اللازم لتسديد كل وديعة لغاية مئة ألف دولار أميركي، خلال أربع سنوات. وبطبيعة الحال، كان للمصارف مصلحة واضحة في الطعن بهذا الجانب من القانون. فهي كانت ممتعضة أساساً من تحميلها 40% من كلفة تسديد الودائع الصغيرة، خلال السنوات الأربع الأولى. وكانت تفضّل العودة إلى المقاربات التي تشطب نسب كبيرة من هذه الودائع. بمعنى آخر: كان هذا الخطاب موجّهاً ضد مصلحة المودعين، لا العكس كما سوّقت الجمعيّة.
في كلامه يوم أمس، صوّب سلام النقاش: لو كانت هذه الأموال متوفّرة الآن، لاقتضى سداد تلك الودائع بالأمس لا الغد. والرهان الفعلي، هو على ما سيأتي من تدفّقات نقديّة، لا على ما هو موجود فقط. ويدخل سلام في التفاصيل: كلفة تسديد كل وديعة لغاية 100 ألف دولار يتراوح بين 18 و22 ألف دولار أميركي، بحسب أرقام حاكم مصرف لبنان. والرقم النهائي يُحدد طبعاً بعد التدقيق في بنية الودائع، بما يُحدد الحسابات المتعدّدة للمودع الواحد.
كيف يمكن تأمين هذا المبلغ؟ يُعدد سلام المصادر المتاحة، والتي تبدأ باحتياطات مصرف لبنان البالغة 11.9 مليار دولار أميركي. وهذه الأموال ليست لا لأصحاب المصارف ولا لمصرف لبنان، بل هي للمودعين. ويُضاف إليها نحو 3 مليارات دولار من السيولة الجاهزة لدى المصارف، إلى جانب محفظة سندات اليوروبوند -المملوكة من المصارف- التي تبلغ قيمتها الإسميّة 10 مليارات دولار (قيمتها السوقيّة حاليًا توازي الـ 3 مليارات دولار).
أمّا عن التدفّقات المتوقّعة مستقبلاً، فيُذكّر سلام بأنّ مصرف لبنان والمصارف تمكنا من تسديد 2 مليار دولار للمودعين خلال العام الماضي، بحسب تعاميم المصرف المركزي. فيما استطاع المصرف المركزي زيادة احتياطاته -خلال السنة نفسها- بنحو 1.85 مليار دولار. وبهذا المعنى، وخلال العام 2025، أمّن النظام المالي 3.85 مليار دولار للمودعين، إمّا من خلال السحوبات أو عبر زيادة الاحتياطات.
وبهذا الشكل، أراد سلام أن يبيّن أنّ ثمّة تدفقات ماليّة إيجابيّة يمكن الرهان عليها، خلال السنوات المقبلة، لضمان الحد الموعود من كل وديعة على المدى القصير (أربع سنوات). مع الإشارة إلى أنّ هذه الفرضيّات تشمل كذلك التحسّن في الإيرادات العامّة، التي ستساهم في تعويم سيولة مصرف لبنان، إذ استشهد سلام مثلاً بزيادة الإيرادات الجمركيّة بنسبة 105% خلال العام الماضي.
باختصار، كانت مرافعة سلام كفيلة بإظهار ركاكة حجج جمعيّة المصارف، التي تصوّب على واقعيّة فرضيات المشروع، لفرض تخفيضات في الجزء الذي يقل عن مئة ألف دولار، من كل وديعة، ولتتفادى تحمّل 40% من كلفة سداد هذه الودائع. بل في واقع الأمر، يمكن القول إن سيولة النظام المالي لا تكفي فقط لتسديد هذا الجزء من الودائع، بل تكفي أيضًا للاحتفاظ بقدر من الاحتياطات بعد التسديد، كما تبيّن أرقام سلام.
تفنيد مغالطات أخرى
خلال المقابلة نفسها، تطرّق سلام إلى أهميّة الاتفاق مع صندوق النقد. التمويل الموعود بقيمة 3 مليارات دولار مهم، لكنّ الأهم هو شهادة الثقة التي يمنحها الصندوق، للتمكن من الحصول على مساعدات واستثمارات من شركاء آخرين. ويمكن أن نضيف -إلى ما قاله سلام- بأنّ هذا البرنامج يمثّل أيضًا ضمانة لحملة سندات اليوروبوند، عند التفاوض معهم لإعادة هيكلة الديون السياديّة، وفق استحقاقات وقيم وفوائد جديدة. ومن دون إنجاز إعادة الهيكلة هذه، لن يتمكّن لبنان من العودة إلى أسواق الدين الدوليّة، ولا الخروج من تصنيفه الحالي كدولة متعثّرة.
أمّا بالنسبة للسندات الطويلة الأجل، التي سيتم منحها لكبار المودعين، أوضح سلام -وبخلاف المتداول- أنّ هذه السندات لن تراكم فوائد بقيمة 2%، بانتظار دفعها مرّة واحدة في تاريخ الاستحقاق. بل سيتم تسديد نسبة 2% من قيمة السند كل سنة، وهو ما يُحسم من قيمته، بانتظار التسديد الكامل عند الاستحقاق. وذكّر سلام خلال المقابلة بأنّ تلك السندات تندرج ضمن مفهوم "السندات المعزّزة بالأصول وإيراداتها"، وهو مفهوم قانوني معتمد لدى كبرى الشركات الماليّة والدول (تجدر الإشارة إلى أنّ أهميّة هذا المفهوم تكمن في ربطه الالتزامات بإيرادات محدّدة، بدل ربطها بالذمّة الماليّة العامّة للجهة المُصدّرة).
باختصار، ما قدّمه رئيس الحكومة يوم أمس يمكن أن يشكّل قاعدة للنقاش حول مشروع القانون، بعد تفنيد الفرضيات التقنيّة والقانونيّة التي يقوم عليها. وعلى أساس هذه القاعدة، يمكن الانتقال للمرحلة المقبلة، التي ستشهد تجاذباً داخل المجلس النيابي، حول مقاربات توزيع الخسائر. ومن البديهي أن يحمل كل طرف أولويّات معيّنة، بما يحدّد الأمور التي يرغب بتحسينها أو تطويرها في المشروع، بهذا الاتجاه أو ذاك. لكن أهم ما في الأمر اليوم، هو أنّ هناك جهة قرّرت أن تحمل كرة النار بيدها. فاستمرار الوضع على ما هو عليه، وهروب المسؤولين من استحقاق مناقشة الحل المالي، لن يؤدّي إلا إلى استمرار تذويب الودائع على المدى البعيد.
