كهرباء سوريا 2026: جباية بلا عدّاد وعقاب للملتزم

دمشق - رهام عليالثلاثاء 2026/01/06
الكهرباء في سوريا (getty)
جباية "بالتقدير" وثمن باهظ للعتمة (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع بداية العام 2026، يبدو أن السوريين على موعد مع فصل جديد من فصول "الجباية" القسرية. ففي خطوة أثارت لغطاً واسعاً، أصدرت وزارة الكهرباء السورية قراراً يقضي بتعديل آلية تقدير الاستهلاك المنزلي، ليلزم المشتركين الجدد والعائدين إلى منازلهم بفاتورة تقديرية ثابتة، تحت ذريعة "عدم توفر العدادات".

هذا الإجراء، الذي خفّض سقف الاستهلاك "التقديري" من 800 إلى 400 كيلو واط ساعي للدورة الواحدة، يضع المواطن في مواجهة مباشرة مع عجز المؤسسة الفني.

 

جباية قسرية في غياب القياس

تعتمد الهيكلية السعرية الجديدة التي بدأت الشركات العامة للكهرباء في المحافظات بتطبيقها، على تقسيم الـ 400 كيلو واط المفروضة إلى شريحتين: الأولى تغطي 300 كيلو واط بسعر 600 ليرة للكيلو، والثانية تغطي الـ 100 المتبقية بسعر 1400 ليرة. وبذلك، تصبح "الضريبة المقنعة" التي يجب على المشترك دفعها نحو 320 ألف ليرة سورية (29 دولاراً تقريباً) للدورة الواحدة، حتى وإن لم يستهلك كيلو واط واحداً.

وتبرر الوزارة هذا الإجراء بكونه "خطوة أولية لضبط الهدر وتحقيق توازن في الشبكة"، ولتوحيد العمل بين الشركات العامة في ظل النقص الحاد في العدادات الأحادية منذ أول تشرين الثاني الماضي. إلا أن التدقيق في تفاصيل القرار يكشف عن فجوات تنظيمية تحول "التقدير" إلى "عقاب مالي".

 

جباية الجزاف: عقاب الملتزم

في توصيفه لهذا الإجراء، يرى الخبير الاقتصادي د. عمار يوسف أن فرض فاتورة تقديرية ثابتة هو "عملية عدالة في الظلم"، مؤكداً أن الخطأ هو خطأ المؤسسة العاجزة عن تأمين العدادات.

ويضيف يوسف في تصريح خاص لـ"المدن": التقدير الجزافي بـ 400 كيلو واط ككلفة استهلاك هو أمر غير منطقي، خاصة وأن هناك منازل كثيرة فارغة لا يسكنها أحد، ومع ذلك يُفرض عليها هذا المبلغ، معتبراً أن ما يحدث هو عملية "إثراء بلا سبب" وظلم مباشر للمواطنين.

حسابياً، تصل قيمة هذه الفاتورة "الإجبارية" إلى نحو 320 ألف ليرة (29 دولاراً)، وهو مبلغ يفوق طاقة المواطن الذي كان قبل سنوات يجد صعوبة في دفع فاتورة تُحسب بالكيلو واط الواحد بـ 3 ليرات، فكيف الحال اليوم مع سعر 600 ليرة للشريحة الأولى؟

 

"دعم خلبي" وتمهيد للخصخصة

يفكك الخبير الاقتصادي مفهوم الـ 400 كيلو واط التي تروج لها الوزارة كدعم، واصفاً إياها بـ "الدعم الخلّبي". فمن الناحية التقنية، لا توجد عائلة سورية تستهلك أقل من 1000 واط حتى في ذروة التقنين؛ إذ إن الـ 400 كيلو المحددة لا تكفي لتشغيل الأدوات الأساسية (براد، غسالة، وساعات قليلة من التدفئة أو التكييف).

ويرى يوسف أن هذه الأسعار ليست إلا "تمهيداً لخصخصة قطاع الكهرباء"، إذ تعمل الحكومة على رفع الأسعار لتصبح "عامل جذب" للمستثمرين الذين لن يقبلوا بالاستثمار وفق الأسعار القديمة غير المجدية. ويضيف: "المواطن هو من سيدفع الثمن الأكبر، والفوائد ستذهب للجهات الحكومية أو الشركات الخاصة من جيوب المواطنين، مما سيزيد الفقر فقراً، لدرجة أن الموظف سيحتاج لراتب ثانٍ فقط لتغطية فاتورة الكهرباء".

 

الزيادة التي أكلتها الفاتورة

على المقلب الآخر، لم تمر هذه القرارات دون أن تثير عاصفة من النقمة في "الفضاء الرقمي" السوري، حيث تحولت التعليقات إلى مرآة لواقع يرى في هذه المبالغ "افتراءً وظلماً" على شعب لم يكد يلتقط أنفاسه.

وتلخصت ردود الفعل في تساؤل مرير: "ليش وينا الكهرباء لندفع كل معاشنا ثمنها؟"، في إشارة إلى أن ساعات الوصل الشحيحة قد لا تعادل استهلاك 100 واط فعلي، بينما تُجبر الوزارة المواطن على دفع ثمن 400 واط "تقديرية".

وبرز سؤال العدالة المفقودة بحدة في تعليقات المواطنين: "إذا لم تكن العدادات متوفرة من المؤسسة فما ذنبنا لندفع ثمن عجزكم؟". فيما ربط آخرون بين الفاتورة والزيادات الوهمية في الرواتب، معتبرين أن ما أُعطي باليمين استردته الكهرباء باليسار: "الزيادة اللي تحققت على الراتب أخذتموها دفعة واحدة.. خبرونا الزيادة الثانية كيف بدكم تأخذوها؟".

وبين من يطالب بـ "أن يشبع الخبز أولاً"، ومن يذكّر بدراسات سابقة تؤكد أن المنزل السوري يحتاج بالحد الأدنى إلى 600 كيلو واط ليعيش حياة آدمية، يبدو القرار كـ "إعدام مالي" للملتزمين.

 

عقاب الملتزم ومكافأة المخالف

بالتوازي، يطرح القرار إشكالات اقتصادية تتجاوز مجرد تأمين السيولة؛ فهو يفرض رقماً ثابتاً (400 ك.و.س)  ولا يفرق بين منزل مأهول وآخر مهجور، أو بين مستهلك يعتمد التقنين الصارم وآخر لديه منظومة طاقة شمسية تغنيه عن الشبكة، بالتوازي فإن المواطن الذي يسعى لتسوية وضعه القانوني يجد نفسه "مغرماً" بفاتورة ثابتة إلى أجل غير مسمى، بينما يظل "سارقو التيار" خارج دائرة الضبط الفعلي، مما يرسخ ثقافة مفادها أن "الالتزام مكلف والتهرب مجدٍ".

بدلاً من وضع جدول زمني لتأمين العدادات ومعالجة الخلل الفني، اختارت الوزارة الطريق الأقصر عبر تحويل نقص التجهيزات إلى مصدر إيرادات مضمون.

 

الاستثمار في الوجع

يبدو أن السيناريو القادم، كما يحلل يوسف، يعتمد على الضغط الحالي ليتقبل المواطن لاحقاً دخول الشركات الخاصة كـ "منقذ"، بينما الحقيقة هي أن الشبكة الموجودة ستُدار بأسعار سياحية وتجارية. وفي بلد يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر، تتحول الكهرباء من خدمة أساسية إلى استثمار في حاجة الناس، حيث تصبح "الإنارة" رفاهية لا تليق إلا بمن يملك "راتبين" أو حوالة خارجية بالدولار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث