المالية السورية... تخفيف الضرائب وترحيل الأزمات

خاص - المدنالثلاثاء 2026/01/06
وزارة المالية السورية (سانا)
وزارة المالية تخفف الضرائب (سانا)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع إقرار اللحظات الأخيرة من عام 2025، قررت وزارة المالية الاعتراف بأن "الجرة الضريبية" لم تعد تحتمل مزيداً من الحصى، فالتعميم الأخير الذي قضى بإلغاء اقتطاع الـ 10% تحت مسمى "المساهمة الوطنية لإعادة الإعمار"، بالتوازي مع رفع سقوف التأمين الصحي، ليس مجرد إجراء فني، بل هو قراءة حقيقية لواقع معيشي انفجر تضخماً.

 

اللعب في الوقت الضائع

لسنوات، كانت "مساهمة الإعمار" ثقباً أسود في جيوب السوريين، رسوم تُدفع على كل شيء تقريباً من دون أن يرى المواطن حجراً يُرمم أو شارعاً يُعبد بوضوح، واليوم، ومع دخول عام 2026، يأتي إلغاء هذا الاقتطاع كخطوة لتبريد الاحتقان الاقتصادي، فالحكومة السورية الجديدة باتت تدرك تماماً أن السياسة الجبائية وصلت إلى طريق مسدود، إذ بات التهرب الضريبي خياراً وحيداً للبقاء أمام منشآت منهكة أصلاً. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من أين ستعوض الخزينة هذه المليارات التي اعتادت على جنيها بسهولة؟ وكيف ستستقيم موازنة تعاني بنيوياً دون هذا الرافد؟

 

التأمين الصحي.. "بَدل ضائع" عن الأجور

في السياق نفسه، خرج وزير المالية محمد يسر برنية ليعلن عن "ثورة" في أرقام التأمين الصحي، تبدأ برفع سقف العمليات الجراحية من 5 إلى 20 مليون ليرة، وتوسيع تغطية العيادات الخارجية، وهذا ما لا يمكن قراءته بحسب خبراء اقتصاد إلا كـ"اعتراف ضمني" بموت القوة الشرائية للرواتب؛ إلا الدولة هنا لا تقدم رفاهية، بل تحاول تقديم حماية طبية بديلة عن الزيادة النقدية في الرواتب التي باتت تتبخر قبل أن تصل ليد الموظف.

والحقيقة المرّة أن الراتب فقد وظيفته الاجتماعية كأداة أمان، وأصبح الاستشفاء يمثل "رعباً" مالياً قد ينهي مدخرات عمر الموظف في ليلة واحدة رغم الزيادات على الرواتب والأجور. لذا، جاءت هذه الزيادة كحبل نجاة، لكنه حبل يظل معلقاً بمدى التزام المشافي وشركات التأمين التي طالما برعت في "تطفيش" المرضى بحجج البيروقراطية.

 

خلاصة المشهد

يبدو أن ما تفعله الحكومة السورية اليوم هو محاولة لإعادة ضبط توازن "هش" للغاية، فهي تريد تخفيف العبء الضريبي لتحريك الأسواق، وفي الوقت ذاته ترمم ما تبقى من شبكة أمان صحي لامتصاص نقمة غياب زيادات الأجور الحقيقية؛ والعبرة لن تكون في النصوص المنشورة مع مطلع العام، بل في "الأثر الرجعي" لهذه القرارات على أسعار السلع في الأسواق، ومدى قدرة الموظف على دخول المستشفى دون أن يضطر للاستدانة بالرغم من امتلاكه "بطاقة تأمين"، وعليه فإن عام 2026 سيكون عام الاختبار الحقيقي لهذه السياسة: فهل نحن أمام بداية مراجعة شاملة، أم مجرد ترحيل للأزمات؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث