نشرت مجلّة "ذا أكونوميست" افتتاحيّة تطرّقت فيها إلى آخر المُستجدات في فنزويلا، وخصوصًا تلك المرتبطة برهانات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وطموحاته بالنسبة لقطاع النفط في ذلك البلد. المقال وجد أن ترامب كان واضحًا للغاية بالنسبة لدوافعه، المرتبطة باستعادة استثمارات بلاده التاريخيّة في فنزويلا، وخصوصًا في مجال مصادر الطاقة. ولترامب، ثأر تاريخي في هذا القطاع. لكنّ المقال لفت، في الوقت نفسه، إلى جملة من الوقائع التي قد لا تتلاءم مع رهانات وحسابات الرئيس الأميركي.
ثأر تاريخي ورهان على الاستثمار
بعد ساعات من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في مداهمة كبيرة ليل الثالث من كانون الثاني، أوضح الرئيس الأميركي دونالد ترامب دوافعه. "كان قطاع النفط في فنزويلا فاشلًا، فشلًا ذريعًا، ولوقت طويل"، قال ترامب. وأضاف، "سنجعل شركات النفط الأميركية الكبيرة جدًا لدينا… تنفق مليارات الدولارات، وتُصلح البنية التحتية المدمّرة بشدة… وتبدأ بتحقيق أرباح للبلاد".
كان في هذا الإعلان نكهة الثأر والانتقام. فقبل ثمانية عشر عامًا، في عهد هوغو تشافيز، قامت فنزويلا بتأميم أصول تعود لشركات أميركية وأخرى غربية. وفي النتيجة، قامت تلك الشركات برفع دعاوى ضد فنزويلا، وضد شركة النفط الوطنيّة، مطالبةً بتعويضات بقيمة إجماليّة تقارب الـ 60 مليار دولار. وخلال شهر كانون الأوّل الماضي، كان ترامب يطالب فنزويلا بإعادة كل "النفط والأراضي وغيرها من الأصول"، التي صادرتها السلطات في فنزويلا سابقاً.
لكن ترامب يريد أكثر من الثأر والانتقام. فقد أدّت عقود من نقص الاستثمار، وسوء الإدارة، إلى تراجع إنتاج فنزويلا النفطي بمقدار الثلثين، منذ أواخر العقد الأول من هذه الألفية. وبذلك، وصل إنتاج البلاد إلى مستوى يقارب المليون برميل يوميًا. ولهذا السبب، يتصوّر ترامب (أو يراهن على) أنّ إعادة تشغيل هذه القدرات المعطّلة ستجعل فنزويلا دولةً غنيّة، فيما ستتمكّن الشركات الأميركيّة العائدة إلى فنزويلا من جني الأرباح.
أمّا الأهم، فهو أنّ فنزويلا تجلس فوق ما يقارب 300 مليار برميل من النفط — أي خُمس احتياطات العالم — ما يوحي بأن الإنتاج قابل للارتفاع بكميات كبيرة، ولفترة من الزمن. أمّا النفط الثقيل والحامضي الذي تختزنه فنزويلا، فهو بالضبط النوع الذي تعاني المصافي الأميركية نقصًا مزمنًا فيه، فيما تشهد فيه علاقات الولايات المتحدة مع كندا، أحد مورّدي هذا النوع من النفط، توتّرًا شديداً.
شكوك بالرهانات
ثمّة ما يدعو إلى الحذر قبل تأييد اندفاعة ترامب نحو النفط الفنزويلي. بل في الواقع، كثيرٌ من الأشياء التي تدعو للحذر. إذ على المدى القريب، من المرجّح أن ينخفض إنتاج فنزويلا من النفط الخام، بدلًا من أن يتعافى كما يتخيل ترامب. ففي كانون الأول الماضي، أعلنت الولايات المتحدة فرض حصار على الشحنات الفنزويلية، التي تنقلها سفن مدرجة على اللائحة السوداء؛ ثم قامت بمصادرة إحداها. ومنذ ذلك الحين، انهارت الصادرات، وبلغ حجم النفط الخام الفنزويلي العالق على متن ناقلات خاملة أعلى مستوياته منذ عدة سنوات.
كما تعاني فنزويلا نقصًا في النفثا، وهي مادة مُخفِّفة تحتاجها لجعل نفطها الفائق اللزوجة قابلًا للنقل، ولم تعد هذه المادة تصلها من روسيا. وما لم يُرفع الحصار، وهو أمر يعتمد على التطورات السياسية والعسكرية، فإن إنتاج فنزويلا سيشهد المزيد من الانخفاض، ليهبط ربما إلى أقل من 700 ألف برميل يوميًا.
في الواقع، من الممكن أن يتعافى الإنتاج خلال بضعة أشهر، إذا حصل انتقال سياسي سلس، ورُفعت العقوبات الأميركية عن فنزويلا، بما في ذلك الحصار البحري (وهذا افتراض صعب وكبير!َ). وتقدّر شركة "كلبلر"، وهي شركة بيانات، أنّ إنجاز أعمال الصيانة الأساسية قد يرفع إنتاج البلاد من النفط الخام إلى 1.2 مليون برميل يوميًا، بحلول نهاية عام 2026. لكن مع ذلك، سيظل هذا المستوى من الإنتاج منخفض للغاية، قياسًا بالحد الأقصى لقدرة البلاد الإنتاجية. ولزيادة الإنتاج فعلاً، كما يطمح ترامب، ستحتاج فنزويلا إلى تجاوز ثلاث مشكلات: غياب التمويل، ونقص اليد العاملة، والإشباع في السوق العالميّة.
تُقدّر شركة "ريستاد إنرجي"، وهي شركة استشارات، أن تحتاج فنزويلا إلى 110 مليارات دولار، من الإنفاق الاستثماري على الاستكشاف والإنتاج، لإعادة إنتاج البلاد إلى مستواه قبل 15 عامًا. وهذا المبلغ الضخم، يشكّل ضعف ما استثمرته كبرى شركات النفط الأميركية حول العالم، في عام 2024. ويبدو أنّ ترامب يعتقد أنّ هذه الشركات ستسارع إلى توقيع اتفاقيّات ضخمة، لكن هذا الافتراض قد لا يكون دقيقًا، إذ ما زالت ذكريات الماضي الأليم عالقة في ذهن شركات النفط الأميركيّة.
وفي جميع الحالات، سيبقى نجاح ترامب في هذا المسعى غير مضمون على الإطلاق. فهو سيغادر البيت الأبيض بعد نحو ثلاث سنوات، وقد يفقد اهتمامه بهذا الملف قبل ذلك. وحتى الآن، التزمت كبرى شركات النفط الأميركية الصمت حيال دعوة ترامب إلى التحرّك، ولم تُظهر الكثير من الحماسة. كما أنّ المصارف وشركات والتأمين، الضروريّة لتمويل شحنات النفط وتأمينها، ما زالت متردّدة في التحرّك.
مشاكلات بنيويّة
حتى لو تمكّن ترامب من إقناع عددٍ كافٍ من شركات النفط الأميركيّة بالاستثمار، من المستبعد أن يتمكّن قطاع النفط في فنزويلا من استيعاب هذه الاستثمارات ومجاراتها. ففي السنوات الأخيرة، عانى هذا القطاع من نزيفٍ حاد في الكفاءات، حيث غادر عشرات الآلاف من العمّال المهرة البلاد، من مهندسين إلى جيولوجيين. وفي الوقت الراهن، يُدار هذا القطاع إلى حدٍّ كبير من قبل القوات المسلحة. ولتشكيل مشاريع قابلة للحياة مع شركات غربية، سيتعيّن إصلاح القطاع، الذي يضم نحو 70 ألف موظف، إصلاحًا شاملًا.
وأي نفط إضافي ستتمكّن فنزويلا من ضخه، سيتدفّق إلى سوقٍ مشبعة. فوكالة الطاقة الدولية تتوقّع أن يفوق المعروض العالمي من النفط الخام الطلب عليه، حتى نهاية العقد الراهن على الأقل، بسبب قوة الإنتاج في دول مثل البرازيل وغويانا، بل وفي الولايات المتحدة أيضًا، في مقابل فتور الطلب. ويتوقّع كثير من المحللين أن تؤدي فوائض الإنتاج إلى خفض أسعار النفط العالمية إلى نحو 50 دولارًا للبرميل، وربما أقل، خلال هذا العام والعام المقبل.
في أكثر سيناريوهاتها تفاؤلًا، تتوقّع "كلبلر" أن يرتفع إنتاج فنزويلا النفطي إلى ما بين 1.7 و1.8 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2028. وفي هذه الحالة، من المرجّح أن تُقبل المصافي الأميركية على شراء جزء من هذا الإنتاج الإضافي. وقد تُستبعد المصافي الصينية، التي كانت تشتري معظم الإمدادات الفنزويلية بأسعار مخفّضة، من قائمة المستفيدين من هذا الإنتاج؛ وربما تقلّص شركات النفط الحكومية الصينية وجودها في فنزويلا أيضًا.
قد يفيد كلّ ذلك الولايات المتحدة تجاريًا وجيوسياسيًا، لكن بشكل هامشي فقط. أمّا ما هو أهم، مثل إعادة إنتاج فنزويلا إلى ما بين 2.5 و3 ملايين برميل يوميًا، وهو مستواه في أواخر العقد الثاني من الألفية، فيبدو طموحاً مبالغاً به على المدى القصير.
لقد كان خطف مادورو من قبل ترامب استعراضياً وسريعاً، لكنّ العائد الاقتصادي لن يكون كذلك!
