تواجه سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، تحديات مالية واقتصادية واجتماعية كثيرة، إلا أنّ الحكومة تعمل على إزالة العقبات. وتبيِّن المؤشّرات أنّ المرحلة الراهنة تسجّل نتائج إيجابية. ومع ذلك يبقى هناك ملفّات حسّاسة جداً يجب التعامل معها، وعلى رأسها الديون الخارجية، لا سيّما ديون إيران وسوريا التي تراكمت في عهد النظام السابق.
ديون إيران وروسيا
منذ اندلاع الثورة السورية في العام 2011، قدّمت روسيا وإيران دعماً للنظام السابق، وشغّلَت عدّاداتها لتسجيل دعمها كديون على الدولة السورية، وتراكمت الديون بين ما قبل وخلال الثورة. وبعد سقوط الأسد، فتحت إيران وروسيا دفاترهما للمطالبة باسترداد الأموال التي وصفها وزير المالية السوري محمد يسر برنية بأنّها "ديون بغيضة تجاه إيران وروسيا".
على أنّ مطالبة إيران وروسيا بديونهما، يقابله بحسب برنية "مطالبات مالية مضادة تعمل الحكومة على إعدادها". وقال "إذا كانوا يطالبون بمبلغ معين فنحن سنطالب بأضعافه من مساهمتهم في تدمير البلد". وأكد أن هذا الملف "سياسي معقّد، والدولة لن تفرّط بأي حق من حقوق السوريين، وستسعى إلى تحميل الأطراف المعنية مسؤولياتها الكاملة".
وملف الديون الإيرانية والروسية يوجّه الأنظار نحو الديون الخارجية بشكل عام. فقال برنية إنّ "الديون الخارجية تقدّر بنحو 4.5 مليارات دولار، والحكومة دخلت في مسارات تفاوضية لمعالجته". ونظراً لثقل الديون الخارجية على الدولة، كشف برنية أنّ أي إقتراض محتمل سيكون"بشروط ميسّرة جداً ولأهداف اجتماعية أو إستراتيجية واضحة".
فائض مالي
بالتوازي مع ملفّ الديون الإيرانية والروسية المعقّد، كشف برنية أنّ هناك مؤشّرات إيجابية في ما يتعلّق بالمالية العامة. فأشار في مقابلة ضمن برنامج "صالون الجمهورية" على منصة "سوريا الآن" التابعة لشبكة الجزيرة، إلى أنّ الموازنة العامة "حقّقت فائضاً خلال الأشهر العشرة الأولى من العام 2025". وأكّد أنّ الفائض أتى "نتيجة مباشرة لمكافحة الفساد وضبط الإنفاق الاستثماري". كما أنّ الحكومة "قيّدت الصرف على المشاريع غير الجاهزة، وهو ما انعكس مالياً، لكنّه لا يلغي الحاجة الملحّة إلى توجيه الموارد نحو القطاعات الاجتماعية". وفي السياق، لفت برنية النظر إلى أنّ الفائض "لا يمكن فصله عن الواقع الاجتماعي، وهذا الفائض لا يعكس وضعاً مثالياً". وأوضح أنّه "لا يمكن أن يفتخر أحد بأن لديه أموالاً في جيبه وأطفاله جوعانين ومدارسه مدمرة ومشافيه تحتاج إلى إعادة تأهيل".
وإلى جانب هذا الفائض، أوضح برنية أنّ الحكومة "سدّدت كامل السلف المستحقة لمصرف سوريا المركزي، والدين الداخلي اليوم صفر". وأكّد أنّ "الحكومة حريصة على عدم اللجوء إلى المصرف المركزي في التمويل، دعماً لاستقلاليته".
وفي الملفّ المالي أيضاً، ربطَ برنية بين إدارة المال العام والشفافية باعتبارها شرطا للثقة الشعبية، وقال إنّ "كل ليرة ستدخل الموازنة العامة ستعرفون من أين جاءت وأين أُنفقت. وستنشر الحكومة تقارير مالية دورية بعد إقرار الموازنة فالمواطن شريك في الرقابة والمساءلة".
ورأى برنية أنّ "الانضباط المالي هو الأساس في أي استقرار اقتصادي. استقرار الليرة السورية يأتي بالدرجة الأولى من الانضباط في المالية العامة وعدم تمويل العجز من المصرف المركزي. وهذه السياسة ليست ظرفية، بل خيار طويل الأمد".
الإصلاح الضريبي والدولرة
وفي محاولة لإيجاد توازن بين حاجة الدولة للإيرادات، وخصوصاً الضريبية منها، وبين الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب، أكّد برنية أنّ النظام الضريبي الجديد "يقوم على التبسيط وخفض النسب مع توسيع قاعدة الالتزام، فنحن نريد خفض الضرائب، لكن زيادة الالتزام". وأوضح أن ضريبة المبيعات ستكون بحدود 5 بالمئة وشرائح واسعة من ذوي الدخل المحدود ستكون معفاة". وبالتوازي، قال إنّ "الدولة لن تنافس القطاع الخاص، وشركات القطاع العام ستعاد هيكلتها أو تحويلها إلى شركات مساهمة مع إمكانية دمج أو تصفية غير القابلة للحياة، بما يخدم النمو الاقتصادي".
وعلى صعيد العملة، أكّد برنية أنّه "نريد أن نصل إلى مرحلة يكون فيها المواطن واثقاً بالليرة السورية ويتعامل بها من دون خوف". أمّا استخدام الدولار فهو "مرحلة انتقالية". على أنّ التحوّل من الدولرة إلى التعامل الواثق بالليرة "لن يتم بقرارات قسرية أو أمنية، بل عبر الاستقرار المالي والسياسة النقدية المتماسكة، مما يعيد الثقة بالعملة الوطنية تدريجياً".
