بعد أعوام من الضغط، انفجرت العلاقة بين كراكاس وواشنطن، باستهداف الولايات المتحدة الأميركية عمق العاصمة الفنزويلية، وتبعَ ذلك اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وترحيله مع زوجته خارج البلاد. على أنّ الاستهداف الأميركي، اليوم السبت، هو خلاصة حصار استمرّ لسنوات، متّخذاً طابعاً اقتصادياً بشكل رئيسي، تخلّله جانب عسكريّ في أحيان قليلة.
حصار طويل
تعاظمت صورة الحصار الأميركي لفنزويلا في العام 2015 عندما أعلنت واشنطن أنّ فنزويلا تشكّل تهديداً غير عادي للأمن القومي الأميركي، فكان ذلك مدخلاً لفرض عقوبات مالية واسعة في العام 2017، مَنَعَت فنزويلا من الوصول إلى الأسواق المالية العالمية. وعام 2019، فرضت واشنطن حصاراً نفطياً على كراكاس، جَعَلها في غربة عن السوق النفطي الدولي، وجمّدت أميركا أصول الدولة وشركات النفط الفنزويلية.
الحصار الأميركي أدّى إلى انعكاسات سلبية جداً على الاقتصاد الفنزويلي. فتقويض التجارة النفطية أدّى إلى تراجع الإنتاج اليومي إلى مستويات متدنية جداً، ما رتّب خسارة فنزويلا لعائدات مالية ضخمة، وهي المصنّفة عالمياً كأكبر دولة في العالم لديها احتياطي نفطي مؤكّد. وبالتوازي، مَنَعَها الحصار من الوصول إلى الأسواق العالمية وشراء التكنولوجيات وقطع الغيار. وساهم بُعدها عن النظام المالي العالمي وتجميد أصولها في الخارج، في الحدّ من قدرتها على الاستيراد، خصوصاً السلع الأساسية، مثل الغذاء والدواء والمعدّات.
هذا الواقع، أدّى إلى تراجع الإيرادات، ما أجبر المصرف المركزي الفنزويلي على طباعة العملة لتغطية النفقات، فساهم ذلك في فقدان البوليفار الفنزويلي قدرته الشرائية، فزادت معدلات الفقر والبطالة التي ترافقت مع زيادة معدّلات التضخّم. في حين أنّ الدوّامة السلبية التي دخل فيها الاقتصاد، شجّع ولادة الأسواق السوداء في مختلف المجالات وفاقَمَ معدّلات الفساد.
بيع الذهب
في محاولة لتدارك نتائج الحصار، لجأت فنزويلا إلى استخدام احتياطها من الذهب بدءاً من الفترة بين عامي 2015 و2016، عن طريق استعمال الذهب كضمان للحصول على سيولة مالية، بدل بيعه مباشرة. إلاّ أنّ هذه الطريقة لم تدم طويلاً، فسرعان ما بدأت كراكاس ببيع الذهب على مراحل متفرّقة أبرزها في العام 2018، وذلك عبر دول حليفة ووسطاء، بهدف الحصول على العملات الصعبة. وأكبر كميات باعتها فنزويلا، كانت في العام 2019، إذ باعت نحو 24 طناً خلال شهر نيسان، وفي أيار باعت نحو 14 طناً. وبين العامين 2017 و2019، باعت فنزويلا نحو 73 طناً من الذهب. وعبر سلسلة البيوعات التي قامت بها كراكاس، بات لدى المصرف المركزي في العام 2024 نحو 161 طناً من احتياطي الذهب، في حين بلغ في العام 2000 نحو 300 طن، ووصل في العام 2011 إلى نحو 373 طناً.
تضييق الخناق
وصلت حالة التضييق الأميركية على فنزويلا إلى ذروتها بين نهاية تشرين الثاني ونهاية كانون الأول 2025. ففي 24 تشرين الثاني صنّفت وزارة الخارجية الأميركية منظمة كارتل دي لوس سوليس (كارتيل الشمس) الفنزويلية، منظمة إرهابية باعتبارها محوراً لعمليات تهريب المخدرات ودعم جماعات مسلحة. وفي نهاية تشرين الثاني أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها بشكل كامل
وفي 10 كانون الأوّل، أطبقَت واشنطن حصارها على ناقلات النفط الفنزويلية التي كانت لا تزال تجد لنفسها مسارب تبيع النفط من خلالها، فصادرت واشنطن ناقلتيّ نفط في المياه الدولية قبالة السواحل الفنزويلية. وبعد نحو 9 أيام، شملت العقوبات الأميركية عائلته الرئيس مادورو وأفراد مقرّبين منه، بتهمة دعم "الدولة النرجسية ومكافحة غسل الأموال والمخدرات".
ونفّذت واشنطن ضربتها البرية الأولى في 24 كانون الأول، مستهدفة شحنة مخدرات. وفي نهاية الشهر نفسه، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 10 كيانات، منها شركة Empresa Aeronautica Nacional SA بتهمة تصنيع طائرات مسيّرة لصالح إيران. كما فرضت عقوبات على شركات نفط وناقلات، بتهمة دعم نظام مادورو وتسهيل تصدير النفط الإيراني الفنزويلي.
