لا يزال ملفّ الكهرباء في لبنان شائكاً ومحطّ تجاذب في الوقت نفسه. فهو حاجة أساسية للبلد، لكنّه أيضاً ملفٌ للتجاذب والرسائل السياسية. وبالتوازي، لا ينفصل مصير تأمين الكهرباء عن حركة المتغيّرات في المنطقة والعالم. وبالتالي، فإنّ توقيع لبنان ومصر مذكّرة تفاهم لتأمين حاجات لبنان من الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء، ليس معزولاً عن المشهد السياسي العام في لبنان والمنطقة والعالم. وعليه، فإنّ وصول الغاز والبدء بزيادة ساعات التغذية الكهربائية، متروك للوقت.
مذكّرة التفاهم
تلعب الجمهورية المصرية دوراً مهماً في دعم مسار التهدئة في لبنان، ومساعدته على اجتياز أزماته. وفي السياق، انخرطت القاهرة في مشروع استجرار الغاز المصري إلى لبنان، بدءاً من حزيران 2022 عبر توقيع اتفاق استجرار 650 مليون متر مكعب من الغاز سنوياً، لإنتاج نحو 400 ميغاواط من الكهرباء في لبنان.
واليوم، تجدّد القاهرة التزامها بمساعدة لبنان، وخصوصاً في مجال الكهرباء. فقد وقّع وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي ووزير الطاقة اللبناني جو الصدي، مذكّرة تفاهم لتأمين الغاز الطبيعي المخصص لتوليد الكهرباء في لبنان.
أصداء إيجابية سبقت التوقيع. فأعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون أنّ توقيع المذكّرة "خطوة عملية وأساسية، سوف تؤمن للبنان القدرة على زيادة إنتاج الطاقة الكهربائية للمواطنين اللبنانيين والمقيمين فيه، وتخفّف من التقنين المتّبع". أمّا بدوي، فاعتبر أنّ هذه المذكّرة "تبيِّن اهتمام مصر بملف الطاقة في لبنان". وأكّد أنّ "التعاون اللبناني المصري في مجال الغاز سيكون من ثمار العلاقات اللبنانية المصرية المتينة، لا سيّما أنّ مصر سوف تقدّم كل الدعم للبنان في هذا المجال من خلال الخبرات والإمكانات المصرية في مجالات عدّة، منها استكشاف حقول الغاز واستخراجه ونقله وتوزيعه على القطاعات الصناعية والمنازل ومحطات توليد الطاقة الكهربائية".
وبعد توقيع المذكّرة في السراي الحكومي، برعاية رئيس الحكومة نوّاف سلام، أشار الصدي إلى أنّ توقيع المذكّرة يندرج في سياق عمل الوزارة على "نقل قطاع الطاقة تدريجاً من إستعمال الفيول إلى إستعمال الغاز الطبيعي، لأنّه أرخص ولا يضرّ بيئياً كالفيول، ويبعدنا عن كل "معمعات" مناقصات الفيول".
مفاعيل مؤجَّلة
توقيع المذكّرة لا يلغي وجود تفاصيل كثيرة تؤجِّل ترجمة مفاعيلها على أرض الواقع، فبعض التفاصيل "لناحية التعاقد والسعر، سيتمّ العمل عليها في الأسابيع المقبلة"، بحسب الصدي. ولذلك، فإنّ لبنان سينتظر الغاز المصري "عندما يتوفّر".
هذه الجزئية ليست وحدها ما يؤخّر وصول الغاز، بل على لبنان انتظار تأهيل خطّ الأنابيب الواصلة من العقبة إلى سوريا، والتي سيمرّ الغاز المصري عبرها، قبل الوصول إلى لبنان. وأوضح الصدي أنّه "استلمنا تقرير لجنة فنية أتت إلى لبنان بمبادرة من إخواننا الأردنيين لدراسة وضع خط الأنابيب الذي يأتي من العقبة ويصل إلى سوريا، وخط أنابيب ثانٍ يأتي من الشمال ويزوّد دير عمار بالغاز. وأتانا التقييم حول ما هو مطلوب من الجهة لبنانية لإعادة التأهيل خط الأنابيب من القسم اللبناني، وتكلفته، وكم يستغرق وقتاً. وتبيّن أنّ تكلفته ليست بكبيرة، والوقت الذي نحتاجه هو تقريباً من ثلاثة إلى أربعة أشهر".
وبما أنّ المسألة محكومة بالتمويل، قال الصدي إنّه "سيتواصل مع جهات مانحة، لنرى كيف يمكن أن تساعدنا لتمويل إعادة تأهيل خط الأنابيب في القسم اللبناني من دير عمار إلى الحدود السورية شمالاً"، وهذا الأمر، ليس معزولاً عن الحاجة لصيانة الأنابيب من الجهة السورية. ولتحويل المذكّرة إلى اتفاق يُتَرجَم على الأرض، سيحتاج ذلك إلى "التفاوض أيضاً مع الأردن وسوريا"، بحسب الصدي.
ومع ذلك، فإنّ وزارة الطاقة تسعى إلى أنّ يكون هناك "تنويع في مصادر الغاز الطبيعي". إذ كشف الصدي عن "العمل مع الدول الخليجية أو عبر IFC (مؤسسة التمويل الدولية، وهي ذراع لمجموعة البنك الدولي) على إنشاء محطات جديدة تعمل على الغاز، وعلى إنشاء محطة تغويز والتزوّد بالغاز الطبيعي".
خطوة أولية
ما جرى توقيعه هو مذكّرة تفاهم، وليس اتفاقية لتوريد الغاز. والمذكّرة هي وثيقة تظهر نيّة للتعاون من دون التزام قانوني. ولذلك، هي تعبير عن مبادىء عامة تنطلق من جزئية تأمين الغاز، وتتوسّع لتتناول التعاون وتبادل الخبرات، وهو ما عبَّرَ عنه بدوي. وانطلاقاً من الفارق القانوني بين المذكّرة والاتفاق، فإنّ ما وُقِّعَ اليوم ليس اتفاقاً لشراء الغاز، وليس التزاماً مصرياً بالتوريد، بل هو "خطوة أوّلية"، بنظر الصدي.
الخطوة الأولى "إيجابية. ولا يمكن النظر إليها بمعزل عن الدور الذي تلعبه مصر على صعيد دعم لبنان سياسياً واقتصادياً"، على حدّ تعبير مصادر متابعة لملف الكهرباء، والتي قالت في حديث إلى "المدن"، إنّ التعاون بين لبنان ومصر "يوصل رسالة إلى الأشقّاء العرب والعالم، بأنّ لبنان يجب ألّا يُترك في هذه الظروف الصعبة. أمّا التركيز على دعم قطاع الكهرباء، فيأتي في سياق أهمية الكهرباء على الصعيد الاقتصادي. فالنهوض الاقتصادي لا يكتمل من دون تأمين كهرباء كافية، تخفّض كلفة الإنتاج، وتقلّل من الاعتماد على المولّدات الخاصة ذات الفواتير المرتفعة".
لكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي. وكذلك لا يكفي إتمام الشروط التقنية والإدارية على مستوى العلاقات بين الدول المعنية بمرور الغاز في أراضيها. بل يجب ملاقاة هذه الخطوة بالعمل الجاد من الجانب اللبناني، على صعيد كل الأطراف المعنية بقطاع الطاقة، من هيئة إدارة قطاع البترول، منشآت النفط، الهيئة الناظمة للكهرباء، مؤسسة كهرباء لبنان ووزارة الطاقة. كما لا يكتمل العمل من دون تسهيلات قانونية سواء في مجلسي الوزراء والنواب، وهذا أمر لا ينفصل عن المسار السياسي. والنوايا المصرية الجيّدة تحتاج إلى أن يقابلها تأمين تمويل سريع، حتى لا يتأخّر ضخّ الغاز وتأمين الكهرباء، وكي لا يُترَك الملف للوقت.
