حين يتحوّل دَيْن الدولة إلى وجهة نظر

رأيمهدي الحسينيالأحد 2025/12/28
3.jpg
التزامات الدولة لمصرف لبنان... أزمة عميقة (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

حين يُسمى الدين قبل أن يُثبت، لا يعود مسألة قانونية بل يتحول إلى وجهة نظر. في 26 كانون الأول 2025، وبعد جلسة مجلس الوزراء، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن رقم "16 مليار" المتداول كدينٍ على الدولة لمصرف لبنان "مطروح من طرف واحد وليس ثابتاً"، وإن الحكومة أقرت آلية لبحثه بين مصرف لبنان ووزارة المالية، على أن يعود مجلس الوزراء فيحدد مقدار الدين "إذا كان مترتباً على الدولة". ثم ختم "وفي مطلق الأحوال، الدولة ستتحمّل مسؤوليتها… وفقاً للمادة 113 من قانون النقد والتسليف".

هذه العبارات قد تبدو مطمئنة للوهلة الأولى، لكنها تضعنا أمام سؤالٍ قانوني بسيط لا يجوز القفز فوقه: كيف نُثبت "دين الدولة" أصلاً قبل أن نُسميه ديناً، وقبل أن نحوله إلى سندات أو ندخله في معادلات توزيع الخسائر؟ هذا السؤال هو محور دراسة قانونية مرفقة، تتناول التزامات الدولة تجاه مصرف لبنان. 

الدين ليس شعاراً… بل نتيجة مسار

في القانون، الدين ليس عبارة تُقال ولا رقماً يُتداوَل. الدين؛ إن وُجد؛ هو نتيجة لمسارٍ محدد: كيف دُفعت الأموال؟ من دفع؟ ولماذا؟ وبأي سند؟ وبأي شروط؟ لذلك لا يكفي أن نقول "دين الدولة لمصرف لبنان" وكأنه حقيقة قائمة بذاتها، قبل أن نجيب عن سؤالين يفصلان بين حالتين مختلفتين تماماً:

الأولى: هل ما حصل كان تنفيذاً لخدمة الدولة ضمن حدود ما تملك (أي ضمن أرصدة/ مؤونات موجودة ومقابلة)؟

الثانية: هل كان تمويلاً من موارد مصرف لبنان (أي سلفة أو تسهيل أو تسليف استثنائي خارج حدود التنفيذ)؟

الفارق بين السؤالين ليس لغوياً. ومن دون هذا الحد الفاصل، يصبح "الدين" وصفاً سياسياً يصلح لكل شيء: مرة لتبرير التسويات، ومرة لتدوير الخسائر، ومرة لإنتاج حلول بلا شفافية. قانون النقد والتسليف لا يضع مصرف لبنان، في الأصل، في موقع "دائن دائم" للدولة. هو سلطة نقدية ذات مهمة عامة، وفي الوقت نفسه مصرف للقطاع العام (المادة 85 من قانون النقد والتسليف)، وعميل مالي للدولة (م97 ن.ت). وهذا يعني عملياً قاعدة بسيطة: المصرف المركزي ينفّذ أوامر الدولة ضمن ما لديها لديه، ويسدّد استحقاقات محددة من مؤونات تُودَع مسبقاً وفق شروطها، ويمسك حسابات الدولة ويُنفّذ عملياتها لحسابها، أما تسليف القطاع العام استثناء لا قاعدة ويخضع لشروط وضوابط محددة (م88 إلى م96 ن.ت).

 

حين يصبح "الإثبات" مرهوناً بإتفاق الثنائي

في صلب مشروع "قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع"، تأتي المادة 10 (في باب التزامات الدولة تجاه مصرف لبنان”) بنص محوري يقول في فقرته الأولى: يتم تحديد مبدأ وجود الدين ورصيده المستحق على الدولة اللبنانية لصالح مصرف لبنان من قبل الحكومة اللبنانية ومصرف لبنان، بعد الأخذ بعين الاعتبار مبدأ استدامة الدين العام.

وعندما يصبح الدين "وجهة نظر"، يصبح توزيع الخسائر وجهة نظر أيضاً. وعندها يتحوّل مشروع الانتظام المالي من قانونٍ يُعيد بناء الثقة، إلى إطار لتسوية حساباتٍ قديمة بين الدولة ومصرف لبنان، وبين مصرف لبنان والمصارف، عبر اتفاقاتٍ تُلبّس بلبوسٍ تشريعي من دون أن يسبقها تشخيصٌ مُعلن ووقائع قابلة للتدقيق.

مع الإشارة الى أن المشكلة هنا ليست في فكرة تنظيم دينٍ ثابت أو جدولة دينٍ مُثبت. المشكلة هي في نقطة الانطلاق: النص يجعل وجود الدين ورصيده موضوع تحديد مبدأ بين طرفين، ثم يُدخل معيار استدامة الدين العام في قلب هذه المرحلة.

والسؤال البديهي: الاتفاق يصلح للجدولة بعد ثبوت الدين، لكنه لا يصلح بديلاً عن الإثبات. لأن استدامة الدين العام (أي قدرة الدولة على تحمّل الدين) معيار يُناقش عادةً عند تنظيم السداد والجدولة، لا عند تحديد أصل الدين ورصيده. فإذا امتزجت مرحلة الإثبات بمرحلة التسوية منذ البداية، يصبح الدين عملياً، قابلاً لأن يتحول إلى رقم متفق عليه، لا إلى رصيد مُثبت بسند ووثيقة ومنهجية تدقيق.

 

لماذا المادة 113 خارج نطاق البحث؟

لفهم المادة 113 من قانون النقد والتسليف بصورة مبسّطة، يمكن النظر إليها كقاعدة "إقفال حسابات" سنوية لمصرف لبنان: في نهاية كل سنة مالية، يحتسب المصرف نتيجته (ربحاً أو خسارة) بعد تنزيل النفقات والأعباء والمؤونات. فإذا تحقق ربح، يُخصّص جزء منه للاحتياط العام ويُحوَّل جزء إلى الخزينة. وإذا انتهت السنة بخسارة، تُغطّى الخسارة أولاً من الاحتياط العام، وإذا لم يكفِ يُصار إلى تغطيتها بمساهمة من الخزينة وفق الآلية التي يحددها النص.

بهذا المعنى، المادة 113 تتصل بكلفة عمل المصرف المركزي ونتائج قيامه بمهامه عبر أدواته على مستوى ميزانيته (ربحاً أو خسارة)، وبكيفية امتصاص هذه النتائج لحماية استمراريته. لكنها لا تضع؛ بذاتها، آلية لتثبيت "دين الدولة" ورصيده وأسبابه وتحويله إلى سندات، ولا تغني عن قواعد الإثبات والتوثيق والرقابة عندما نكون أمام تمويل استثنائي يفترض أن يكون له سند واضح وحدود واضحة (م88 إلى م96 ن.ت).

كما أن زيادة رأس المال المصرف المركزي لها مسارها ونصّها (م15 من قانون النقد والتسليف)، ولا يجوز القفز فوقها بإحالة غير منسجمة الى المادة 113، بحيث تُستخدم لتدوير الزوايا بدل ضبطها. 

 

العقدة التي تكشف كل شيء

في خطاب 26 كانون الأول 2025 نفسه، قال رئيس الحكومة إن من تقل ودائعهم عن 100 ألف دولار سيحصلون على هذا المبلغ كاملاً خلال أربع سنوات، وإن هؤلاء يشكلون "نحو 85% من المودعين". هذه أرقام كبيرة ووعد كبير، ومن حق الناس أن تسأل: على أي قاعدة بيانات بُنيت هذه النسب؟ وهل هي متاحة بصورة تسمح بالتدقيق العام؟

المفارقة أن جزءاً كبيراً من هذه البيانات يفترض أنه موجود أساساً. فمصرف لبنان سبق أن طلب من المصارف تزويده بأرصدة الحسابات وفق تواريخ محددة، وبما يسمح عملياً بتكوين صورة واضحة عن توزيع الودائع. ومع ذلك، بقيت النقاشات العامة تدور طويلاً من دون نشرٍ منهجي للأرقام التي تُبنى عليها الوعود، ومن دون توضيح ما الذي يُحتسب "ودائع" وما الذي يُستثنى، وكيف تُفرَز الحسابات، وما هو أثر التحويلات والسحوبات خلال خمس سنوات من الأزمة.

العقدة لا تقف عند بيانات الودائع وحدها، بل تمتدّ إلى الطرف الآخر من المعادلة، فعندما يُقال للرأي العام إن "مصرف لبنان يمتلك احتياطات"، أو عن تنقية أصول غير منتظمة، أو إن "الخطة مبنية على معايير دولية"، من حق الناس أن تسأل قبل أي شيءعن أي احتياطات نتحدث؟ وما المقصود تحديداً بـ"المعايير الدولية"؟ لأنّ استعمال هذه العبارات بصيغة عامة، من دون تعريفٍ أو تمييز، يجعلها، هي أيضاً، قابلة لأن تتحوّل إلى “وجهة نظر” بدل أن تكون حقيقة قابلة للتدقيق.

ففي لبنان، كلمة "احتياطات" لا تُختزل برقمٍ واحد. هي تُستعمل للدلالة على تصنيفات مختلفة، بعضها تنظيمي وبعضها محاسبي، وبعضها داخل البلد وبعضها خارجه وهذا التمييز ليس شكلياً: ليس كل ما يُسمّى "احتياطاً" هو مالاً متاحاً للاستعمال الفوري، ولا كل رقمٍ مسجّل يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الدفع. السؤال هنا ليس "كم هو الرقم؟" بل:  ما طبيعته؟ لمن يعود؟ وما مدى قابليته للاستخدام قانوناً ومحاسبياً؟ وإلا نكون أمام أرقام "على الورق" أكثر مما هي أدوات فعلية للحل.

الأمر نفسه ينسحب على عبارة "المعايير الدولية". لا يكفي أن نرفع شعار "بازل III" (Basel III) أو غيره، فيما الواقع يُدار، منذ 2019، عبر تعاميم ظرفية واستثنائية (ومنها التعميم رقم 154)، بدل أن يُبنى على إصلاحات هيكلية واضحة تُطبّق منطق الرقابة الحديثة:  رسملة كافية، رقابة فعّالة، وشفافية وإفصاحفالمعايير الدولية لا تُستحضر كعنوان سياسي، بل تُطبَّق كمسار: قواعد، تدقيق، أرقام منشورة، ومحاسبة على التنفيذ.وعليه، فلا بدّ أيضاً من ضبط المصطلحات قبل ضبط الأرقام.

بالمحصلة، الودائع، أو ما تبقى منها، وما يتبعها من ثقة لا تُستعاد بوجهة نظر أو بمصطلحات عالمية ولا بمواد قانونية تُقتطع من سياقها. تُستعاد عندما نُسمي الأشياء بأسمائها: أين هي المستندات والعقود؟ من موّل؟ بموجب أي نص؟ ضمن أي سقف؟ وبأي عملة؟ ولأي أجل؟ وبأي فائدة؟ ومن يراجع؟ ومن يطعن؟ وإلا سنبقى ندور في حلقة "قوانين" تُنتج ثقة ورقية… وأزمات حقيقية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث