للمرة الأولى منذ سنوات، يحدد مصرف سوريا المركزي موعداً واضحاً لبدء عملية تغيير العملة.
الأول من كانون الثاني سيكون نقطة الانطلاق لمبادلة الليرة السورية، وفق ما أعلنه حاكم المصرف عبد القادر الحصرية، في خطوة تتجاوز بعدها التقني إلى أسئلة أوسع تتعلق بالسيولة، والتضخم، وقدرة الدولة على ضبط السوق في اقتصاد ما زال هشاً.
الإعلان جاء مرفقاً بسلسلة رسائل تطمين رسمية، حاول فيها المصرف المركزي التأكيد أن العملية لا تعني طباعة أموال جديدة، ولا توسيع الكتلة النقدية، بل إعادة تنظيم المعروض القائم وضبطه.
شكل جديد بلا رموز تقليدية
بحسب الحصرية، ستُطرح العملة الجديدة على مرحلتين، وتتألف من تسع فئات، مع الإبقاء على الليرة كفئة رمزية.
اللافت أن الإصدار الجديد يخلو من صور شخصيات أو رموز تاريخية، ويعتمد بدلاً من ذلك رموزاً عامة تراعي مفهوم "الوحدة الوطنية"، في اختيار يعكس حساسية المرحلة سياسياً بقدر ما هو قرار نقدي.
ويترافق ذلك مع تعزيز عناصر الأمان، من ميزات مرئية وغير مرئية، إضافة إلى حماية خاصة لفئة الألف ليرة، في محاولة للحد من التزوير وضبط التداول.
مرحلة التعايش: الامتحان الأصعب
لا تقتصر عملية التغيير على طرح أوراق نقدية جديدة، بل تشمل مرحلة تعايش بين العملة القديمة والجديدة.
هذه الفترة، وفق المصرف المركزي، لا تقل عن ثلاثة أشهر، وقد تمتد قانونياً إلى خمس سنوات، قبل أن تفقد الليرة القديمة قوتها الإبرائية.
في التجربة السورية، حيث اعتاد السوق تعدد أسعار الصرف واضطراب السيولة، تُعد هذه المرحلة الأكثر حساسية، إذ إن أي ارتباك في التنفيذ قد يفتح الباب أمام المضاربة وخلل التسعير، حتى لو كانت النوايا النقدية منضبطة.
أرقام تكشف حجم التحدي
يحاول المصرف المركزي بناء خطابه على الأرقام.، إذ يوجد حالياً نحو 14 مليار قطعة نقدية متداولة في السوق، بقيمة تقارب 42 تريليون ليرة سورية، تعكس هذه الكتلة الضخمة حجم الفوضى النقدية المتراكمة، وتفسر إصرار المركزي على أن الإصدار الجديد يهدف أساساً إلى معرفة الحجم الحقيقي للسيولة، واستخدامه كأداة أدق للسياسة النقدية.
الحصرية يؤكد أن لكل ليرة جديدة مقابلاً اقتصادياً، مشيراً إلى أن نسب التغطية المباشرة مرتفعة، وتتضمن 26 طناً من الذهب، في محاولة لتعزيز الثقة بالإصدار الجديد.
استبدال العملة: أداة لضبط الكتلة النقدية
في حديثه مع "المدن"، يرى عضو جمعية المحللين الماليين في سوريا فادي حداد، أن استبدال العملة في الحالة السورية هو إجراء حسابي وتقني يندرج ضمن عملية متكاملة تهدف إلى إعادة ضبط وتنظيم الكتلة النقدية، وليس مجرد تغيير شكلي للأوراق المتداولة.
ويوضح أن حذف الأصفار يسمح بإعادة تحديد حجم المعروض النقدي الأساسي خارج القطاع المصرفي (M0)، بعد سنوات من تمويل عجز الموازنات عبر الإصدار النقدي غير المنضبط، وهو ما أسهم بحسب قوله "في تضخم الكتلة النقدية وفتح المجال أمام المضاربة".
كذلك يشير حداد إلى أن "إعادة هيكلة الفئات النقدية باتت ضرورة عملية لمعالجة اختلالات السيولة التي واجهها القطاع المصرفي والمودعون، ولتصحيح التشوهات الناتجة عن التراجع الكبير في القيمة الشرائية، إذ إن أعلى ورقة متداولة حالياً (5000 ليرة) ستعادل بعد الاستبدال نحو 50 ليرة جديدة، ما يستدعي إصدار فئات أعلى وأكثر ملاءمة للنشاط الاقتصادي والتسعير اليومي".
وفي ما يتعلق بالمقابل الاقتصادي للعملة الجديدة، يؤكد حداد أن الاحتياطيات من الذهب والعملات الأجنبية تشكّل عنصر ثقة مهم، لكن العامل الحاسم يبقى في مدى كفاية المعروض النقدي لتلبية متطلبات الاقتصاد الحقيقي، خاصة في ظل ضعف الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني.
ويشدد عضو جمعية المحللين الماليين في سوريا على أن "استبدال العملة بحد ذاته لا يؤثر على القيمة الشرائية ولا يشكل أداة سياسة نقدية، إذ إن الأداة الحقيقية تكمن في قدرة المصرف المركزي على ضبط الكتلة النقدية بما يتلاءم مع مستوى النشاط الاقتصادي"، مؤكداً أن نجاح الخطوة على المدى المتوسط مرهون بارتفاع القدرة الإنتاجية وتوافق نمو الناتج المحلي مع كتلة نقدية داعمة، بما يمنع تحوّل النمو إلى ضغوط تضخمية.
قرار سيادي محفوف بالمخاطر
من جهته، يعتبر الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن "تغيير العملة في سوريا لا يمكن اعتباره إجراءً تقنياً لمعالجة اختلالات ظرفية مثل نقص السيولة، بل هو قرار سياسي سيادي اتُّخذ قبل معالجة الأسباب النقدية العميقة، وفي ظل هشاشة واضحة في القنوات المصرفية التابعة للمصرف المركزي، ما يجعل عملية استبدال العملة مرتفعة الكلفة ومحفوفة بالمخاطر".
ويوضح لـ "المدن" أن التراجع الحاد في القدرة الشرائية لليرة، الذي فقدت معه نحو 99% من قيمتها خلال سنوات الحرب، أفقدها وظائفها الأساسية ودفع السوق إلى استخدام بدائل خارج سيطرة البنك المركزي، من الدولار والليرة التركية وصولاً إلى العملات الرقمية، ما فاقم فوضى التسعير والتشظي النقدي.
وبحسب الكريم، فإن استبدال العملة يُعد من أكثر الإجراءات النقدية حساسية، وكان يفترض أن يسبقه إصلاح مؤسسي شامل للقنوات المصرفية، وتدرّج واضح في الاستبدال، وتحديد دقيق لحجم الكتلة النقدية وكلف الطباعة، إضافة إلى إطار قانوني وآليات رقابية وتوعوية تحمي الفئات الأضعف.
ويحذّر من أن تنفيذ القرار في ظل ضعف الثقة، وتناقض الخطاب الرسمي، وغياب جدول زمني وسقوف واضحة للاستبدال، "قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تشمل زيادة المضاربة، والضغط على العملات البديلة، وتعميق اقتصاد الظل". ويخلص الكريم إلى أن الإصدار النقدي الجديد، بصيغته الحالية، لا يشكّل معالجة حقيقية للاختلالات البنيوية، بل قد يفاقم الهشاشة النقدية، معتبراً أن خيارات مثل توحيد سعر الصرف أو الدولرة الجزئية كانت أقل كلفة وأكثر واقعية في هذه المرحلة.
التضخم… خط أحمر
بالتوازي، يتعلق أحد أكثر الأسئلة حضوراً في النقاش العام بالتضخم، فالمصرف المركزي يصرّ على أن خطر ارتفاع الأسعار بعد تغيير العملة محدود، لأن العملية لا تتضمن زيادة المعروض النقدي، ولا تمويل العجز عبر الطباعة.
لكن التجربة الاقتصادية تُظهر أنّ التضخم لا يرتبط فقط بحجم الكتلة النقدية، بل أيضاً بالثقة، والتوقعات، وسلوك السوق خلال الفترات الانتقالية، وهي عوامل يصعب ضبطها بالنصوص وحدها.
ما بين التقنية والثقة
في المحصلة، يُقدّم المصرف المركزي تغيير العملة بوصفه خطوة تقنية لإعادة ضبط السوق النقدية، وليس إجراءً شكلياً أو تجميلياً.
غير أنّ نجاح هذه الخطوة سيُقاس بقدرة المؤسسة النقدية على إدارة المرحلة الانتقالية بهدوء، وضمان وضوح القواعد، ومنع استغلال التبديل لتحقيق مكاسب سريعة على حساب الاستقرار.
وما بين إعلان الأول من يناير وبداية التنفيذ الفعلي، يقف الاقتصاد السوري أمام اختبار جديد: هل يكون تغيير العملة أداة لإعادة بناء الثقة، أم مجرد إجراء محسوب بدقة على الورق، وصعب التطبيق في سوق اعتاد الارتباك؟
